250 عاما على الاستقلال الأمريكي: الوجه الآخر للإبادة

250 عاما على الاستقلال الأمريكي: الوجه الآخر للإبادة

10-07-2026 01:01 AM

احتفلت الولايات المتحدة بذكرى استقلالها الخمسين بعد المئتين، بإطلاق ألعاب نارية تقدر قيمتها بـ2.2 مليار دولار واستهلاك كميات كبيرة من الطعام والمشروبات الروحية وإقامة الاستعراضات الكبرى ليصل إجمالي تكاليف المناسبة نحو 15 مليار دولار تكفي لإطعام كل جياع العالم.
ومن المفيد أن نراجع إنجازات وإخفاقات هذ الدولة الأقوى في العالم اقتصاديا وعسكريا وتكنولوجيا، حيث تربعت على قمة هرم القوة منذ الحرب العالمية الثانية بلا منازع. وقوتها ليست في ما تملكه فقط من رؤوس نووية وغواصات وحاملات طائرات، بل بقدراتها الهائلة على بسط هيمنتها والعمل على إبقاء هذه الهيمنة ما استطاعت إلى ذلك سبيلا.
ولا يجوز أن نقيم هذه الدولة من منظار سياسي بحت، بحيث نركز على عيوبها، وظلمها وحروبها، وما ارتكبته من مجازر وتدخلاتها في شؤون الدول ما ظهر منها وما خفي، لكن الموضوعية تحتم علينا أن نذكر بعض منجزاتها وهي كثيرة ساهمت في تحسين حياة الناس في كل مكان. لقد جمعت هذه البلاد خيرة عقول البشرية كلها، إذ قامت أساسا على فكرة الهجرة والمهاجرين، فكل سكانها، ما عدا الشعوب الأصلية من المهاجرين. ولا عجب إذن أن نجد أهم الاختراعات التي غيرت وجه البشرية كلها انبثقت من هذه البلاد، خاصة الكهرباء والهاتف والسيارة والطائرة والاتصالات السلكية واللاسلكية، وصولا إلى الشبكة العنكبوتية الإنترنت. وفي المجال الاجتماعي كانت سباقة في صياغة نظام جمهوري قائم على الانتخابات الحرة، والمنافسة الشريفة، مع ضمان حرية الرأي والتعبير والدين والمعتقد، ضمن نظام ديمقراطي يسمح للمعارضة أن تصل السلطة ويعاقب السلطة ويرسلها لصفوف المعارضة. ديمقراطيتها ليست كاملة الأوصاف، لكنها تتيح للناس أن يشاركوا بحرية في اختيار من يمثلهم، الذي بدوره يخضع للمساءلة كأي إنسان عادي، بعيدا عن التأليه والتأبيد على كرسي الحكم. وهذه الإنجازات أشار إليها ترامب في خطاب الاستقلال مساء السبت الماضي قائلا: «إننا نجتمع هذه الليلة للاحتفال بأهم الإنجازات التي حققناها في تاريخنا. بلادنا هي أرض الحريات ونمثل الأمل والوعد والفخر لكل بلدان العالم». وأضاف «نحن نعيش فجر العصر الذهبي الأمريكي. نحن الأفضل. شعب واحد وأسرة واحدة تحت راية واحدة وسواسية في الحقوق والواجبات».
وللأمانة والتاريخ أن هذه البلاد، رغم كل عيوبها التي سأذكر رزمة من أخطرها، إلا أنها فتحت فرصا كبيرة للمهاجرين الذي هربوا من بلادهم بسبب إملاق، أو اضطهاد، أو تشريد أو حروب، وهو ما يبدو مليا من وصول عدد منهم إلى مراكز عظمى في هذه البلاد مثل، إلهان عمر ورشيدة طليب وزهران ممداني وهيلين توماس وإدوارد سعيد وأحمد زويل وآلاف غيرهم. نعم أتاحت هذه البلاد الفرص فمنهم من استغلها وأبدع، ومنهم من ظل على هامش الحياة ثم يضع اللوم على البلاد نفسها. ولا يظنن أحد أنني أطري هذه البلاد عن بعد، بل أقول ما لها وما عليها، كشاهد عيان عاش الجزء الأكبر من حياته فيها طالبا وموظفا دوليا وأستاذا جامعيا وصحافيا وكاتبا. وكما كتبت في عيوبها ونواقصها وظلمها، خاصة في شخصية ترامب، لو كتبت نزرا يسيرا منه في أحد حكام العرب لقادتني تلك الأطروحات إلى السجن أو سحب الجنسية.

الجانب المظلم من الإمبراطورية
لقد بنيت هذه البلاد وتطورت وتضخمت واشتد عودها بناء على ثلاث مظالم كل واحدة أكبر من الأخرى:
أولا- إبادة السكان الأصليين: فقد مارس المهاجرون الأوروبيون الأوائل التطهير العرقي في أبشع صورة في تاريخ الإنسانية. لقد شنوا حروب إبادة على السكان الأصليين قدرت بـ1500 مواجهة وأطاحوا بالملايين، ولا أحد يعطي أرقامها الحقيقية وتتراوح بين 15 إلى 70 مليون إنسان، ولم يبق في الولايات المتحدة مع نهاية الحروب في نهاية القرن التاسع عشر إلا 283 ألفا وضعوا في معازل. وهذه بلا شك، أكبر جريمة تطهير عرقي في تاريخ البشرية.
ثانيا ـ منذ نهايات القرن السابع عشر بدأت عمليات الرق واستجلاب الأفارقة عبيدا للأرض: كانت السفن تغادر افريقيا مكتظة تحمل فوق طاقتها من العبيد، من دون غذاء أو دواء أو صرف صحي، فيقع كثير منهم ضحايا للأمراض الفتاكة. وكان البحارة يحملون الشخص المريض ويقذفون به في عرض المحيط. فلا يصل شواطئ الأطلسي إلا أصحاب الأجسام المنيعة. في الحرب الأهلية الأمريكية التي انطلقت عام 1861 كان في الولايات المتحدة نحو أربعة ملايين أفريقي، 95% منهم في الولايات الجنوبية. كانت ولايات الشمال تعارض الاسترقاق، وتعتقد أن تحرير العبيد سيؤدي بالضرورة إلى وقف عمليات الاستجلاب من القارة الافريقية. وعندما انتخب أبراهام لنكولن عام 1860 المعروف بتأييده تحرير العبيد، أعلنت ولايات الجنوب الانفصال عن الدولة الاتحادية. فشن لنكولن الحرب، ولما انتصرت ولايات الشمال عام 1865 أعلن رسميا إنهاء العبودية ودفع حياته ثمنا لذلك. ولم تبدأ عملية التحرير الحقيقي للسود إلا بعد مئة عام، مع قيام حركة الحريات المدنية بقيادة مالكوم إكس ومارتن لوثر كنغ، فانحنى الرئيس جونسون ووقع الإعلان الرسمي لإنهاء العبودية والتمييز الممنهج ضد السود في 2 يوليو عام 1964. وكانت انتخابات عام 1968 أول انتخابات تلغى فيها الاستثناءات كافة، وشارك فيها السود على قدم المساواة مع البيض. إلا أن العنصرية ضد السود متجذرة في مسامات جلود البيض الذين يمثلهم ترامب حتى الآن.
ثالثا- الحروب التي لم تتوقف يوما. فعند انتخاب الرئيس جيفرسون عام 1800 أقر بشن حرب ضد شواطئ ليبيا، ما سماه الحرب البربرية، بين 1801-1805. وفي عام 1823 أقر جيمس مونرو، بما سمي بمبدأ مونرو، الذي أقر بأن الأمريكتين هما منطقة أمن قومي للولايات المتحدة ولا يسمح لأحد أن يبسط نفوذه فيهما، وأمريكا الجنوبية «حديقة الولايات المتحدة الخلفية».
ومنذ ذلك اليوم حتى حرب ترامب ضد إيران 2025-2026 لم تتوقف حروب الإمبراطورية. كما أنها خاضت حروبا وعقدت صفقات لتوسيع رقعة البلاد فاشترت ألاسكا من القيصر الروسي ولويزيانا من فرنسا وفلوريدا من إسبانيا. ثم خاضت حروبا مع المكسيك (1835- 1836 ثم 1846 ـ 1848) حيث انتزعت منها ولاية تكساس ومكسيكو الجديدة وكاليفورنيا وأريزونا ويوتا. وانطلاقا من عام 1898 بدأت تتسع رقعة الحروب، والاحتلال العسكري لنيكاراغوا وكوبا وهايتي وجمهورية الدومينيكان. ودخلت الولايات المتحدة الحربين العالمية الأولى والثانية واستخدمت السلاح النووي ضد اليابان، بإسقاط قنبلتين هيدروجينيتين على هيروشيما وناغازاكي في أغسطس 1945. وبعدها دخلت في حروب عديدة في جنوب شرق آسيا مثل لاوس وفيتنام وكمبوديا، ثم لبنان عام 1958 لحماية نظام شمعون، كما غزت كوبا عام 1961 المعروفة باسم «معركة خليج الخنازير» إضافة إلى غزو غرانادا وبنما وحرب العراق الأولى فأفغانستان فحرب العراق الثانية وصولا إلى حرب كونية أطلق عليها الرئيس بوش «الحرب على الإرهاب». ثم جاء ترامب ليواصل حروبه ضد فنزويلا وإيران وقريبا كوبا.
فاحتفالات الولايات المتحدة بهذه المناسبة تجسد معنى الاستعمار الاستيطاني الإحلالي، الذي يقوم على استئصال السكان الأصليين، وهو ما يحاول الكيان الصهيوني أن يطبقه في المنطقة العربية. لكن الفرق في صمود السكان وتمسكهم بأوطانهم وحضارتهم ومعتقداتهم، ما لا تستطيع مجموعات من الأغراب المتعطشين للقتل أن تمحوا وجود الشعوب الأصلية هنا.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

معارك أخرى على هامش «المونديال»!

مخدرات شعبية

فرنسا تهزم المغرب بثنائية وتحجز بطاقة العبور إلى نصف نهائي كأس العالم 2026

250 عاما على الاستقلال الأمريكي: الوجه الآخر للإبادة

تركيا والأطلسي: ضرورات غربية تبيح محظورات شرقية

فرنسا تتقدم بثنائية على المغرب في ربع نهائي كأس العالم 2026 (تحديث)

مؤتمر دولي يبحث التغير المناخي والأمراض العابرة للحدود

البحرين تدين تكرار الاعتداءات الإيرانية على أراضيها والأردن والكويت

الرباط .. أكثر من 70 ألفا يتابعون مباراة المغرب وفرنسا

مونديال 2026: استقالة رئيس الاتحاد القطري بعد الخروج من دور المجموعات

هيئة تنشيط السياحة تبحث مع شركائها ملامح الخطة التسويقية لعام 2027

المسؤولية الوطنية المجتمعية .. وواجب النخب في مواجهة الآفات الدخيلة

إيران .. إقامة صلاة الجنازة على جثمان المرشد الراحل علي خامنئي

مكتب نتنياهو: رئيس الوزراء اتفق مع ترامب هاتفيا على مواصلة التنسيق

النفط يتراجع نحو 2% مع تغلب المخاوف الاقتصادية على مخاطر العرض

موعد مباراة المغرب وكندا في كأس العالم 2026 .. التوقيت في الدول العربية والقنوات الناقلة والبث المباشر

مباراة المغرب وفرنسا .. صدام الثأر والحلم العربي والقنوات الناقلة والبث المباشر

قبول الدخالة في قضية طالب التوجيهي فهد أبو شايب .. والأردنيون ينتظرون العدالة

زوجة قتلت زوجها ودفنته في ابو نصير .. تفاصيل صادمة

السلامي يوجّه رسالة مؤثرة للأردنيين بعد رحيله

جريمة مروعة في الموقر .. تفاصيل مقتل الطفل عبد الحكيم على يد حدث

بعد الجدل .. نقابة الفنانين الأردنيين تعلق قرار شطب 46 عضوًا بينهم صبا مبارك

التربية تكشف تفاصيل تصحيح الرياضيات وتطمئن طلبة التوجيهي

موعد مباراة مصر وأستراليا في كأس العالم 2026 .. التوقيت والقنوات الناقلة والبث المباشر

خالد البكار يعيد القضية إلى الواجهة .. قراءة في التطورات وتداعياتها السياسية

إقامة إلزامية وتعليمات جديدة .. تفاصيل معادلة الشهادات بالأردن

مصر تودع كأس العالم وسط جدل تحكيمي .. ماذا قالت الصحافة الأرجنتينية عن حسام حسن؟

علاقة مثلية بين طالبة وعميدة جامعة متزوجة تهز الوسط الأكاديمي .. صور

هيئة البث: إسرائيل ترفض تجديد اتفاقية المياه مع الأردن

وفاة الإعلامي سعود العتيبي بحادث سير مروع