هكذا تزوج كانط

هكذا تزوج كانط

26-05-2026 02:47 PM

قبل أيام شاهدت حلقة من أحد المسلسلات التي تعرض هذه الأيام، ودارت فيها مناقشة حادة بين أم وولدها المضرب عن الزواج. كان الشاب داخل بيئة العمل يتحدث وكأنه متأثر بفيلسوف من فلاسفة عصر التنوير الأوروبي، يزن أفكاره بحذر شديد، ويواجه ضغط العائلة بمنطق يبدو صارماً من الخارج، لكنه في بنائه الدرامي الداخلي كان هشاً ومحاطاً بموسيقى تصويرية ساخرة تنتقص من جدية الشخصية ومن عمق أسئلتها.
انتهى المشهد وبقي يعمل في ذهني، تذكرت الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط، الرجل الذي غير شكل الفلسفة الأوروبية كلها، وأعاد تعريف العقل نفسه، والذي قد تبدو بعض تفاصيل حياته الخاصة للوهلة الأولى أقرب إلى الطرفة منها إلى الحقيقة.
كانط ليس اسماً عابراً في تاريخ الفكر، إنه أحد أعظم العقول التي مرت على أوروبا، والرجل الذي تشكل بعده جزء كبير من الفلسفة الحديثة كما نعرفها اليوم.
في كتبه الكبرى، نقد العقل المحض ونقد العقل العملي ونقد ملكة الحكم، لم يكن يكتب أفكاراً عابرة أو تأملات عامة، كان يحاول أن يفهم حدود العقل البشري نفسه: كيف يعمل، ومتى يخطئ، وما الذي يستطيع أن يبلغه وما الذي يعجز عنه. كان يتعامل مع العقل كقوة مركزية في حياة الإنسان، وليس من كونه ترفاً ذهنياً، العقل بالنسبة له أداة فهم العالم واتخاذ المواقف داخله.
عاش حياته في مدينته الصغيرة كونيغسبرغ. لم يكن محباً للترحال، ولم يغادرها تقريباً. كانت أيامه تمضي بين التدريس والكتابة والمشي والتأمل، بنظام صارم يكاد يتحول إلى طقس يومي. لكنه، وسط هذا الانضباط الفكري الهائل، مر بتجربة إنسانية عادية جداً: فكر بالزواج.
يروي في مذكراته أنه التقى امرأة ووجد نفسه مأخوذاً بها، ثم بادرت هي وعرضت عليه الزواج بعد محاولات لاستمالته إلى الفكرة. وعدها بأنه سيفكر في الأمر. لم يرفض، ولم يقبل. فقط قال إنه سيفكر. ثم مضت الأيام، والأيام التي تلتها، وتحول التفكير إلى سنوات. سبع سنوات كاملة ظل فيها يراجع الفكرة بعقله المعتاد على التحليل والتركيب. كان يضع الأسباب التي تمنعه، ثم يعود ويكتب الأسباب التي تدفعه. وفي النهاية، خرج بحصيلة تكاد تكون مذهلة: ثلاثمئة وخمسة وأربعون سبباً تمنعه من الزواج، مقابل ثلاثمئة وخمسين سبباً تؤكد وجوبه.
وحين حسم أمره أخيراً وقرر الذهاب لطلب يدها، أعطاه والدها عنواناً جديداً، ثم أبلغه بنبرة لا تخلو من تهكم إنها انتقلت إلى منزلها الجديد مع زوجها وطفليها.
لم يورد كانط هذه الحادثة بوصفها طرفة، ولم يكن يسخر من نفسه، كان جاداً تماماً، كما كان جاداً في كل شيء. وربما لهذا السبب بقيت القصة حية ومثيرة إلى اليوم؛ فهي لا تكشف فقط عن شخصية استثنائية بالغت في التأمل، بل تفتح سؤالاً أوسع عن علاقتنا نحن بالوقت، وبالقرار، وبالمسافة الفاصلة بين العقل والعاطفة.
نحن نعيش زمناً مختلفاً تماماً. العلاقات تتشكل بسرعة خاطفة، والوعود تقال بسهولة، والقرارات المصيرية تتخذ أحياناً تحت اندفاع عاطفي لا يمنح العقل وقتاً كافياً ليفهم أو يتأمل. والغريب أن هذه السرعة لم تعد تثير دهشتنا كما ينبغي. نباركها غالباً، ونعدها طبيعية، حتى حين تنتهي بنتائج واضحة من الفشل أو الفراق. في المقابل، يثيرنا البطء، وننظر بشك إلى من يتأنى كثيراً، أو من يراجع نفسه مراراً قبل أن يقرر.
ربما لهذا تبدو قصة كانط غريبة ومضحكة للبعض. لكن إذا تأملناها جيداً سنجد أنها تضعنا أمام مفارقة دقيقة: لماذا نستفز من كثرة التفكير أكثر مما نستفز من قلته؟ ولماذا نعد التسرع علامة حياة، بينما نعامل التأني وكأنه عيب أو تردد أو خوف؟
بالطبع، هذه ليست دعوة للعزوبية، وليست دفاعاً عن تحويل الحياة إلى معادلة زمنية. لا أحد يستطيع أن يعيش بالعقل وحده، تماماً كما لا يستطيع أن يعيش بالعاطفة وحدها. لكنها دعوة للتوازن، إلى أن نمنح عقولنا حقها قبل أن نسلمها بالكامل لاندفاع القلب، وإلى أن نقاوم كسل التفكير حين تصبح العاطفة في أوج نشاطها وعنفها.
ربما لم يتزوج كانط في النهاية، وربما أخذ من التفكير أكثر مما يحتمله قلب عادي، لكن عبارته الأشهر بقيت حية حتى اليوم، كوصية إنسانية تصلح لكل زمن:
ولتكن لكم الجرأة على استخدام عقولكم.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

شركات استبدلت موظفيها بالذكاء الاصطناعي ثم تعود لتوظيفهم .. ما القصة؟

القضاء العراقي يسترد 21 مليارا عن جريمة احتيال مالي

السيسي يصدر 3 توجيهات تهم ملايين المصريين

زين تعزز منظومة حماية الأسرة والطفل بالتعاون مع مؤسسة نهر الأردن

ما حقيقة فرض غرامة 225 ألف دينار على مزارع بسبب مياه الأمطار؟

وزير الثقافة يعلن بلدة "حمود" مدينة للثقافة الأردنية لعام 2027

الذهب والنفط وفلس الريف .. "الطاقة" تستعرض تقدم مشاريعها الاستراتيجية

الصادرات الأردنية للاتحاد الأوروبي ترتفع إلى 411 مليون دينار

5 شهداء ومصابون في قصف الاحتلال مواصي خانيونس بغزة

مجمع الملك الحسين للأعمال يوقع مذكرة تفاهم مع اتحاد الرياضات الإلكترونية

انطلاق المؤتمر الفني الدولي الـ38 للاتحاد العربي للأسمدة بعمان الثلاثاء

ميتا تدخل عالم الروبوتات البشرية عبر "ماكس"

فريق الاتحاد في صدارة دوري المحترفات لكرة القدم

توقيع اتفاقية لتعزيز الاستفادة من خدمات الاستعلام الائتماني

الإحصاءات العامة تمدد أعمال التعداد لاستكمال تغطية جميع مناطق المملكة

مصدر طبي يكشف لـ"السوسنة" الحالة الصحية لمنفذي هجوم الكرك

"أعطل من نتنياهو" .. عبارة تقود طبيبا اردنيا إلى السجن 6 أشهر

الضمان الاجتماعي يعلن تسهيلات جديدة للأردنيين .. تفاصيل

السجن بحق 7 من قادة الإخوان بالأردن .. أسماء

إنهاء خدمات موظفين حكوميين .. أسماء

بعد اشتعال مواقع التواصل بالخبر .. حقيقة القبض على منفذي هجوم الكرك

بالفيديو .. لحظة مداهمة منفذي هجوم الكرك والقبض عليهم

ثأراً لشهداء الكرك .. الأردن ينفذ عملية جوية في سوريا .. التفاصيل

وفاة طفل تهز مركز أشعة في عمان .. وإغلاقه بالشمع الأحمر

الأردن يقبض على عشرات المتورطين .. التفاصيل

إرادة ملكية بتعيين الأمير هاشم بن الحسين مستشارا للملك

تعديلات قانون التنفيذ: ضوابط جديدة لمنع سفر المدين وآليات حديثة لسداد الديون

الأمن العام يكشف كيف اتخذ منفذو جريمة الكرك قرارهم

ما قصة أسماء محافظات الأردن؟ حكايات تختبئ خلف أسماء 12 محافظة

أردنيون أمام مهلة شهرين لتسديد التزامات مالية .. أسماء