رمضان: من جلد الذات والآخرين… إلى التسامح معهم

رمضان: من جلد الذات والآخرين… إلى التسامح معهم

19-02-2026 05:37 PM

في كل عام، يأتي رمضان محمّلًا بتوقعاتٍ عالية، وأحلامٍ مثالية، وصورٍ ذهنيةٍ تكاد تلامس الطهر المطلق. نعلّق عليه آمالًا ثقيلة، ونطالبه بأن يصنع منا نسخًا منقّاةً من كل ضعف، منزّهةً عن كل زلّة، وكأن شهرًا واحدًا قادرٌ على أن يعيد تشكيل الطبيعة البشرية من جذورها.
لكن الحقيقة البسيطة التي نهرب منها أحيانًا، أن الإنسان… إنسان.
يخطئ، ويضعف، ويتردد، ويتعب.
و«كلُّ ابنِ آدمَ خطّاء»، كما جاء في الحديث النبوي، لا لأن الخطأ فضيلة، بل لأن النقص جزء من تركيبتنا، ومن وعينا، ومن رحلتنا في التعلم والنضج.
رمضان ليس مصنعًا لإنتاج الملائكة.
هو مساحة تدريب، لا شهادة كمال.
هو فرصة اقتراب، لا إعلان عصمة.
الصيام، في جوهره، ليس امتناعًا ميكانيكيًا عن الطعام والشراب لساعات، ثم تعويضًا بنهمٍ عند المغيب. فالجوع وحده لا يصنع روحًا نقية، كما أن الشبع لا يفسدها بالضرورة. الروح تُصقل بالوعي، وبالمراجعة، وبمحاسبةٍ رفيقةٍ لا قاسية، وبنيةٍ صادقةٍ لا باستعراضٍ اجتماعي.
كم مرةٍ يتحول رمضان، دون أن نشعر، إلى موسمٍ لجلد الذات؟
نراقب أنفسنا بعد كل تقصير، نجلدها بقسوة، ونعلن فشلنا الأخلاقي لأننا غضبنا مرة، أو تكاسلنا عن قيام، أو فقدنا صبرنا في زحام الحياة،أو انسقنا نحو الثرثرة ووقعنا في شرك الغيبة والنميمة،وكأننا نسينا أن التغيير عملية بطيئة، تراكمية، تتعثر أحيانًا، وتتقدم أحيانًا أخرى.
والأخطر من جلد الذات… جلد الآخرين.
نرفع معاييرنا الشخصية لتصبح مقياسًا عامًا، ونحاكم الناس وفق تصورنا الخاص عن “الرمضانية المثالية”. هذا صائمٌ لكنه غاضب، وتلك محجّبة لكنها أخطأت، وذاك يُقصّر في العبادة. نوزّع الأحكام بسخاء، وننسى أن القلوب لا تُرى، وأن النيات لا تُقاس بميزاننا.
رمضان ليس حلبةً للمقارنة.
ولا سباقًا في عدد الختمات.
ولا منصةً لعرض التقوى.
هو علاقة فردية بين العبد وربه، ومسار داخلي قد لا يبدو مثاليًا في عيون الآخرين، لكنه صادق في جوهره. وقد يكون شخصٌ يصارع عادةً سيئة بصمت، أصدق روحًا ممن يعلن عبادته جهارًا.
ثم إن التوبة ليست امتيازًا موسميًا.
ليست بطاقةً صالحةً ثلاثين يومًا فقط.
بابها مفتوح على الدوام، في كل شهر، في كل لحظة صدق. رمضان يذكّرنا بهذا الباب، لكنه لا يحتكره.
من القسوة أن نُحمّل الشهر ما لا يحتمل، وأن نجعل منه معيارًا لإدانة أنفسنا أو غيرنا. ومن الحكمة أن نفهمه كما هو: فرصة، لا معجزة. مناخًا مساعدًا، لا عصا سحرية.
التغيير الحقيقي لا يحدث لأن التقويم قال إننا في رمضان، بل لأن القلب قرر أن يخطو خطوة، ولو صغيرة، نحو وعيٍ أعمق، ورحمةٍ أوسع، ونظرةٍ أكثر إنصافًا للذات وللناس.
فلنخفف عن أنفسنا قليلًا.
ولنخفف عن الآخرين أكثر.
لنحوّل رمضان من موسم جلدٍ وقسوة، إلى موسم فهمٍ وتسامح.
من محكمةٍ أخلاقيةٍ دائمة الانعقاد، إلى مساحة مراجعةٍ هادئة.
من مثاليةٍ مرهقة، إلى إنسانيةٍ صادقة.
فلسنا ملائكة في شعبان، ولن نصبح ملائكة في رمضان.
نحن بشرٌ نحاول… وهذا وحده كافٍ ليكون بداية الطريق.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

صحة إربد تباشر بتحديث أجهزة التصوير الإشعاعي في مراكزها إلى الرقمي

المحبة ما بدها كلام - إعلان رمضان 2026

ترامب يشير إلى أنه سيصل إلى حل بشأن إيران في نحو 10 أيام

فرنسا: فوجئنا بمشاركة المفوضية الأوروبية في اجتماع مجلس السلام

العنصرية ضد فينيسيوس تشعل أزمة جديدة في دوري أبطال أوروبا

ورشة عمل حول التجارة في الخدمات في الصناعة والتجارة

بين الحياد وقرع الطبول

ترامب: السلام صعب جدا لكننا سنحققه… والوضع في غزة معقد للغاية

صدور التعليمات الجديدة لتملك ونقل ملكية وسائط نقل الركاب – تفاصيل

قانون الضمان الاجتماعي: إصلاح الاستدامة أم تعميم المخاطر

الحنيطي يرعى حفل توزيع الكؤوس على الوحدات الفائزة في القوات المسلحة للعام 2025

رمضان: من جلد الذات والآخرين… إلى التسامح معهم

نتنياهو: إيران ستواجه ردا لا يمكنها تصوره إن هاجمت إسرائيل

ترامب يترأس اليوم أول اجتماع لمجلس السلام

هلال سيبراني .. حملة وطنية جديدة لتعزيز الوعي بالأمن السيبراني في رمضان