لم أنسَ مرارة الظلم… ولذلك أعرف ما تشعر به مصر اليوم
10-07-2026 07:01 PM
لم أبكِ يومًا على الأطلال، ولم أعتد الوقوف طويلًا أمام الأبواب التي أُغلقت في وجهي، ولم أكتب طوال السنوات الماضية لأستعيد مقعدًا ضاع، أو منصبًا كان من الممكن أن يكون لي، أو معركة انتهى زمانها؛ فالمناصب تزول، والمقاعد لا تصنع قيمة الإنسان، وما بقي لي بعد كل هذه السنوات أهم بكثير من مقعد في مجلس إدارة اتحاد كرة القدم. لكن هناك لحظات يعيد فيها التاريخ فتح دفاتره القديمة، لا لكي نبكي فوق صفحاتها، وإنما لكي نفهم الحاضر، وأنا أشاهد ما جرى لمنتخب مصر أمام الأرجنتين، وما صاحب المباراة من قرارات تحكيمية أثارت الغضب والجدل، ثم أسمع الحديث عن الشكوى والظلم والمطالبة بالتحقيق، عاد بي الزمن عشر سنوات كاملة إلى عام 2016، عندما كنت أنا نفسي مرشحة مستقلة على مقعد المرأة في انتخابات مجلس إدارة الاتحاد المصري لكرة القدم.
كان هاني أبو ريدة وقتها مرشحًا لرئاسة الاتحاد، وكانت منافستي الوحيدة على مقعد المرأة، سحر الهواري، ضمن قائمته، بينما لم أكن صاحبة قائمة، ولا صاحبة نفوذ، ولا مرشحة محسوبة على أحد. دخلت الانتخابات مستقلة، لا أمتلك سوى حقي وإيماني بالقانون. وفي ذلك الوقت صدر حكم قضائي صريح باستبعاد منافستي من الانتخابات، وكانت المسألة بالنسبة لي واضحة لا تحتمل التأويل؛ فمقعد المرأة واحد، ونحن مرشحتان فقط، وإذا استُبعدت المرشحة الوحيدة التي تنافسني بحكم القضاء، فإنني أصبح المرشحة الوحيدة على المقعد، وبالتالي أفوز به بالتزكية وفقًا للائحة.
لكن ما حدث بعد ذلك كان بالنسبة لي درسًا قاسيًا لم أنسه حتى اليوم. استمرت سحر الهواري في الانتخابات وكأن حكم القضاء لم يكن موجودًا، وأُجريت الانتخابات وفازت بالمقعد ضمن قائمة هاني أبو ريدة، بينما وجدت نفسي أخوض معركة طويلة، لا من أجل منصب، وإنما من أجل سؤال أكبر بكثير: ما قيمة القانون إذا لم يُنفذ؟ وما قيمة أحكام القضاء إذا استطاعت المصالح أن تتجاوزها؟
لم أصمت، ولم أستسلم، ولم أقبل أن أقنع نفسي بأن ما حدث أصبح أمرًا واقعًا ينبغي الخضوع له. طالبت بحقي، وأصدرت البيانات، وطرقت أبواب القضاء، وتمسكت بموقفي رغم أن الطريق لم يكن سهلًا، ورغم أنني كنت امرأة مستقلة تقف وحدها في مواجهة منظومة كاملة، لا تقف خلفها قائمة، ولا تحميها شبكة مصالح، ولا تملك سوى حكم قضائي وإيمان عميق بأن دولة القانون لا ينبغي أن تسمح بأن يصبح حكم القضاء مجرد ورقة يمكن تجاوزها عندما تتعارض مع مصالح أصحاب القوة والنفوذ.
ومرت الأيام والسنوات، ثم جاءت التطورات اللاحقة، وصدر حكم قضائي ضد سحر الهواري في قضية إفلاس، وغادرت مجلس إدارة الاتحاد، ثم انتهى مجلس هاني أبو ريدة نفسه بالاستقالة الجماعية عقب خروج المنتخب المصري من بطولة كأس الأمم الأفريقية عام 2019. لكن ما ضاع لا تعيده الأيام دائمًا، وما يكسره الظلم داخل الإنسان قد يلتئم، لكنه يترك أثرًا لا تمحوه السنوات بسهولة.
وأنا اليوم لا أستدعي هذه القصة لأبكي على مقعد لم أحصل عليه، ولا لأطالب بتعويض عن سنوات مضت، ولا لأنني أريد العودة إلى اتحاد الكرة. لقد تجاوزت ذلك منذ زمن، واتسعت اهتماماتي، وكبرت مسؤولياتي، وأصبحت معاركي وطموحاتي أكبر كثيرًا من مقعد في مجلس إدارة اتحاد كرة القدم. لكن هناك فارقًا كبيرًا بين أن تتجاوز الحدث وأن تنسى الظلم؛ أنا تجاوزت الحدث، لكنني لم أنسَ الظلم.
لم أنسَ شعور امرأة مستقلة وجدت نفسها تقف وحدها أمام منظومة أقوى منها، ولم أنسَ مرارة أن يكون الحق واضحًا أمام عينيها، والقانون في يدها، والأوراق تتحدث، ثم تكتشف أن المصالح قد تكون أقوى من صوتها. لم أنسَ ذلك الشعور القاسي الذي يعرفه كل إنسان تعرض للظلم؛ أن تصرخ قائلًا: هناك حق هنا، هناك حكم قضائي، هناك قانون يجب أن يُحترم، ثم تنتظر أن تجد من يمتلك القوة والشجاعة والإرادة ليقول: لن نسمح بمرور هذا الظلم.
ولهذا، عندما شاهدت مصر تخرج أمام الأرجنتين وسط هذا الجدل التحكيمي الكبير، لم أرَ مجرد مباراة كرة قدم، بل رأيت ذلك الشعور القديم نفسه. رأيت إحساس الإنسان الذي يرى الظلم أمامه، يقدم الدليل، ويتمسك بحقه، ثم يجد نفسه في مواجهة قوة أكبر منه. وربما لهذا السبب كان انتظاري من هاني أبو ريدة أكبر من انتظار الآخرين، لأنه ليس مجرد رئيس للاتحاد المصري لكرة القدم، وإنما رجل قضى سنوات طويلة داخل أعلى دوائر صناعة القرار الكروي الدولي، وعضو في مجلس الاتحاد الدولي لكرة القدم، وصاحب خبرة وعلاقات ونفوذ تراكمت عبر سنوات طويلة.
ومن هنا أسأل سؤالًا مشروعًا، لا تحركه خصومة شخصية ولا رغبة في الانتقام: هل فعل هاني أبو ريدة كل ما كان يستطيع فعله دفاعًا عن حق مصر؟ وهل كان يكفي، بعد انتهاء المباراة وضياع الحلم، أن نتقدم بشكوى ضد الحكم وطاقم تقنية الفيديو؟ ألم يكن من الممكن المطالبة بتحرك استثنائي وعاجل، والدفع نحو مراجعة فورية على أعلى مستوى، والمطالبة بلجنة طارئة وتعليق اعتماد النتيجة لحين فحص كل الوقائع المثيرة للجدل، بل والمطالبة بإعادة المباراة إذا توافر الأساس القانوني لذلك؟
قد يقول البعض إن عضو مجلس الفيفا لا يستطيع بمفرده إصدار قرار بإعادة مباراة، وهذا صحيح، وأنا لا أريد أن أكتب ما يخالف الحقيقة، لكنني أيضًا لا أتحدث عن قرار فردي. أنا أتحدث عن النفوذ والخبرة والعلاقات والقدرة على التحرك، وعن رجل أمضى سنوات طويلة داخل أروقة كرة القدم الدولية حتى أصبح واحدًا من أصحاب المناصب الرفيعة فيها. هناك فارق كبير بين مسؤول عادي يتقدم بشكوى وينتظر الرد، وبين رجل يعرف أبواب المؤسسة الدولية ورجالها وآلياتها، ويجلس في أعلى دوائر صنع القرار فيها. فإذا لم يظهر ثقل كل هذه السنوات في لحظة يشعر فيها ملايين المصريين بأن منتخب بلادهم تعرض للظلم، فمتى يظهر؟
وهنا تعود إليَّ تجربتي القديمة، ليس لأنني أريد محاكمة الماضي أو تصفية حسابات انتهى زمنها، وإنما لأن هناك سؤالًا أخلاقيًا لا أستطيع تجاهله: هل يستطيع من لم يقف بقوة إلى جوار العدالة عندما اصطدمت بالمصالح في الداخل، أن يقود معركة شرسة من أجل العدالة عندما يكون الخصم في الخارج؟
إن الظلم لا تتغير طبيعته بتغير الضحية، ولا يصبح مقبولًا عندما يقع على فرد ثم يتحول فجأة إلى جريمة عندما يقع على منتخب. والعدالة ليست موقفًا نختاره عندما يناسب مصالحنا ثم نتجاهله عندما يقف في طريقها. من يؤمن بالحق يؤمن به عندما يكون معه وعندما يكون ضده، ومن يحترم القانون يحترمه عندما يخدم مصالحه وعندما يهدمها، ومن يرفض الظلم لا ينتظر حتى يصبح هو أو فريقه أو وطنه ضحية له لكي يكتشف فجأة أن الظلم قبيح.
لقد تعلمت من تجربتي أن الإنسان قد يخسر مقعدًا، لكنه لا يخسر الحقيقة إذا ظل متمسكًا بها، وقد يخسر معركة، لكن الأيام أحيانًا تكشف ما حاول البعض إخفاءه. واليوم لا أكتب بصفتي مرشحة سابقة خسرت مقعدًا في اتحاد الكرة، وإنما أكتب بصفتي مواطنة مصرية شاهدت منتخب بلادها يغادر بطولة عالمية وسط إحساس جماهيري واسع بالظلم، وتتساءل مثل ملايين المصريين: هل فعلنا حقًا كل ما كان يمكن فعله؟ وهل استخدمنا كل ما نملكه من نفوذ وخبرة وعلاقات دولية للدفاع عن اسم مصر؟
وأتساءل أيضًا: ماذا قدم هاني أبو ريدة للكرة المصرية بما يتناسب مع كل هذه السنوات الطويلة من النفوذ؟ نحن لا نتحدث عن رجل ظهر بالأمس، وإنما عن عقود من الوجود في المشهد الرياضي، وسنوات في الاتحاد المصري، وسنوات في الاتحاد الأفريقي، وسنوات في دوائر الاتحاد الدولي، وشبكة واسعة من العلاقات والخبرة والنفوذ. لكن أين انعكس كل ذلك على مصر؟ هل أصبحت منظومة الكرة المصرية أكثر عدالة وشفافية؟ هل أصبح اتحاد الكرة مؤسسة لا تتأثر بالمصالح؟ هل تطور التحكيم المصري بما يليق بدولة بحجم مصر؟ هل أصبحت مسابقاتنا أكثر انتظامًا؟ وهل وجدنا هذا النفوذ الدولي حاضرًا بقوة عندما احتاجت إليه مصر؟
هذه ليست أسئلة شخصية، ولا ينبغي أن تتحول إلى معركة بيني وبين هاني أبو ريدة؛ فأنا فرد، وهو شخص، لكن مصر أكبر منا جميعًا، والمناصب العامة ليست ملكية خاصة، ولا إرثًا أبديًا، ولا حصنًا يبقى فيه الشخص عامًا بعد عام حتى يبدو وكأنه رئيس جمهورية لا تنتهي ولايته. اتحاد الكرة المصري ليس جمهورية هاني أبو ريدة، بل مؤسسة مصرية، ومن حق المصريين أن يسألوا كل من يتولى مسؤوليتها: ماذا قدمت؟ وما حصيلة السنوات؟ وأين الإنجازات التي تتناسب مع حجم النفوذ والسلطة والفرص التي حصلت عليها؟
أنا لا أبكي على الأطلال، ولا أريد مقعدًا مضى عليه عشر سنوات، لكنني أرفض أن نصنع من النسيان فضيلة، وأن نتصرف وكأن التاريخ لا يحمل دروسًا. لقد عرفت بنفسي كيف يمكن أن يقف الإنسان وحيدًا أمام منظومة أقوى منه، وكيف يمكن للمصالح أن تجعل البعض لا يرى الحق حتى عندما يكون أمام عينيه. مرت عشر سنوات، ولم أنسَ، لا لأنني أعيش في الماضي، بل لأن الظلم لا يصبح عدلًا لمجرد مرور الزمن.
واليوم، عندما يطالب هاني أبو ريدة العالم بإنصاف مصر، فإن من حقي أن أسأل: أين كان هذا الإيمان بالإنصاف عندما كنت أنا وحدي في مواجهة قائمته؟ وعندما يتحدث عن الظلم الذي تعرض له منتخب مصر، فإنني أعرف جيدًا معنى هذه الكلمة. لقد ذقتها من قبل، داخل الاتحاد نفسه، وفي زمن الرجل نفسه.
وليست هذه شماتة، فأنا لا أشمت أبدًا عندما يتعلق الأمر بمصر، ولا أساوم على اسم وطني بسبب خصومة شخصية أو جرح قديم، لكنها كلمة حق، والحق لا ينبغي أن يتغير بتغير الأشخاص. فإذا كنا نطالب العالم اليوم بأن يكون عادلًا مع مصر، فعلينا أولًا أن نسأل أنفسنا: هل كنا نحن دائمًا عادلين مع من وقفوا أمامنا وحدهم، لا يملكون إلا حقهم؟
ربما يمر هذا المقال مرور الكرام، وربما لا يلتفت إليه أحد، وربما يقرأه شخص واحد فقط ثم يمضي إلى شأن آخر. لا بأس. فأنا لم أكتبه لأصنع ضجيجًا، ولا بحثًا عن تصفيق، ولا رغبة في الانتقام. كتبته لأن بعض الكلمات لا تُقال انتظارًا للجمهور، بل لأن الصمت عنها يصبح أثقل من الكلام.
لقد أعادت إليَّ مباراة الأرجنتين سؤالًا عمره عشر سنوات: عندما يقف الحق في مواجهة المصالح… إلى أي جانب يقف أصحاب القوة؟
هذا هو السؤال الذي لم يُجب عنه الماضي، وهذا هو السؤال الذي أضعه اليوم أمام هاني أبو ريدة. قد يجيب، وقد يصمت، وقد لا يقرأ المقال أصلًا، لكنني قلت كلمتي.
ولو قرأها فرد واحد فقط، فهذا يكفيني؛ لأن كلمة الحق لا تُقاس بعدد من صفقوا لها، بل بالشجاعة التي احتاجها صاحبها لكي يقولها
magy-news@hotmail.com
محمد صلاح يتعهد ببداية جديدة للكرة المصرية
مأساة أسرة وحيد سيف للواجهة بعد فاجعة جديدة
مباراة إسبانيا وبلجيكا بكأس العالم .. التشكيلة والموعد والقنوات الناقلة
الأمانة: تعطل الآليات ساهم بتكدس النفايات في بعض المواقع
الأردن يحتل المرتبة 11 عربياً في عدد السكان
ضريبة الخدمة العامة والتفاعل الاجتماعي
لم أنسَ مرارة الظلم… ولذلك أعرف ما تشعر به مصر اليوم
هل ظهر مجتبى خامنئي بتشييع والده .. مشاهد تثير الجدل .. صور
فيدان: أوروبا بدأت تدرك تهديد إسرائيل للمنطقة
منظمة أرض تدعم الخطوة التشريعية الحكومية لتنظيم سوق العمل
الوحيدي .. أسعد الغزيين بعروض المونديال فقتلته إسرائيل
رسمياً .. الفيصلي يتعاقد مع أنس العوضات
مطلب أوروبي بتعديل خصائص بإنستغرام وفيسبوك تسبب الإدمان
مباراة المغرب وفرنسا .. صدام الثأر والحلم العربي والقنوات الناقلة والبث المباشر
قبول الدخالة في قضية طالب التوجيهي فهد أبو شايب .. والأردنيون ينتظرون العدالة
زوجة قتلت زوجها ودفنته في ابو نصير .. تفاصيل صادمة
السلامي يوجّه رسالة مؤثرة للأردنيين بعد رحيله
جريمة مروعة في الموقر .. تفاصيل مقتل الطفل عبد الحكيم على يد حدث
بعد الجدل .. نقابة الفنانين الأردنيين تعلق قرار شطب 46 عضوًا بينهم صبا مبارك
التربية تكشف تفاصيل تصحيح الرياضيات وتطمئن طلبة التوجيهي
خالد البكار يعيد القضية إلى الواجهة .. قراءة في التطورات وتداعياتها السياسية
مصر تودع كأس العالم وسط جدل تحكيمي .. ماذا قالت الصحافة الأرجنتينية عن حسام حسن؟
وفاة الإعلامي سعود العتيبي بحادث سير مروع
هيئة البث: إسرائيل ترفض تجديد اتفاقية المياه مع الأردن
وظائف شاغرة ومدعوون للاختبار التنافسي في الحكومة .. تفاصيل
شاب يشعل النار في جسده بجرش .. والبطالة تعود إلى الواجهة
إنهاء خدمات مدير عام المركز الوطني للبحوث الزراعية إبراهيم الرواشدة
