هل نحن العرب طائفيون أكثر من غيرنا

هل نحن العرب طائفيون أكثر من غيرنا

31-08-2025 12:14 AM

يشيع في الخطاب العام، خاصة في العالم العربي، تصور مفاده أن العرب، شعوب طائفية بطبيعتها، وأن النزاعات المذهبية والعرقية والطائفية جزء من «جيناتهم» أو طبيعتهم. غير أن دراسة التاريخ والحاضر تشير إلى أن هذه الفكرة خاطئة تماماً. التعصب الديني والعرقي والطائفي ليس حكراً على شعب معين أبداً، بل هو سمة بشرية عامة يمكن السيطرة عليها أو تفجيرها واستغلالها حسب السياق السياسي والقانوني والاجتماعي الذي يعيش فيه الإنسان.
من منظور علم النفس الاجتماعي، يميل الإنسان بطبيعته إلى الانتماء لمجموعة محددة، سواء كانت دينية أو عرقية أو قبلية، ويُظهر تحيزاً تجاه الخارجين عن هذه الجماعة. هذه النزعة، وإن كانت فطرية، لا تؤدي بالضرورة إلى العنف الطائفي، فالتاريخ مليء بأمثلة على المجتمعات التي عاشت قروناً من التعايش رغم التنوع والاختلاف الديني والمذهبي قبل أن يتحول التعصب الطائفي إلى حروب أهلية.
أوروبا مثال على تحول التعصب إلى مجازر تاريخية، ونقصد طبعاً حرب الثلاثين عاماً (1618 ـ 1648) فهي تعتبر واحدة من أبشع الحروب الدينية في التاريخ الحديث، بين البروتستانت والكاثوليك. أسفرت عن وفاة ما يقارب 8 ملايين إنسان، وأدت إلى تدمير واسع للمدن والقرى في ألمانيا وأوروبا الوسطى. كانت هذه الحرب نتاج فشل الأنظمة في فرض سلطة القانون وتنظيم المجتمع، وكانت تغذية التحريض والتجييش والتحشيد الديني من قبل القادة السياسيين سبباً رئيسياً في اندلاعها كما يحدث اليوم في بعض البلدان العربية.
أما محاكم التفتيش الإسبانية فقد طاردت اليهود والمسلمين والمسيحيين المخالفين، ونفذت الإعدامات والحرق، وكانت أداة لتكريس السلطة السياسية والدينية على حساب التعايش الاجتماعي.
وبدورها وقعت مجزرة سان بارثولوميو 1572 في فرنسا، وقُتل فيها عشرات الآلاف من البروتستانت على أيدي الكاثوليك. هذه الأحداث لم تحدث بسبب «جينات فرنسية» متعصبة، بل بسبب تحريض سياسي ومذهبي، واستغلال النخبة لحساسية الجماهير تجاه الاختلاف الديني.

إذاً فإن الأمثلة الأوروبية، كما نرى، تثبت أن التعصب البشري يمكن أن يتحول إلى كارثة عندما لا توجد أنظمة قانونية صارمة تحمي المجتمع، وعندما يستغل السياسيون النزعات الفطرية للبشر لمصالحهم ومشاريعهم الشيطانية كما حصل في الحروب الصليبية أيضاً.
ولا يختلف الوضع في العالم العربي حيث التعصب أداة وليس أصلاً، ومن الخطأ تفسير الحروب والصراعات في الشرق الأوسط على أنها نتيجة طبيعة عربية «طائفية» فالتاريخ المعاصر يكشف غير ذلك تماماً. الحرب الأهلية اللبنانية (1975 ـ 1990) مثلاً لم تكن أبداً وليدة نزاع مذهبي طائفي فطري، بل كانت نتيجة استغلال سياسي داخلي وخارجي للطائفية. القوى الإقليمية استثمرت الخلافات المذهبية لتحقيق مصالحها، مما أدى إلى كارثة اجتماعية وإنسانية ضخمة استمرت ستة عشر عاماً.
وفي العراق بعد الاحتلال الأمريكي 2003، تم تفكيك الدولة ومؤسساتها، مما ترك فراغاً أمنياً وسياسياً، وهذا بدوره سمح للميليشيات الطائفية بالانتشار. الصراع السني ـ الشيعي لم يكن نتيجة تاريخية «مكتوبة بالدماء» بل نتيجة هندسة سياسية واستغلال للتحريض الطائفي. هل هناك اليوم فعلاً حرب بين الشيعة والسنة، أم إن الشيعة والسنة مجرد وقود لتمرير مشاريع جهنمية لا ناقة لهم فيها ولا جمل؟
الصراع السوري بدوره بدأ شعبياً وسياسياً، ثم تحول إلى حرب طائفية بفعل تدخلات خارجية ودعم إعلامي مكثف خدمة لمصالح ومشاريع خارجية أو أغراض سلطوية. هذا التحويل لم يكن نتيجة طبيعة الشعب السوري مطلقاً، بل نتيجة مخططات استهدفت تفكيك الدولة وإشعال الانقسامات الطائفية لتحقيق أهداف جيوسياسية. وما يحدث اليوم في سوريا ليس لأن السوريين أكثر طائفية من غيرهم، لا أبداً، بل لأن هناك أيادي كثيرة لها مصلحة في إشعال الساحة السورية بالصراعات الطائفية والمذهبية والعرقية خدمة لمصالحها الخاصة.
وليس هناك أدنى شك بأن التحريض الإعلامي يلعب دوراً محورياً في تحويل النزعة البشرية الطبيعية إلى صراع سياسي دموي. وسائل الإعلام، أحياناً بالتحريض المباشر وأحياناً بالإغفال الممنهج للحقائق، تخلق بيئة خصبة لتأجيج العداوات الطائفية والمذهبية. ولو كانت حتى أوروبا أو أمريكا قد تعرضتا لنفس الحملات من التحريض والتحشيد والتجييش الإعلامي الذي عانت منه الدول العربية ومازالت تعاني، لكانت النزاعات الطائفية فيها أسوأ مما نشهده اليوم في الشرق الأوسط بمرات ومرات، رغم وجود أنظمة رادعة ضد التمييز والتجييش الطائفي والعنصري، فما بالك بالبلدان العربية التي يسرح فيها المحرضون ويمرحون على هواهم دون حسيب أو رقيب.
لهذا علينا أن نفهم الدرس التاريخي والحالي وهو أن التعصب البشري موجود في كل مكان وزمان، لكنه ليس قاتلاً بطبيعته. أما الخطر الحقيقي فيكمن فيمن يستغل هذا التعصب لمصالح سياسية واقتصادية أو استراتيجية، كما فعل الأمريكان وغيرهم بالمجاهدين في أفغانستان حيث استخدموهم كأدوات لطرد السوفيات ثم لاحقوهم كإرهابيين. ثم لماذا لم تظهر داعش وأخواتها إلا في العقود القليلة الماضية؟ أليس لأنها صنيعة بعض القوى الشيطانية لتمرير مشاريع جهنمية؟ وبالتالي فإن صراعات المنطقة العربية الحديثة ليست نتاجاً لغريزة عربية أبداً، بل نتاج مشاريع داخلية وخارجية استغلت النزعات الإنسانية لتدمير المجتمعات وإعادة رسم خرائط النفوذ.
أخيراً فإن الحل إذاً ليس في «تطهير الشعوب» من التعصب، بل في بناء مؤسسات قانونية وسياسية واجتماعية قوية تضبط التطرف بكل أشكاله وتمنع استغلاله لأغراض سياسية داخلية أو خارجية، وتفضح وتواجه وتتجنب المشاريع القذرة التي تحرك النزاعات الطائفية والمذهبية والدينية خدمة لأهدافها ومصالحها السياسية والعسكرية المفضوحة.

كاتب واعلامي سوري



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

معركة الفساد .. بين الحقيقة والإستهداف

واشنطن تحقق في احتمال مساعدة موسكو لطهران في شن هجمات على مواقع بالخليج

العراق يخسر مليارات الدولارات مع تراجع صادرات النفط

وزير الشباب يتابع تحضيرات جائزة الحسين للعمل التطوعي

عراقجي: أي عدوان على إيران سيُقابل برد قوي وحاسم

اتحاد منتجي الدواجن: نظام "الطيبات" يفاقم خسائر القطاع في مصر

الزيدي إلى طهران الخميس والغاز والتصعيد الإقليمي على الطاولة

اليونسكو تُبقي البلدة القديمة في القدس وأسوارها على قائمة التراث المهدد بالخطر

الأردن يسمح بدخول عائلات المستثمرين السوريين دون موافقة مسبقة

افتتاح مهرجان جرش في دورته الـ40 برعاية ملكية

محكمة أميركية تحدد الأول من حزيران موعدا لبدء محاكمة مادورو

المفوضية: عودة 32 ألف لاجئ سوري من الأردن منذ بداية 2026

ولي العهد يؤكد أهمية تمكين الشباب وتطوير التعليم الأكاديمي والمهني

ترمب يستقبل جثامين أمريكيين قُتلوا في حرب إيران

الحازوقة .. أسبابها اليومية وطرق منزلية للتخلص منها

«الجنرال» يشعل فضول الأردنيين .. هل صنعت قيود الإعلام نجومية الحسابات المجهولة؟

الإطاحة بأكبر سارق للمياه في العقبة

لماذا أثارت المادة (21) من قانون الجامعات الجدل؟ .. قراءة في مخاوف آلاف العاملين

جريمة تهز الكرك .. طفلة تفقد حياتها على يد والدها وشقيقها

فيديو .. حادث سير مروع في الزرقاء

حقيقة التصريحات المنسوبة للصفدي حول مقتل جنديين أمريكيين بالأردن

البوتاس والفوسفات توقعان اتفاقية لإنشاء مجمع صناعي

بيان مهم صادر عن القوات المسلحة الأردنية

الاعتداء على الجنرال The General Inspector .. حين تصبح كرامة المواطن الأردني قضية وطن

تنقلات بين كبار ضباط الأمن العام .. أسماء

بحضور جو جيوهيغان .. ملتقى أردنيون في إيرلندا يؤكد تعزيز التواصل ويدين مقتل الأميركية جيمي كارني

السعودية : تأشيرة عمرة متعددة الدخول .. تفاصيل

وفاة الفنانة الأردنية فتحية الفاعوري

بعد التطورات الأمنية الأخيرة .. مهم من موانئ العقبة

هل نشهد حراكاً غير مسبوق في الجامعات؟ المادة 21 تضع مصدر دخل آلاف العاملين على المحك