سحر الأوهام الثقافية
17-06-2025 05:37 AM
في كتابه الجريء والمثير للجدل «ألغاز الثقافة» Cows, Pigs, Wars, and Witches لا يتوقف الأنثروبولوجي الأمريكي مارفن هاريس، عن إلحاق الصدمة بقارئه، لا عن طريق الوقائع فحسب، بل بالطريقة التي يعيد بها ترتيب فهمنا للثقافة والدين والرموز والطقوس، تلك التي بدت دائماً خارج منطق الحسابات المادية.
يذهب هاريس إلى أن كل ما يصنعه الإنسان، حتى أكثر طقوسه إثارة وغرابة، لا يخرج عن شبكة المصالح النفعية، وهي فكرة مركزية في ما يُعرف بالأنثروبولوجيا المادية. بالنسبة له، لا شيء عبثياً في الثقافة؛ كل معتقد مهما بدا جنونياً وغير مفهوم، وكل ممارسة مهما بدت لا عقلانية، تحمل في جوهرها استجابة ذكية، وإن لم تكن واعية، لشروط البقاء في بيئة عيش معينة.
هذا النوع من التفكير على الرغم من صلاحيته ووجاهته، يجرّد الإنسان من قدسيته الرمزية ليعيده إلى دائرة العقل الأداتي: البقرة التي تُعبد ليست مقدسة لذاتها، بل لأنها أكثر فائدة إذا ظلت حيّة؛ والساحرة التي تُحرق لا تمثل الشر فقط، بل تؤدي وظيفة التفريغ الجمعي في فترات الهلع الاجتماعي. الأنثروبولوجيا، كما يريدها هاريس، هي مجرد أداة لتفكيك الوهم، لا لاستخدامه الطفولي في تفسير العالم، وهذا التفكيك لا يستثني شيئاً، حتى أكثر الأوهام ارتباطًا بالروح أو الغيب. إنه تفكيك يُقصي الحاجة إلى الأسرار، ويستبدل بها تفسيراً عقلانياً يُغني عن التبرير الميتافيزيقي
من أروع وأغرب ما ورد في الكتاب هو ما يتعلق بمعتقد عقيدة الأحمال، أو ما يعرف بـ Cargo Cult، الذي ظهر في جزر ميلانيزيا بعد الحرب العالمية الثانية. بعد أن استخدمت الولايات المتحدة ودول الحلفاء هذه الجزر كقواعد عسكرية، شهد السكان الأصليون طائرات تهبط محملة بالأطعمة والملابس والمعدات. ولمّا رحل الجنود، ظنّ الأهالي أن هذه الهدايا السماوية ستتوقف، إلا إذا مارسوا الطقوس التي جلبتها. فصنعوا مدارج طائرات من القش، وقلّدوا مشية الجنود، وأقاموا تماثيل على شكل أبراج مراقبة خشبية، وارتدوا ملابس عسكرية بدائية، ظناً منهم أن هذه الطقوس قادرة على استعادة الأحمال لتأتيهم ثانية من السماء.
ربما يسهل على العقل الحديث أن يسخر من هذه الطقوس ويرى فيها غباء بدائياً، لكن قراءة هاريس لها تكشف عن منطق حاد: ما فعله الميلانيزيون لم يكن جهلاً منهم، وإنما محاولة لتقليد ما بدا أنه السبب في وفرة الثروة. فهم لا يعرفون شيئاً عن المصانع أو سلاسل الإمداد أو الصناعة الرأسمالية، لكنهم رأوا طقوسًا مصاحبة لقدوم المؤن، فربطوا الشكل بالنتيجة. كانت تلك محاولة لفهم عالم غير مفهوم، تأويل بدائي لعالم رأسمالي بالغ التعقيد، وهي من هذه الزاوية ليست خرافة بقدر ما هي قراءة ذكية من داخل منظومة مغلقة.
لكن هل هذا هو كل ما في القصة؟ هل يحق لنا أن نكتفي بالتحليل الاقتصادي ونهمل ما في تلك الطقوس من رمزية؟ الميلانيزيون لم يعبدوا الشحنة فقط، بل رمّزوا العالم من جديد، خلقوا نظامهم الخاص للمعنى وسط نظام عالمي بدا لهم غامضاً وبعيداً عن إمكاناتهم. ما بدا طقساً ساذجاً لاستدعاء المؤن قد يكون صرخة وجودية في وجه التهميش، وشكلاً بدائياً من أشكال استعادة السيطرة على عالمهم.
الطريف أن هذا النمط من التفكير، كما يقدمه هاريس، يمتد إلى طقوس أخرى عبر العالم: لماذا يرفض الهندوس ذبح الأبقار رغم الفقر؟ لأنها ببساطة أكثر فائدة في حياتها اليومية، إذ توفر الحليب، وتحل محل المحراث، وتُنتج السماد الطبيعي. ذبحها، بحسب هاريس، هو قرار خاسر في الميزان الاقتصادي. وكذلك تحريم أكل الخنزير في اليهودية والإسلام لا يعود فقط إلى رمزية النجاسة، بل إلى كونه حيواناً غير مجدٍ في بيئات جافة لا تسمح بتربيته دون تكلفة عالية، إذ لا يستخدم في الحرث، ولا يتحمل المناخ الصحراوي، ولا يرعى كما تفعل الأغنام والماعز.
وحين يتناول هاريس طقوس ملاحقة الساحرات في أوروبا القرون الوسطى يربطها بحالات من التوتر الاجتماعي، حين تتفكك الأنظمة وتُبحث عن ضحية داخلية تُلقى عليها أعباء القلق الجماعي. إنه تحليل لا يلغي الغيبيات، بل يضعها في سياق نفسي واجتماعي له جذور مادية واضحة.
رؤية هاريس تفتح نقاشاً جوهرياً حول معنى الإيمان والدين والثقافة. هل نحن حقًا أحرار في معتقداتنا، أم أننا أبناء لبيئة تنتج لنا أفكارنا بقدر ما تنتج لنا غذاءنا؟ وإذا كانت الطقوس والمعتقدات ما هي إلا انعكاسات لعلاقات الإنتاج، فهل هذا يعني أن كل ما نتمسك به من مقدسات ليس إلا أقنعة اقتصادية؟ هذا سؤال قاسٍ، لكنه ضروري.
في النهاية، يذكّرنا مارفن هاريس أننا لا نستطيع أن نفهم الإنسان ما لم نرَ كيف يأكل، وكيف يزرع، وكيف يوزّع موارده. لكننا، ونحن نفكك هذه الأساطير، لا نملك إلا أن نُدهش من قدرة البشر على تحويل عجزهم إلى معنى، وحرمانهم إلى طقوس، وأن يحلموا حتى وهم يصنعون مدارج طائرات من قش. ذلك الوهم الجميل الذي قدره الأنثروبولوجيون طويلاً كنظام لتفسير العالم، جاءت الأنثروبولوجيا المادية لتزيح عنه السحر، أو الوهم الضروري لكي نقبل عالمنا كما هو.
إسبانيا تهزم بلجيكا وتضرب موعداً مع فرنسا بالمونديال
اشتباه بتعرض الاتحاد الأرجنتيني لهجوم إلكتروني عقب مباراة مصر
إيران تنفي تقديم طلب لإجراء مفاوضات مع أمريكا
علم فلسطين يتصدر احتفالات استقبال منتخب مصر .. صور
مقتل أميركية في إيرلندا .. البحث عن أردني غادر البلاد قبل اكتشاف الجريمة
انطلاق فعاليات الأسبوع الثالث من مهرجان صيف الأردن إربد
غرق 131 شخصاً في فرنسا بسبب موجة الحر
منتخب السلة تحت 18 عاماً يخسر أمام إيران
مؤشرات لاعتزام جيش الاحتلال الانسحاب من مناطق بلبنان
رغم التراجع .. النفط يتجه نحو مكاسب أسبوعية
إسبانيا 2 بلجيكا 1 بكأس العالم .. تحديث النتيجة
قاليباف: الحرب لن تنتهي أبدا باستسلام إيران
رسمياً .. الفيصلي يتعاقد مع حارس المرمى عبدالله الفاخوري
طلبة التوجيهي يواصلون تقديم امتحاناتهم غداً
تحذير من إحداث بلبلة والطعن في الغذاء الأردني عند إغلاق منشأة
مباراة المغرب وفرنسا .. صدام الثأر والحلم العربي والقنوات الناقلة والبث المباشر
قبول الدخالة في قضية طالب التوجيهي فهد أبو شايب .. والأردنيون ينتظرون العدالة
زوجة قتلت زوجها ودفنته في ابو نصير .. تفاصيل صادمة
مقتل أميركية في إيرلندا .. البحث عن أردني غادر البلاد قبل اكتشاف الجريمة
السلامي يوجّه رسالة مؤثرة للأردنيين بعد رحيله
جريمة مروعة في الموقر .. تفاصيل مقتل الطفل عبد الحكيم على يد حدث
بعد الجدل .. نقابة الفنانين الأردنيين تعلق قرار شطب 46 عضوًا بينهم صبا مبارك
التربية تكشف تفاصيل تصحيح الرياضيات وتطمئن طلبة التوجيهي
خالد البكار يعيد القضية إلى الواجهة .. قراءة في التطورات وتداعياتها السياسية
مصر تودع كأس العالم وسط جدل تحكيمي .. ماذا قالت الصحافة الأرجنتينية عن حسام حسن؟
وظائف شاغرة ومدعوون للاختبار التنافسي في الحكومة .. تفاصيل
وفاة الإعلامي سعود العتيبي بحادث سير مروع
هيئة البث: إسرائيل ترفض تجديد اتفاقية المياه مع الأردن
