تركيا والأطلسي: ضرورات غربية تبيح محظورات شرقية
10-07-2026 01:00 AM
في مقابل 14 قمة، عادية أو استثنائية، عقدها حلف شمال الأطلسي، الناتو، في بلجيكا؛ عُقدت قمتان فقط في تركيا، سنة 2004 في اسطنبول و2026 في أنقرة. وإذا كان هذا المعطى الأوّل لا يؤشر على مكانة الدولة الأولى جيو ـ سياسياً وعسكرياً، سواء داخل الحلف أو على صعيد أوروبي وعالمي؛ فإنه، بصدد الدولة الثانية، يحمل في آن معاً مغزى عدد أدنى من الاستضافات بالقياس إلى دول أخرى أساسية في الحلف، وإشارة إضافية على سلسلة مفارقات حكمت وجود تركيا في الناتو، منذ انضمامها إليه للمرّة الأولى سنة 1952.
في طليعة تلك المفارقات واحدة اعتاد المراقبون الغربيون التوقف عندها بصفة خاصة، وأحياناً حصرية، مفادها أنّ وجود تركيا في الحلف تحكمه ضرورات ستراتيجية عديدة، ذات صلة بموقع البلد على شطآن البحر الأسود والمتوسط ومفارق الشرق الأوسط والبلقان والقوقاز وآسيا الوسطى، وكون جيشها هو الثاني الأكبر في الحلف بعد الولايات المتحدة، من جهة أولى. وأنها، من جهة ثانية، تمتعت على الدوام باستقلالية في خدمة المصالح الوطنية تتعارض أحياناً مع سياسات الحلف في منعطفات حاسمة، كما في المثال الأبرز خلال حرب الخليج 1991 حين رفض البرلمان التركي منح السلاح الجوي الأمريكي حرية الانطلاق من قاعدة إنشرليك الأطلسية.
وفي مناسبة انعقد قمة الأطلسي الأخيرة في أنقرة، نشر الباحث الأمريكي علي مامادوف (محمدوف، أغلب الظنّ) تعليقاً معمقاً، في موقع «معهد الحرب الحديثة»، وست بوينت؛ خلاصته أنّ عامل التنويع الحاسم في علاقة الحلف بالعضوية التركية هو مقدار إدراك التهديد: إذا كان الضغط الروسي سوف يمتدّ أبعد من أوكرانيا فيبدأ في تهديد أوروبا القارية مباشرة، ويصبح البحر الأسود متعسكراً، وتتواصل أنساق انعدام الاستقرار في الشرق الأوسط، ويتعاظم نفوذ الصين الكوني ويكتسب درجات أعلى من التنسيق مع روسيا، وتتجه الولايات المتحدة أكثر فأكثر نحو الانسحاب التدريجي من ضمان أمن أوروبا؛ عند هذا كله، وسواه، سوف تتضاعف دوافع الدول الأوروبية للتعاون مع تركيا، بصرف النظر عن الخلافات السياسية.
أمّا إذا تراجعت بيئة التهديد، فإنّ المخاوف اللصيقة بوجود تركيا في الحلف سوف تستفيق مجدداً، سواء تلك الخاصة بالعلاقات المتوازنة بين أنقرة وموسكو على نحو لا يرضي الحليفات الأوروبيات، في شراء صواريخ S-400 الروسية أو وساطة الحبوب الشهيرة مع كييف أو الأدوار التركية بين أذربيجان وأرمينيا، على سبيل الأمثلة؛ إذا وضع المرء جانباً مشكلات تركيا مع اليونان وقبرص، أو المواقف من شؤون الشرق الأوسط عموماً والقضية الفلسطينية وجرائم حرب دولة الاحتلال الإسرائيلي خصوصاً… فإنّ هذه، وسواها هنا أيضاً، سوف تعيد إحياء ملفات القلق الأوروبية حيال الوضعية الخاصة التي تتسم بها عضوية تركيا في الحلف.
ولقد توجّب أن ينطوي هذا النمط من تطويع المفارقة لخدمة الضرورة الستراتيجة، على نزاعات فعلية، عسكرية على الأرض وليست سياسية في المحافل فقط؛ كما في سنة 1964 حين رجحت تركيا خيار التدخل العسكري في قبرص، قبيل رسالة الإنذار القصوى من الرئيس الأمريكي لندن جونسون؛ أو في سنة 1974، حين أدان الحلفُ التدخل العسكري التركي في الجزيرة ذاتها، وفرضت واشنطن حظراً على توريد الأسلحة إلى الجيش التركي. لكنّ الجانب الآخر في هذه الحال كان تنامي اليقين، لدى نخب سياسية تركية عابرة للحساسيات المحلية التقليدية، بأنّ الحلف الأطلسي يكيل بمكيالين حين يتصل الأمر بالأمن القومي التركي؛ فيميل استطراداً إلى جهة مثل قبرص، أكثر «أوروبية»، على حساب تركيا.
وإذا كانت قمّتا الأطلسي اللتان عُقدتا في تركيا كانتا خلال رئاسة رجب طيب أردوغان، وبالتالي «حزب العدالة والتنمية»، فإنّ مزاج التشكيك التركي في مكاييل الحلف تجاه البلد كانت عابرة للأحزاب كما سلف القول، وأنجزت واحدة من عجائب إعلاء شأن المصالح القومية فوق التحالفات الخارجية والدولية: أي ائتلاف القوى الإسلامية والمحافظة، مع القوى الأتاتوركية والعلمانية، والتوافق الواسع على تفضيل الداخل مقابل الخارج؛ حتى إذا اشترطت المفاضلة تنازلات هنا وهناك عن «مداميك» كبرى عزيزة على الوجدان الوطني التركي العريض. وكانت محاولة الانقلاب الفاشلة، أواسط تموز (يوليو) 2016، بمثابة درس «تطهيري» إذا جاز القول؛ بالنظر إلى تلكؤ الشريكات في الحلف الأطلسي عن إدانة الانقلاب، أو تعليق البعض الآمال الضمنية على نجاحه!
وفي قلب تلك المفارقات، ثمة واحدة مسكوت عنها على نطاق التصريحات الرسمية، وصاخبة عالية الضجيج في كواليس الحلف أو الإعلام الغربي عموماً، مفادها أنّ تركيا هي البلد الوحيد ذو الغالبية السكانية المسلمة بين الدول الـ32 أعضاء الناتو؛ وأنها، إلى هذا، محرومة من الضمّ إلى الاتحاد الأوروبي لأسباب معلنة تخصّ نظامها السياسي وطبائع ديمقراطيتها، ولأسباب غير معلنة لا تغادر الواقع الديمغرافي المسلم في البلد. وذات يوم غير بعيد جاء التشخيص الثقافي والحضاري (وبالتالي: الديني، ضمناً وربما أساساً) من الشخصية غير المنتظَرة في هذه المسائل: الكاتب المسرحي التشيكي المنشقّ سابقاً، والرئيس لاحقاً، فاكلاف هافيل؛ الذي كانت بلاده قد احتضنت «قمّة التحوّل» في تاريخ الحلف الأطلسي وبنيانه التكويني لأنها ضمت 7 دول (بلغاريا، إستونيا، لاتفيا، ليثوانيا، رومانيا، سلوفاكيا، وسلوفينيا) كانت في عداد «المعسكر الاشتراكي» المنحلّ. يومها أطلق هافيل هذا التصريح المدويّ: «على الحلف ألا يتوسّع خارج مضمار محدّد للغاية من الحضارات، التي عُرفت عموماً باسم الحضارات الأورو ـ أطلسية أو الأورو ـ أمريكية، أو الغرب ببساطة».
ومن الواضح أنّ الدول السبع التي ضُمّت لم تكن هي المقصودة بكلام هافيل، إذْ أنّ «مضمار الحضارات» الذي تنتمي إليه هو ذاته الذي يجمعها مع تشيكيا ورئيسها، وأنّ نموذج تركيا هو الذي لا يتوجب أن يتكرر في التنسيب إلى الحلف. ولكن… أي دولة، تتصل بالجغرافيا الأوروبية وذات غالبية سكانية تنتمي إلى «مضار حضاري» غير غربي؟ واستطراداً، ما دامت مثل هذه الدولة غير متوفرة أصلاً، هل كان هافيل يقصد إبعاد تركيا من الحلف، مثلاً، وتصحيح خطأ ضمّها في الأساس؟ وإذا صحّ التخمين، فكيف يأتي من دولة مثل جمهورية التشيك، غير مؤسسة للحلف وضُمّت إليه في سنة 1999 فقط؟
وهذا ملفّ يفضي، تلقائياً ومنطقياً، إلى آخر لا يقلّ تشابكاً، وارتباطاً في الواقع، يخصّ امتناع الاتحاد الأوروبي عن ضمّ تركيا إلى لائحة الأعضاء الـ27؛ لأسباب تقول ما يُباح علانية، وتخفي ما هو حساس مسكوت عنه، يخصّ الطابع المسلم للديمغرافية التركية. وليس بعيداً ذلك الزمن الذي شهد محظورات صدرت عن ساسة أوروبيين، أمثال الفرنسي نكولا ساركوزي (مكان تركيا ليس في أوروبا، بل في آسيا المسلمة)؛ أو الألمانية أنغيلا ميركل (صيغة «الشراكة المتميزة» خير من العضوية التامة)؛ أو النمساوي ولفغانغ شوسل (مفاوضات ضمّ مع تركيا «أمر يثير السخرية»)؛ أو الهولندي فريتس بولكشتين (إذا انضمت تركيا فسيكون تحرير فيينا من الحصار العثماني سنة 1683 قد ذهب عبثاً في عبث)…
ولكن لأنّ الضرورات الغربية تبيح المحظورات الشرقية في ناظر قادة الحلف الأطلسي الغربيين، فإنّ بقاء تركيا في الناتو يتجاوز ما يمكن أن يتخيله البعض من «أشواك» في خاصرة الحلف، والاتحاد الأوروبي استتباعاً، ويضخّ الكثير من المياه لتشغيل الطواحين ذاتها التي توفّرها أهمية تركيا الجيو ـ سياسية والعسكرية؛ غرباً ربما وأطلسياً أوروبياً تالياً، قبل الشرق وهمومه ومعضلاته.
معارك أخرى على هامش «المونديال»!
فرنسا تهزم المغرب بثنائية وتحجز بطاقة العبور إلى نصف نهائي كأس العالم 2026
250 عاما على الاستقلال الأمريكي: الوجه الآخر للإبادة
تركيا والأطلسي: ضرورات غربية تبيح محظورات شرقية
فرنسا تتقدم بثنائية على المغرب في ربع نهائي كأس العالم 2026 (تحديث)
مؤتمر دولي يبحث التغير المناخي والأمراض العابرة للحدود
البحرين تدين تكرار الاعتداءات الإيرانية على أراضيها والأردن والكويت
الرباط .. أكثر من 70 ألفا يتابعون مباراة المغرب وفرنسا
مونديال 2026: استقالة رئيس الاتحاد القطري بعد الخروج من دور المجموعات
هيئة تنشيط السياحة تبحث مع شركائها ملامح الخطة التسويقية لعام 2027
المسؤولية الوطنية المجتمعية .. وواجب النخب في مواجهة الآفات الدخيلة
إيران .. إقامة صلاة الجنازة على جثمان المرشد الراحل علي خامنئي
مكتب نتنياهو: رئيس الوزراء اتفق مع ترامب هاتفيا على مواصلة التنسيق
النفط يتراجع نحو 2% مع تغلب المخاوف الاقتصادية على مخاطر العرض
مباراة المغرب وفرنسا .. صدام الثأر والحلم العربي والقنوات الناقلة والبث المباشر
قبول الدخالة في قضية طالب التوجيهي فهد أبو شايب .. والأردنيون ينتظرون العدالة
زوجة قتلت زوجها ودفنته في ابو نصير .. تفاصيل صادمة
السلامي يوجّه رسالة مؤثرة للأردنيين بعد رحيله
جريمة مروعة في الموقر .. تفاصيل مقتل الطفل عبد الحكيم على يد حدث
بعد الجدل .. نقابة الفنانين الأردنيين تعلق قرار شطب 46 عضوًا بينهم صبا مبارك
التربية تكشف تفاصيل تصحيح الرياضيات وتطمئن طلبة التوجيهي
موعد مباراة مصر وأستراليا في كأس العالم 2026 .. التوقيت والقنوات الناقلة والبث المباشر
خالد البكار يعيد القضية إلى الواجهة .. قراءة في التطورات وتداعياتها السياسية
إقامة إلزامية وتعليمات جديدة .. تفاصيل معادلة الشهادات بالأردن
مصر تودع كأس العالم وسط جدل تحكيمي .. ماذا قالت الصحافة الأرجنتينية عن حسام حسن؟
علاقة مثلية بين طالبة وعميدة جامعة متزوجة تهز الوسط الأكاديمي .. صور
