في ذكرى استقلال الأردن .. إلى أين

في ذكرى استقلال الأردن ..  إلى أين

23-05-2026 03:30 PM

الاستقلال في حياة الأمم والشعوب ليس كلمة عابرة في التاريخ الإنساني تُستعاد كل عام للاحتفالات والبذخ والإسراف المبالغ فيه، واستغلالها أحيانًا من أنظمة فاسدة لهدر المال العام. لكن الاستقلال لدى الدول التي حافظت على استقلالها وتضحيات أبنائها، يكون وقفةً للتأمل: ماذا أنجزنا بعد الاستقلال؟ وماذا قدمنا؟ وإلى أين وصلنا؟

الاستقلال الذي تكون قمته خروج المستعمر وإقامة الدولة الوطنية على أرضها وكامل ترابها الوطني، وليس الاستقلال إنهاء الوجود البريطاني أو الفرنسي مثلًا واستبداله بالوجود الأمريكي، استعمار العصر الحديث الذي لم يعد استعمارًا كولونياليًا بالقوة المباشرة، بل احتلالًا بأدوات أخرى تُقيّد الاستقلال الوطني وتهدر تضحيات الأمم والشعوب.

فالاستعمار اليوم أصبح اقتصاديًا، وربط حتى برغيف الخبز اليومي، بوجود استعمار تحوّل إلى قواعد عسكرية تتحكم في القرارات السياسية، وتُخضع من تريد إخضاعه لمصلحتها، على طريقة "خيطك مربوط بكفّي".

وللأسف الشديد، فإن أغلب دول العالم اليوم، خاصة العالم النامي، فقدت استقلالها، وأصبح قرارها السياسي مرتبطًا بالولايات المتحدة، التي يُعتبر الرئيس الأمريكي دونالد ترمب وجهها الحقيقي، بعد سقوط كل أقنعة الزيف من ادعاءات العصرنة والديمقراطية وحقوق الإنسان. فكل ذلك لم يكن إلا أقنعة مزيفة فرضتها ظروف الحرب الباردة بين الشرق والغرب، بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة.

وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي، لم تعد أمريكا تخفي سياستها العدوانية، فكشفت عن وجهها الحقيقي الذي بدأ بتدمير العراق وحصاره وقتل أطفاله. فقد أُبيد جيل كامل بالقتل أو التجويع، ثم جاء احتلاله كاملًا.

وجاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر الإرهابية واللاإنسانية، ومهما كان رفضنا للسياسة الأمريكية، فإن تلك العملية قيل فيها الكثير، لتعطي الولايات المتحدة الحجج لملاحقة ما تسميهم "الإرهابيين"، الذين هم في الحقيقة صناعة مخابراتها المركزية، لكن بعضهم خرج عن سياستها وتوجيهاتها، فأصبحوا في عرفها قتلة وإرهابيين.

واستغلت أمريكا تلك العملية الإرهابية، التي يؤكد كثير من المحللين والسياسيين أنها من صناعة المخابرات الأمريكية نفسها، لتثبيت حالة القطبية الأحادية في العالم، فاحتلت العراق بعد أفغانستان. كما أن أمريكا ذاتها صنعت ما يسمى بـ"الربيع العربي"، ومن خلاله احتلت سوريا، واعترف الرئيس الأمريكي ترمب وكذلك نتنياهو بأنهم من نصبوا النظام الجديد في سوريا، وقبلها ليبيا.

وهكذا انفردت أمريكا بالقطبية الأحادية لحكم العالم، لكنها أثبتت أيضًا فشلها وعجزها عن ذلك. وكان ترمب، دون غيره من الرؤساء الأمريكيين، الوجه الحقيقي الذي كشف حقيقة أمريكا وديمقراطيتها المزيفة، لذلك قلنا ونقول إن الرئيس الأمريكي ترمب بالنسبة للشعب العربي تحديدًا هو أفضل رئيس أمريكي، لأنه يتكلم بصراحة ويقول ما يريد علنًا.

وبالتأكيد فإن وطننا العزيز الأردن، الذي يحتفل بذكرى استقلاله في الخامس والعشرين من أيار/مايو من كل عام، هو جزء من هذه المنطقة ومن وطن عربي كبير، لكن للأسف ما يُراد له من دور ليس دوره، وسياسات تخالف طبيعة شعبه، فهو قومي بالفطرة، ومتدين سواء كان مسلمًا أو مسيحيًا، لا يفرق بين شرقي النهر الخالد وغربيه، ولا بين الشامي والعراقي.

وتركيبة الشعب الأردني، صاحب الاستقلال، هي في الأصل قومية أكثر من أي شيء آخر، لذا فإن الاستقلال بالنسبة لنا يعني وقفة مع الذات، ومراجعة للحسابات. وللأسف، ومع ذكرى الاستقلال، نرى مزيدًا من تغوّل الفساد والإفساد والاستبداد الذي يحمي الفاسدين، حيث تم بيع مؤسسات الوطن، خاصة الميناء الوحيد للأردن، ورئة الوطن الوحيدة عبر البحر إلى العالم، الذي سيندم من فرّط به يومًا لا ينفع فيه الندم، وكذلك المطارات والمؤسسات والأراضي ذات الأهمية الاستراتيجية التي جرى بيعها بأبخس الأثمان.

وفي ذكرى الاستقلال، أليس غريبًا أن المديونية العامة للدولة الأردنية لم ترتفع حتى في زمن الحروب والحصار والظروف السياسية التي مر بها الوطن كما ارتفعت في زمن كاذب يسمونه "عصر السلام"، حتى لو خالف الطبيعة الإنسانية وكان مع أعداء السلام؟ ماذا يعني كل ذلك؟

الاستقلال، كما عرفه الزعيم العربي جمال عبد الناصر رحمه الله: "ليس قطعة قماش تُسمى علمًا، ولا نشيدًا من التراث يسمى وطني، ولكن الاستقلال إرادة حرة".

فهل نمتلك تلك الإرادة؟ وحتى لا نخدع أنفسنا وشعبنا، أقول: لا.

لذلك فإن الاستقلال يعني الإرادة، كما أسلفت، ويجب أن يكون وقفة للتأمل. والأردن إلى أين بعد كل تلك العقود من إعلان الاستقلال؟ إن الوطن بحاجة إلى المكاشفة والمصارحة والتفكير بصوت عالٍ: الأردن إلى أين؟



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

ترامب: الشرع سيتولى ملف حزب الله بطريقة مختلفة عن إسرائيل

مونديال 2026: نائبة الرئيس الأرجنتيني تصف الإنجليز بـالقراصنة

العمل: مشروع قانون تنظيم المهن يوفر حماية اجتماعية للعاملين

الحنيطي يفتتح أعمال الاجتماع الـ45 للجنة العسكرية الأردنية–الأميركية

قاليباف: إيران لم ترحب بالحرب لكنها ستواصل الاستعداد للقتال

مونديال 2026: ملك إسبانيا فيليبي السادس سيحضر الأحد المباراة النهائية

المغرب يوقع اتفاقا للمشاركة في قوة الاستقرار الدولية بغزة

صندوق النقد: انقطاع إمدادات الطاقة طويلا سيؤثر على الاقتصاد العالمي

الملك يعود إلى أرض الوطن بعد زيارة إلى قطر

العيسوي يعزي العظامات والبدارين وحفار والحاج حسن

الغذاء والدواء تضبط 5 أطنان مستحضرات تجميل مقلدة وتغلق 3 منشآت

إيران: ارتفاع ضحايا الهجمات الأمريكية الأخيرة إلى 35 قتيلا

استقرار الإيرادات المحلية وارتفاع المنح يعززان نمو الإيرادات العامة لنهاية أيار

الدفاع المدني يخمد حريق مبنى يستخدم كمستودع في العاصمة

التنمية: إغلاق مركز الهدبان بعد نتائج التحقيق وتوصيات حماية الأسرة

مقتل أميركية في إيرلندا .. البحث عن أردني غادر البلاد قبل اكتشاف الجريمة

وفاة سيدة أثناء الولادة تستنفر الأجهزة الأمنية في إربد

بعد مقتل جيمي كارني .. ملتقى أردنيون في إيرلندا يصدر بيانًا رسميًا

هيفاء وهبي تصل الأردن وتشعل الاهتمام قبل حفل الليلة .. ومفاجأة تجمعها بسانت ليفانت

جريمة تهز المواقع .. قتلت زوجها لأنه يحبها ويهتم بها .. صورة

مشروع قانون الملكية العقارية .. 15 تغييرًا قد يؤثر في كل مالك أرض بالأردن

وزير الإدارة المحلية يوجّه بالتحقيق في شبهة اختلاسات ببلدية في المفرق

إرادة ملكية بالموافقة على إجراء تعديل على حكومة حسان

بعد المصادقة على حبسه .. الرياطي يفقد عضويته في النواب

أول ثمار "مجلس السلام " خمط .. ؟

قتيل واصابة بمحافظة جرش

تحذير من إحداث بلبلة والطعن في الغذاء الأردني عند إغلاق منشأة

أحكام مشددة في قضية سرقة مكتب طلال أبو غزالة .. والقضاء يحسم الملف

مهم من العجلوني بشأن امتحان الشامل العملي

السوسنة السوداء .. حكاية ترخيص أم أزمة حوكمة؟