الشاب خالد: يغيب الصوت ويحضر الصدى

الشاب خالد: يغيب الصوت ويحضر الصدى

23-05-2026 03:07 PM

يطلع صوت خالد حاج إبراهيم مثل موج يوقظ الليل، ينزلق في الأسماع ومن الوهلة الأولى يتوهّج العقل في مسايرة الإيقاع، ففي عمق صوته تسكن حكايات من شأنها أن تداوي الألم، أو ترفع من هرمون الأفراح، بل صوت يرافق من انكسرت آمالهم ومن خاب سعيهم، وكذلك يرافق من يعلون من سقف الابتهاج، أولئك الذين يبادرون إلى الحياة من غير ضرر.
عندما يهمّ خالد في الغناء فإن صوته لا يتراجع، بل ينطلق إلى الأمام، مثل رصاصة تسير في خطّ لا رجعة فيه، يراوح بين شجن تارة وتارة أخرى في انشراح، يروي في ألحانه كلمات العابرين، أولئك الذين خاضوا طريقا لا يعرفون أين تودي بهم، وكذلك المقيمون على التّخوم، الذين يفضلون المكوث في المكان قبل أن يبرحوا إلى وجهة غير معلومة.
يرخي كلمات الأغاني ثم يشدّها، يقتبس من قصائد الأولين، من شعراء ملأت أناشيدهم الأزقة والحارات، من سجلات شعراء عاشوا حياة من الصعلكة والاستقرار، خبروا تجارب ومشاق العيش، على غرار مصطفى بن إبراهيم وعبد القادر خالدي، لأن الشعر نبض الموسيقى، هو التربة التي تنبت فيها شجرة الفنّ، الشعر مهد ومن دون الشعراء لم يكن من المحتمل أن يولد صوت خالد حاج إبراهيم، ولا غيره من أجيال أغنية الرّاي، الذين استنبطوا من الكلمة قصيدة، ومن القصيدة أغنية، ومن الأغنية حكاية، ومن الحياة شيّدوا سقفّا لهم وللآخرين، سقفا يحتمي إليه خالد أو الشاب خالد، كما يطلقون عليه، وهو يصدح بالحبّ والشجن والحنين والهجر والغفران والصمت والعرفان، ممسكًا بحبل يطول من وهران، التي ولد وكبر فيها، إلى بقاع العالم الأربع. عندما يقف قبالة الميكروفون تتسع عيناه وتصغر الدنيا في نظره، وترتجف يده ارتجافة قصيرة ثم تعود مكانها. إنّها يد ترتجف في خشوع ساعة الغناء، وليست رهبة من جمهور.
يستقيم في وقفته وهو يصوب عينيه في اتجاه واحد من غير أن يرمش، أو ينحرف ببصره يمينا أو شمالا. ينثر كلماته مثل راهب يرتل الصلاة. ففي الغناء خشوع في احترام الكلمات واحترام من يصغي إليها. ثم ينقضي زمن طفيف من الأداء قبل ان تنفرج شفتاه، فالابتسامة واحدة من صنائع هذا الرّجل. هل يوجد أحد لا تسرّه ابتسامة خالد؟ يمكن أن نقابله ومن غير مقدمات يشرع في الابتسام، كما يمكن أن نروي له حدثا بسيطا، وهو حدث لا يُضحك ولا يُبكي، لكن خالد يردّ عليه بابتسامة مجلجلة. يولد الإنسان بشفتين ويزرع فيهما خالد حاج إبراهيم الابتسام من دون سؤال. وهذا لا يعني أن حياة خالد يسيرة، وأنه يعيش في ترف ونعيم، بل الابتسام من خصال من يحمل على عاتقه ربوة من الهموم. لأن من يضحك ليس من اتّسع حاله، بل من ضاقت السبل في وجهه.
إن الابتسام وقاية من كدر العيش ومن طول حبل القنوط. فعندما نصب الشّاب خالد نفسه ملكا في بلاد موسيقى الرّاي، كان يعلم أن عليه أن يعثر على حيطان يتكئ عليها من ضاقت أمورهم، حيطان لأولئك الذين يرجون منه طمأنينة، وأن يرفع من معنوياتهم. وذلك ما قام به هذا المغني، عندما جعل من سيرة حياته نصبا يتظلّل تحته من خابت به الظنون، أولئك الذين خذلهم الحال ولم يفلتوا من ضيق العيش. جعل من صوته صدى لمشقتهم في الحياة، يروي هشاشتهم وصبرهم، يبحث عن مسلك يعيد لهم جدوى الابتسام في زمن علا فيه الشحوب على الوجوه.

غياب يزيده حضورا
منذ سنين يغيب صوت الشاب خالد، ولا نعرف سوى صدى كلماته من أغانٍ قديمة، تأتي من زمن بعيد. لم نسمع له عملا جديدا، لم يصدر ألبوما ولم نره في حفل في الجزائر، وهو الذي تعوّدت عليه مسارح البلاد وقاعاتها. لا نراه على شاشة تلفزيون، رغم أن الشاشات قد زاد عددها، ورغم أن القائمين عليها يبحثون عن أسماء مشهورة من شأنها أن ترفع عدد المشاهدين، لا نطالع صورته في جريدة ولا في الصحف التي تطارد فضائح المشاهير وأخبارهم العائلية، لا يطلع صوته من الرّاديو كذلك، وكأنه قد انطفأ أو يعيش خلف ستار. والحقيقة ليست كذلك لأن خالد حاج إبراهيم يمكن أن يحضر في مناسبات لا يتوقّعها أحد، في فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي، يشتكي مما بلغته الأحوال أو يتغاضى عن هموم ويبادر كالعادة في توزيع ابتسامات. يظهر على مدرجات ملعب يشاهد مباراة، أو في شارع أو في البيت. يظهر في صيغته الأولى كمواطن، كإنسان عادي لا نجماً. هل اعتزل الفنّ؟ يبدو الوقت مبكرا للاعتزال، ليس في سنّ متقدمة إلى هذه الدّرجة، وهو الذي حلم بحياة تشبه حياة شارل أزنافور، الذي لم ينقطع عن الغناء إلى غاية التسعين من العمر. هل شعر باللاجدوى؟ إنّه غياب يزيد صاحبه حضورا. يتوارى عن الأبصار لكن أغانيه القديمة لا تزال تطنّ في الآذان. لا تزال صورته تراود الأذهان، بشاربه الكثّ والدّاكن الذي يشبه مملكة نمل، وضحكته التي تجلجل في المكان. عندما يختفي مغنّ ويغيب صوته الذي رافق أجيالًا، فمن المنطقي أن يشتعل السؤال: أين هو؟ لماذا بلع لسانه؟ لكن يبدو أن ذاكرة الناس قد أصابها عطب، أو تميل إلى المحو، وقد يكون لغياب خالد أسباب أخرى لم تطلع إلى السطح. لكنّه غيّاب ثقيل، جعل موسيقى الرّاي في الجزائر تراوح مكانها، لا تتقدّم إلى الأمام، لا شيخ لها ولا دليل تستعين به. وعندما يمحى صوت مثل صوت الشاب خالد يعود الزمن إلى الوراء، في استحضار سنوات النّجم في شبابه، عندما كانت أغانيه ترافق الأعراس والسهرات، ترتبت على أكتاف الطامحين وكذلك على أكتاف القانطين.
عندما كانت التناقضات في الجزائر تلتئم في لحظة واحدة: عند الإصغاء إلى خالد حاج إبراهيم، غاب من قبله مغنّون آخرون، لا نقصد أنهم غادروا الدّنيا، بل ما زالوا يعيشون بين الأسواق والحارات، لكنهم صاموا عن الغناء، وغيابهم لم يثر سؤالا، بقدر السؤال الذي يثيره تواري الشاب خالد. تعوّد المستمعون على أن يغيب بضعة أشهر ثم يعود، لكن هذه المرّة طال صمته، وبات النّاس يعودون إلى أعماله القديمة لاستعادته، منتظرين عودته مرّة أخرى، أن يحمل عملا جديدا يبدّد قتامة الصمت الطويل.

كاتب جزائري



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

تصريح الأميرة رحمة عن “أني أولادي من إربد” يشعل التفاعل ويحقق انتشاراً واسعاً .. شاهد الفيديو

الأردنيون العائدون من الكونغو وأوغندا يخضعون لحجر 21 يوما

سعر الذهب محلياً الجمعة

أسعار الأضاحي ترتفع والروماني يتجاوز البلدي لأول مرة

تحذير للأردنيين من صور وفيديوهات تهدف إلى ابتزازهم

مع الزيادة السنوية .. موعد صرف رواتب متقاعدي الضمان

لاول مرة دينا تفضح كواليس زيجاتها وتعلن الحياة اجمل بدون رجل

توحيد ودمج المؤسسة الاستهلاكية المدنية بالمؤسسة الاستهلاكية العسكرية

بيان من هيئة النزاهة حول تصريحات النائب العماوي

بعد انتشار إيبولا .. مهم بشأن إدخال العاملات للمملكة

عرض مسرحي تربوي في ماركا يدعم التعليم الدامج وتمكين الطلبة

أميركا : استنفار أمني عقب مجزرة بمركز إسلامي .. تفاصيل

إعلان نتائج انتخابات اتحاد طلبة جامعة العلوم والتكنولوجيا .. أسماء

حسام السيلاوي يعلن اعتزال الغناء نهائياً بعد إصدار ألبومين أخيرين

إعلان نتائج انتخابات اتحاد طلبة الجامعة الأردنية (أسماء)