الفنّ والموعظة: ألا يحقّ للجزائريين الرقص

الفنّ والموعظة: ألا يحقّ للجزائريين الرقص

26-05-2026 02:48 PM

حلّ «ديجي» سنايك في الجزائر، جاء إلى بلاد أجداده بحكم أن أمّه جزائرية، وتأتي هذه الزيارة بعدما طاف اسمه أرجاء القارات الخمس، فهو أشهر «ديجي» في السنوات العشر الأخيرة، تعامل مع أشهر المغنين على غرار لايدي غاغا، جاستين بيبر وسيلينا غوميز، وأرقام الاستماع إلى أعماله في المنصات الرّقمية تعدّ بالملايين، إنه رائد الموسيقى الإليكترونية ونجمها المطلق، بوسعه أن يملأ ملعب كرة عندما يقيم حفلات في أوروبا أو أمريكا، لا يوجد شاب أقلّ من الثلاثين في العمر لم يسمع عنه، والقنوات الكبرى تتهافت على استضافته في البلاتوهات، تعلم أن حضوره يرفع من أرقام المشاهدة، بل يحصل أن يستقبله رؤساء دول. وقد جاء إلى الجزائر من غير أن يعلن عن مجيئه، من غير أن يخطط لما سوف يحصل، عندما وجد نفسه في ساحة البريد المركزي، وهي الساحة الأشهر في الجزائر العاصمة، وارتجل حفلًا غير مخطّط له. وفي غضون دقائق غصت الساحة بالآلاف من محبّي الفنّان، حضر الجمهور بكثافة إلى درجة نظنّ فيها أن الحفل كان مقرّرًا منذ أشهر، لكن الأمور جرت بشكل عفوي، من غير ترتيبات، ورافقها تنظيم محكم كذلك، فلم يحصل انزلاق على الرّغم من العدد المهول من عشاق «ديجي» سنايك، والذين هبّوا إليه من كلّ فجّ عميق. وجدوا أنفسهم في حفلة بالمجان، مع أن الدخول إلى حفلات الرّجل في أمكنة أخرى تقتضي دفع عشرات الدولارات مقابل الظفر بتذكرة واحدة. كل شيء جرى في الجزائر العاصمة من غير تخطيط ومن غير أن يضطر النّاس إلى دفع مليم واحد، بشكل مباغت مما يبعث على الدهشة. قبل أن يشرح الفنّان نفسه ماذا حصل، وأن الأمر كان يتعلّق في البدء بتصوير ومضة إشهارية لصالح شركة اتّصالات، قبل أن تتحوّل الومضة إلى حفل كبير، والسبب في هذا التحوّل أن الفنان نشر «ستوري» على حسابه في أنستغرام، أعلم فيه متابعيه عن مكان وجوده، بالتّالي هبّوا إليه، شباب من كلّ الأعمار ومن الجنسين، وساير الفنّان أهواءهم، لبّ رغباتهم في أن تتحوّل الوصلات إلى حفلة بالكامل، فجعل ليل الجزائر العاصمة مضيئًا، أعاد المدينة إلى الزّمن الجميل عندما كانت عاصمة للفنّ والثقافة.
«ستوري» واحد جعل عاصمة البلاد ترقص ولا تنام، وهذه هي سلطة مواقع التواصل الاجتماعي، لم يحتج الفنّان إلى إعلانات أو لافتات، بل استغل منصة واحدة وكسب الرّهان بأن توافد إليه الآلاف من البشر في ثوانٍ معدودات.
لم يحتج إلى دعم من فضائية أو من راديو، بل له من الحضور ما يتجاوز إمكانات الفضائيات مجتمعة.
تكفيه تغريدة أو فيديو قصير كي يبلغ رسالته إلى الآلاف من البشر في وقت قصير.
هكذا إذن تحوّلت الصدفة إلى حفلة، وومضة إشهارية في عاصمة البلاد صارت ليلة لا تنسى.
وكالعادة كلّ شيء جميل لا ينتهي على أحسن حال. وعقب انتهاء الحفل اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي في البلاد، ليس فرحًا بصنيع الرّجل، أن أسعد قلوب النّاس وجعلهم يرقصون، بل اشتعلت مواقع التواصل في التّرويج إلى قصة لا علاقة لها بالفنّ.
إنها قصة عن الموعظة، وعن السلوكيات والعقائد.
وقعت حادثة جانبية جعلت جمهور المواقع ينسون الفرح ويدخلون في جدال له أول ولا آخر له.
مثلما بدأ الحفل من غير تخطيط، على إثر فيديو قصير، فقد اشتعلت مواقع التّواصل الاجتماعي عقب الحفل بفيديو قصير آخر، وهذه المرة ليس فيديو يظهر فيه الفنان، بل يظهر فيه شاب تغلغل بين الجموع من أجل الإدلاء بموعظة، وراح يذكّر النّاس بأن الموسيقى تتعارض مع الدّين، وأن عليهم بالأحرى التكبير والتهليل، وأن ما يرونه من حفل يتعارض مع الإسلام.
ولا أحد يعرف لماذا استاء ذلك الشاب من مجرد حفل فنّي، ولماذا استاء من رؤية بنات وصبيان يرقصون ويفرحون.
إن هذه المشاهد تبعث على الحيرة، وقد تكرّرت في أكثر من مرّة، وفي كلّ حين تتكرّر فقط عندما يتعلّق الأمر بحدث فنّي. لا نرى أحداً – مثلاً – يقتحم ملعب كرة قدم ويدعو النّاس إلى الدّين، ولا نرى آخر يقتحم تجمعًا سياسيا ويدعو الحاضرين إلى العودة إلى العقيدة.
لقد عرف قطاع الفنّ العديد من الهجمات، في سنوات سالفة، وكلّ فقيه يريد أن يرفع من أسهمه فإنه يوجه السهام إلى الفنّ والفنانين.
وهذا الأمر له أسباب من بينها أن جمهور الفنّ إنما جمهور مسالم، لا يجادل ولا يدخل في زوابع.
وقد استغل رجال دين، في الماضي، هذا السلوك الحميد لجماهير الفنّ من أجل توجيه كلام مسيء لهم، إلى درجة نظنّ فيها أن كل ما يحصل من مصائب فلا سبب فيه عدا الفنّ.
فكلّما تقدّمت الجزائر خطوة إلى الأمام، وآمنت بحقّها في الفرح والرقص والفنّ، نسمع من ينغص على النّاس حقّهم في الابتهاج.
وكأن الفنّ في حاجة إلى وصاية، وكأن الفنان في حاجة إلى تصريح من فقهاء قبل أن يعتلي منصة وقبل أن يغني، وكأن الجمهور في حاجة كذلك إلى تصريح من أجل الرّقص.
هكذا دخلت مواقع التواصل الاجتماعي، عقب الحفل، في سؤال: هل يجوز الحضور أم لا؟ هل يجوز الرّقص أم لا؟ هل يجوز أن يجتمع شبّان من الجنسين أم لا؟
عاشت الجزائر العاصمة واحدة من أزهى لياليها تحت إيقاعات «ديجي» سنايك، لكن هناك من يضرّهم أن يعيش النّاس في فرحة، وأن يخلو إلى وقت مستقطع من أجل الإمعان في الفنّ، وكأنهم يريدون من الناس العيش في تشاؤم.

كاتب من الجزائر


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد