تنكَّر حتى أراك

تنكَّر حتى أراك

23-05-2026 03:06 PM

«تكلَّم حتى أراك»، تلك المقولة الأكثر تداولًا بين جميع شعوب العالم، بلا استثناء، كانت واحدة من درر الفيلسوف الإغريقي «سقراط» Socrates التي أهداها للبشرية، ومنها نعي أنَّ مجرَّد الحديث مع الآخرين أمر كاشف تماماً، ليس فقط للخلفية الاجتماعية والثقافية لأي فرد، بل أيضًا لكل جانب في شخصيته يجاهد في إخفائه. وربما يكشف الحديث أيضًا جميع ما يخطط له المرء؛ لكونه أسرع أداة نافذة إلى طريقة التفكير، وتوقُّع ردود الفعل. باختصار شديد، يمكن اعتبار «كلام المرء» بمثابة أقدم وسيلة لإزالة التنكُّر في هيئة قد تناقض أو حتى تحاول أن تخفي الهوية الحقيقية لأي فرد، بالرغم من أنها حقائق قد لا يقرّها سوى بينه وبين نفسه فقط.
والتنكُّر يعد وسيلة لتغيير الهيئة من أجل تنفيذ أمر ما من دون أن يوضع تحت مجهر من يراقبه أو يمتلك السُّلطة عليه. تاريخيًا، تم استخدام التنكُّر في العصور المختلفة لحبك مخططات قد تطيح أيضًا بالسُلطات الحاكمة. أضف إلى ذلك، كثيرًا ما استخدم الحكَّام حيلة التنكُّر من أجل القيام بعمل «البصاصين» أو كما يعرف بلغة العصر «رجال المخابرات»، سواء لرصد أو القبض على المتمردين أو حتى تفقُّد أحوال الرعية.
وغالبًا ما كان يتم التنكُّر من خلال تغيير الملبس، مثل التنكُّر في زي شحاذ، أو الهيئة مثل إطلاق الشعر واللحية، أو ادِّعاء المتنكِّر أنه من ذوي العاهات. وفي بعض الأحوال، كانت أسلم وسيلة لضمان عدم التتبع وتنفيذ المهام بدقة هي التنكُّر في زي امرأة، وإن كان هناك شكل بدائي في إنكار الهيئة، ألا وهو «التلثيم»، وبهذا يصعب على من يقابل الملثَّم تحديد هويته.
ويعج التاريخ الإسلامي، الذي اتسم بوجود العديد من القلاقل والنزاعات بأمثلة لا حصر لها ولا عدد، بحكايات كثيرة عن التنكُّر واستخدامه كوسيلة فاعلة منذ عهد الرسول (عليه الصلاة والسلام) لنشر الدين الإسلامي، وكان له دور كبير إبَّان عهد الخلفاء الراشدين، وأيضًا في تثبيت قواعد الحكم لبني أمية. ومع زيادة الاضطرابات في العصر العبَّاسي، استخدم العبَّاسيون تلك الحيلة لزعزعة أنظمة الحكم في الولايات التي تُظْهِر التمرُّد والعصيان، أو للإطاحة بالخصوم السياسيين، أو حتى ليدخل بعض أفراد البيت العباسي لتصفية البعض الآخر.
وكما تذكر كتب التاريخ، فإن حيلة التنكُّر الممزوجة بألاعيب «العيَّاق» من الشطَّار كان لها طعم مختلف ذو طابع مصري أصيل؛ فقد عرف المصريون حيلة التنكُّر إبَّان حكم «الحاكم بأمر الله» الذي كان يستطلع أمور العباد بنفسه، أو إرسال مندوبين له يتنكَّرون في أزياء مختلفة. ووصل به الحال أن كان يتجسس على النساء في بيوتهن؛ فكان يرسل دوريًا عجائز لمنازلهن، لنقل أخبار النساء للحاكم وإفشاء ما يدور في بيوتهن من أمور. ومن خلال تقييم «الحاكم بأمر الله» للأوضاع، كان يدبِّر الأمور أو حتى وصلت به الحال أن يعاقب نساء قد لا يكن قد اقترفن مكروهًا. وبلغت به الحال أيضاً أنه عندما علم بأن العالم الجليل «الحسن بن الهيثم» يتقوَّل عليه، أرسل له جاسوسًا يدعي أنه أخ «للحاكم بأمر الله» ولكن من أمّ جارية. ولمَّا استشعر «الحسن بن الهيثم» نية الغدر، ادَّعى الجنون للإفلات من بطش وشيك دبَّره له «الحاكم بأمر الله».
وبسبب تكرار الأحداث وتناقل الأخبار، فهم الشعب المصري حيلة التنكُّر وأتقنوها لدرجة وصلت حدّ الجرأة. فقد استغل البعض حادث مقتل «الحاكم بأمر الله» عام (411هـ/ 1020م) الذي ادعى الألوهية في نهاية أيامه، وساعد على قيام حركة دينية يدَّعي فيها أنه وسيط بين الخلق والخالق. وعلى هذا، كثر عدد الرَّاغبين في التنكُّر على هيئته لتحقيق مآرب شخصية. فبعد موت «الحاكم بأمر الله» مباشرة، وبسبب تأكُّد المغامرين أنه ليس من السهل وجود إعلانات كافية عن سير الأحوال في البلاد، تنكَّر البعض في الزي الذي اشتهر به «الحاكم بأمر الله» وأتقنوا أسلوب حديثه، وظهروا للعامة يُجاهرون بهوتهم الزائفة بقول «أنا الحاكم بأمر الله» لجمع الجبايات، بل وغامر البعض بالذهاب إلى الجبال لإخافة ساكنيها ونهم ما لديهم من دنانير.
لكن من أكثر تلك القصص طرافة، قصة ذاك الرجل الذي يُدعى «شروط»، وكان بينه وبين «الحاكم» شبه يقرب لأن يكون متطابقًا، وإن أكَّد من شاهده أنه أطول من الحاكم قليلاً. واستغل هذا الشبه في جمع الجباية باسمه. وعندما انبرى رجال الدولة للقبض عليه، استطاع الاختباء في مغارات جبال الصعيد هو ورجاله، فلم يتمكَّن أحدهم قط من المساس به. لكنه لم يلبث أن ظهر آخر وسمى نفسه «أبا العرب»، ثمَّ ادَّعى أنه «الحاكم بأمر الله» وأنه يخفي وجوده حيًّا لأمر جلل يبقيه سرًّا. وبلغت به الجرأة أن ذهب إلى محافظة «البحيرة» في مصر، في أوائل عهد البدو، واستقر تحت ذريعة أن له دعوة دينية جديدة ويعلم الغيب. وبقي على هذه الحال إلى أن اهتمَّت السلطات بمطاردته، فتوارى عن الأعين واختفى، ولم تتمكن الدولة من القبض عليه. ولعل ذاك هو السبب في إشاعة أن «الحاكم بأمر الله» لم يُقتل، وأنه عاش بعد محاولة قتله متواريًا عن الأبصار إلى أن صعدت روحه إلى بارئها؛ علمًا أن سبب الترصد به كانت نيته لنشر حركته الدينية على كل الصُعُد.
وأمَّا الحاكم «أحمد بن طولون» فكانت له صولات وجولات بسبب التنكُّر، لدرجة يمكن تسميته بالحاكم الحاذق الذي يعلم ألاعيب السلطات العليا، ويعلم أيضًا كيف يدحضها. استطاع بن طولون أن يُقيم الدولة الطولونية في مصر، واستطاع أن يدحض بها جميع القلاقل، ونهض بأحوال البلاد، حتى ازدهرت وساد السلام. وبسبب قوَّة عزيمته، كان من الجرأة أن ينفصل عن الخلافة العبَّاسية التي كانت تمر بأسوأ فترات ضعفها؛ لِما ساد فيها من أعمال دموية وصراعات سياسية وتنافس محموم على الحكم والزعامة.
لكن استقرار أحوال البلاد وما تلاه من انفصال سبب الهلع للدولة العبَّاسية، التي حاولت بكل الوسائل إيقاع أحمد بن طولون في أشراكها، والإيقاع بدولته القوية؛ حتى تعود مصر تابعة للعباسيين مرَّة أخرى، للاستئثار بخيراتها، كما كان الوضع في السَّابق. لكن أحمد بن طولون كان رجلًا حاذقًا وعلى علم بألاعيب البلاط العبَّاسي، الذي غالبًا يستخدم بصَّاصيه المتنكِّرين لتنفيذ مآربه. وعلى هذا، استطاع أن يكشف كل من حاول أن يندس بين طائفة النصارى ويؤلِّبهم على الحاكم. وكذلك، استطاع ببراعة كشف تنكُّر رجل ادَّعى أنه شحَّاذ مسكين، بالرغم من تنكُّره الواقعي المتقن؛ فقد تسنَّى له ذلك بمجرَّد ملاحظة بسيطة لسلوك ذاك الشحَّاذ، الذي بعد تسلَّمه للطعام الذي أرسله له أحمد بن طولون لم يلتهمه بلهفة، بل انبرى يهش الذباب المحيط به قبل الأكل. وذاك السلوك الذي بدر من البصَّاص المتنكِّر في زي شحَّاذ، كان كفيلًا بكشفه لدى خبير بفن التنكُر.
استطاع أحمد بن طولون أن يحارب المؤامرات العباسية طوال حياته، لكن بعد أن تولى ابنه «خمارويه» زمام البلاد بعد موت أبيه، بدأ الوهن يدب في مفاصل الدولة الطولونية، إلى أن تمكَّن العبَّاسيون من إسقاطها، بعد تمكُّنهم من دسّ البصَّاصين المتنكِّرين في جميع الدوائر الشعبية؛ لتأليبها على الحاكم. لكن الانتقام الأكبر الذي نفَّذه العبَّاسيون ضد المتمرِّد أحمد بن طولون كان إشاعة أنه كان حاكمًا قاسيًا، وأن السيدة «نفيسة»، التي كانت تقيم في مصر آنذاك، أرسلت له رسالة عتاب تدعي بها عليه، علمًا بأنها حكاية ملفقة؛ فالسيِّدة نفيسة توفيت عام (208 هـ)، في حين أن أحمد بن طولون ولد عام (220هـ)، وتولَّى حكم مصر عام (254 هـ)، أي يستحيل أنه التقى السيدة نفيسة بأي حال. لعلمهم أنّ لـ «السيدة نفيسة» مكانة رائعة في قلوب المصريين بلغت حدّ التقديس، فإن إطلاق تلك الشائعة بالتحديد واستغلال اسمها يعدّان حيلة لطمس وجود وذكرى «أحمد بن طولون» في قلوب المصريين، الذين تتملَّكهم العاطفة الدينية. وقيل إن تلك الشائعة قد تسببت في عزوف عموم الشعب عن ارتياد مسجد «أحمد بن طولون» للصلاة، بل واستمر الحال كذلك إلى عصرنا الحالي، بسبب شائعة سياسية مغرضة متنكِّرة في زي موقف سلبي بين «السيدة نفيسة» وحاكم ألصقت به تهمة البطش المفرط؛ لردع أي حاكم تال له أتباع نفس الخطى الانفصالية. ونجاح تلك الشائعة أفضى إلى رجوع مصر ولاية تابعة للدولة العبَّاسية.
وظهر في مصر مزيج غريب من أصحاب الألاعيب الذين بهروا العديد من الحكَّام بسبب إتقان بالغ للمهارة، بل ومنهم الحكَّام الذين أرادوا تعلُّم ألاعيبهم التي استهدفوا بها ترسيخ أسس العدالة، لكن بذكاء، علمًا بأن تلك الفئة الآمنة من أصحاب الألاعيب كانت بعيدة كل البعد عن عُتاة مدبري ومنفذي الأعمال اللصوصية والهمجية.
وأمَّا أعظم تنكُّر في التاريخ فكان ذاك الذي أُحيط بالفيلسوف الإغريقي سقراط، الذي أرسى قواعد منهاجية الفلسفة الأخلاقية، وترك مؤلَّفات ما زالت تبهر العالم حتى وقتنا هذا، بالرغم من أنه لم يكتبها بل جمعها تلاميذه بعد موته، نقلًا من المحاضرات التي كان يُلقيها. شملت المحاضرات جميع ألوان الفنون والعلوم والعمارة والطب، واتخذ منها الغرب أساسًا للنهضة العلمية والحضارية. وكان التساؤل الأكبر الذي يتبادر دائمًا للأذهان حول شخصه وذكائه الغامض: «كيف استطاع سقراط في نهاية حياته أن يمتلك هذا الزخم العظيم من المعرفة الدقيقة لعلوم متقدِّمة في وقت قصير؟»، وتكمن الإجابة عن ذاك التساؤل في التنقيب في كتب التاريخ لإزالة غبار التنكُّر الذي طمس حقيقة تاريخية. فقد كان «سقراط» مُعلِّم «الإسكندر الأكبر»؛ فتح له باب العلوم والحكمة. وكما تذكر كتب التاريخ القديم، فبعد أن غزا «الإسكندر الأكبر» مصر، زار مُعلِّمه سقراط تلك الحضارة المصرية العظيمة، التي اعتبرها الإغريق مصدر إبهار ومنارة للعلوم. وبسبب حالة الضعف التي دبَّت في مفاصل الدولة، قيل إنَّ سقراط زار مكتبة الإسكندرية، ولم يكتفِ فقط من النهل من العلوم، بل اصطحب معه أيضًا عند العودة إلى بلاد الإغريق لفائف عظيمة تناقش العلوم في الحضارة المصرية القديمة. ومن يدري، ربما كانت مقولة «تحدَّث حتى أراك» نفسها مقولة سائدة في الحضارة المصرية القديمة التي نقل منها سقراط في محاضراته؛ وهذا لعدم تطبيق حقوق الملكية الفكرية على علوم دولة وقعت في يد الغزاة.
التاريخ شائك في جميع جوانبه، وللأسف، لا يتسنى للأجيال اللاحقة، وخاصة تلك التي تبعد عن الأحداث بفترات زمنية طويلة، معرفة الحقائق كاملة؛ لأن سردية التاريخ دائماً ما يسطو عليها الشطَّار وأصحاب الألاعيب من المؤرخين الذين يبرعون في اجتثاث الأحداث الحقيقية أو تصويرها، ولكن في إطار من التنكُّر؛ لخدمة من يعتلي السلطة. وللأسف، فبسبب المحاباة ومخالفة الضمير العلمي المحايد، تنتشر الأكاذيب حتى تصير الوجه المألوف الذي تصدقه الأجيال التالية، لدرجة تفنيد أي حقيقة تكشف هذا التنكُّر اللصوصي.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

تصريح الأميرة رحمة عن “أني أولادي من إربد” يشعل التفاعل ويحقق انتشاراً واسعاً .. شاهد الفيديو

الأردنيون العائدون من الكونغو وأوغندا يخضعون لحجر 21 يوما

سعر الذهب محلياً الجمعة

أسعار الأضاحي ترتفع والروماني يتجاوز البلدي لأول مرة

تحذير للأردنيين من صور وفيديوهات تهدف إلى ابتزازهم

مع الزيادة السنوية .. موعد صرف رواتب متقاعدي الضمان

لاول مرة دينا تفضح كواليس زيجاتها وتعلن الحياة اجمل بدون رجل

توحيد ودمج المؤسسة الاستهلاكية المدنية بالمؤسسة الاستهلاكية العسكرية

بيان من هيئة النزاهة حول تصريحات النائب العماوي

بعد انتشار إيبولا .. مهم بشأن إدخال العاملات للمملكة

عرض مسرحي تربوي في ماركا يدعم التعليم الدامج وتمكين الطلبة

أميركا : استنفار أمني عقب مجزرة بمركز إسلامي .. تفاصيل

إعلان نتائج انتخابات اتحاد طلبة جامعة العلوم والتكنولوجيا .. أسماء

حسام السيلاوي يعلن اعتزال الغناء نهائياً بعد إصدار ألبومين أخيرين

إعلان نتائج انتخابات اتحاد طلبة الجامعة الأردنية (أسماء)