مبالغات القراءة

مبالغات القراءة

25-05-2026 07:18 PM

كتب أحد الأصدقاء على صفحته في موقع للتواصل الاجتماعي، بأنه كلما أعاد قراءة رواية لماركيز، اكتشف أنه يقرأ رواية أخرى غير التي قرأها من قبل، وحتى لو أعاد القراءة عشر مرات، يظل اكتشاف رواية جديدة موجودا في كل مرة.
ويردد كثيرون أن روايات مثل «الجريمة والعقاب» و»موسم الهجرة للشمال»، و»العجوز والبحر»، ليست روايات تقرأ وحسب، إنها روايات تكتشف في كل مرة، أي كلما تمت قراءتها، يكتشف القارئ أنه يقرأ شيئا جديدا عليه، وبالتالي يحدث الانبهار المطلوب.
حقيقة لا أستطيع استيعاب هذا الكلام، أو في الواقع أعتبره نوعا من المبالغة في حب الشيء، ولطالما لم ألتفت لعبارات مثل: هذه كتابة جن وليست كتابة بشر، التي تطلق كنوع من الانبهار، أو هذه كتابة أسطورية، أو أن الكاتب الذي يبدي أحدهم انبهاره به، ويردد: لن يتكرر مرة أخرى، ولكن لا أستطيع الوقوف ضدها أو محاربتها، فالمبالغات رديفة لكل شيء، وفي الإبداع توجد مبالغات ومبالغات عنيفة أحيانا بحيث يمكن لأحدهم أن يعاديك وحتى يؤذيك إن عارضته في إحدى مبالغاته. وأذكر منذ سنوات أن التقيت بواحد من الذين بهرتهم رواية «موسم الهجرة للشمال» للطيب صالح، وظل يردد أمام كل الناس، إنه شخصية من شخصيات هذه الرواية، وإنه خرج منها ليتجول وسط الأغبياء والسذج قليلا، وسيعود يوما إليها مرة أخرى، كان جادا في حديثه، وشديد التعصب وتشنج مرة وشهر سكينا، لأن أحدهم وصف كلامه باللغو، أنا شخصت حالته، ولم تكن انبهارا عاديا، بل كانت انبهارا مرضيا، ظل يلازم الرجل حتى بعد أن شاخ.
وقرأت مرة أن فتاة تركية كانت مهووسة بكاتبة من بلادها، تعشق كل ما تكتبه بجنون، وتعتبره فوق كتابة البشر، قرأت نصا أخيرا لتلك الكاتبة، ولم تجده بالمستوى الذي يحافظ على هوسها، ظلت تبحث عن الكاتبة فترة من الوقت، حتى عثرت عليها في طريق ما، وكان أن أنهت حياتها بطعنة سكين، والمبرر أنها استنفدت ما لديها، ولم تعد تصلح ككاتبة، لذلك وجب أن تموت. هذه حالة هوس مرضي بالطبع، وليس مجرد مبالغة، هوس لم يغفر للكاتبة نصا مختلفا عن النصوص التي تعرفها الفتاة المهووسة، بالنسبة للاكتشاف الجديد في كل مرة تقرأ فيها نصا لكاتب تحبه؟
هذه المبالغة التقليدية التي ظلت تلازم القراءة، ويعيد أحدهم إيقاظها كلما استرخت قليلا: أنا من قراء ماركيز، في الحقيقة من تلاميذه، وأظنني تعلمت منه استخدام الخيال بلا حدود، من دون أن يخل ذلك بالنص، قرأت أعماله كلها مرات عدة، ما عدا الرواية التي نشرت بعد وفاته، فهذه لم أبحث عنها، ولم أتشوق لقراءتها لاقتناعي بأن الكاتب حين يقتنع بنصه، لا يتركه نائما في جهاز كومبيوتر، ويموت ويتركه، هو ينشره على الفور، ويقيني أن ماركيز لم يكن راضيا عن هذه الرواية، لذلك تركها، لكن الورثة لن يتركوا كنزا مثل هذا مطمورا، نعم كنز لأن اسم ماركيز حتى وهو ميت، يمكن أن يجلب الثروة. نعم معظم نصوص ماركيز مبهرة، وفيها مساحات من الخيال، تجعلك أحيانا مندهشا ولا تفارقك الدهشة حتى النهاية، لكن لم ألاحظ أن هناك روايات جديدة.
في كل مرة أعيد فيها القراءة، رواية مثل «إيرنديرا الغانية»، مثلا، الفتاة التي كانت تعمل وهي نائمة في بيت جدتها، وحدث أن كانت تحمل شمعة، وأحرقت البيت كله، لتقوم جدتها بحساب الخسارات، وتوظفها كغانية حتى تعوض خسارتها، وكانت تنتقل بها من مكان لمكان، وتعرضها على الرجال، الذين ينتهكون براءتها إلى أن حولتها إلى فتاة مستهلكة. هذه قصة مأساوية أولا، وهي قصة لا يمكن أن تكون وراءها قصة، أو داخلها قصة أخرى مخبأة، إنها قصة «إيرنديرا الغانية» وجدتها، تقرأ عشر مرات وهي هكذا قصة حزينة مأساوية، مقترنة بقسوة ما، وبشاعة في السلوك لجدة بلا قلب.
قصة مثل «ذكرى غانياتي الحزينات» التي استوحاها ماركيز من قصة «الجميلات النائمات» لياسوناري كواباتا، وفيها شيخ في التسعين، يدفع مالا ليراقب فتاة نائمة في بيت إحدى السيدات، رواية عادية، حتى إن ماركيز لم يجيد كتابتها مثل رواية «كواباتا»، عجوز وحيد يذهب يوميا ليجلس أمام فتاة نائمة، يراقب نومها وتقلباتها وأحلامها وكوابيسها، ويحس بالمتعة، إنها رواية تقرأ بهذا المعنى، ولا سبيل للعثور على رواية مخبأة داخلها، فقط أدركتها مبالغات القراءة، وصيرتها منبعا لعشر روايات، يفصحن عن أنفسهن مع كل قراءة.
ويمكن أن نقيس على ذلك كل رواية أخرى لماركيز أو يوسا أو أورهان باموق أو غيرهم من الكتاب الكبار الذين ملأوا الساحة الإبداعية زخما وجمالا. بالنسبة للكاتب الذي لا يتكرر، وهذه من المبالغات المنتشرة وتصادفني بشكل يومي، لا بد أن يكتب أحدهم: كاتب لا يتكرر.. شاعر لا يتكرر.. ممثل لا يتكرر، هكذا..
أنا أتفق مع عدم التكرار، لأن الشخص واحد لا يمكن تكراره، والمبدع واحد لا يمكن تكراره ولو تكرر، يكون من كرره مجرد مقلد، العبارة هنا لا تستخدم بالمعنى الذي ذكرته، وإنما بمعنى، لن يأتي أحد أبرع منه.
بالطبع سيأتي من هو أبرع، وكل زمن فيه بارعون يمكن أن يتفوقوا على من سبقوهم، لا يوجد ثبات في كل شيء، ولا يوجد خلود يضع الخالدين بعيدين عن المساس بهم، هناك من كتب وعاش نجما بكتابته، ونحن كتبنا، وغيرنا سيكتب، وتأتي أجيال جديدة، فيها منبهرون يرددون: كتابة جن.. لن تتكرر، لكن في المقابل يأتي من لا يلتفت لكل ذلك. هي مبالغات القراءة، التي تصادق الكتابة في كل زمان ومكان، مبالغات لا يمكن إلغاؤها في أي حال من الأحوال.

كاتب سوداني



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

بدء بيع أسطوانات الغاز البلاستيكية في عمّان وهذا سعرها

تصريح الأميرة رحمة عن “أني أولادي من إربد” يشعل التفاعل ويحقق انتشاراً واسعاً .. شاهد الفيديو

سعر الذهب محلياً الجمعة

الأردنيون العائدون من الكونغو وأوغندا يخضعون لحجر 21 يوما

أسعار الأضاحي ترتفع والروماني يتجاوز البلدي لأول مرة

تحذير للأردنيين من صور وفيديوهات تهدف إلى ابتزازهم

توقعات بتحسن حركة الشراء .. أسعار الذهب محلياً اليوم

بيان من هيئة النزاهة حول تصريحات النائب العماوي

القبض على 3 متورطين بالاعتداء على أب وأبنائه في إربد والأمن يلاحق آخرين

عرض مسرحي تربوي في ماركا يدعم التعليم الدامج وتمكين الطلبة

ما حقيقة طلاق أصالة من فائق حسن

الأردن يتجاوز 12 مليون نسمة: نصفهم دون العشرين

أميركا : استنفار أمني عقب مجزرة بمركز إسلامي .. تفاصيل

إعلان نتائج انتخابات اتحاد طلبة جامعة العلوم والتكنولوجيا .. أسماء

اتحاد المزارع السياحية: المزرعة المتورطة ليست عضواً لدينا