كم قسطرة قلبية تساوي شهادة المدينة الذكية

كم قسطرة قلبية تساوي شهادة المدينة الذكية

22-05-2026 03:27 PM

هذا النقاش ليس نقاشاً عاطفياً بل هو نقاش يدور ضمن المفاهيم الاقتصادية نفسها التي تتبناها الحكومة والفريق الاقتصادي المحيط بها، أولئك الذين يدّعون أنهم الأكمل والأعلم من المواطن الأردني البسيط في شؤون الاقتصاد والمال العام , فليكن النقاش على أرضهم ووفق مفاهيمهم التي يدّعون انهم يتبنوها ويعملون من خلالها .


في النظرية الاقتصادية هناك ثلاث حقائق لا تقبل الجدل: الموارد نادرة، والاحتياجات غير محدودة، والدولة ملزمة بتعظيم النفع الاجتماعي من كل دينار تنفقه.

هذا هو جوهر اقتصاد الرفاه الذي أسسه كبار الاقتصاديين، وهو الأساس النظري الذي قامت عليه سياسات صندوق النقد والبنك الدوليين في تقييم كفاءة الإنفاق العام, والمفارقة أن سياساتنا العامة رغم ادعائها التمسك بهذه المبادئ، تنتهكها بشكل منهجي وصارخ.


لنبدأ بمفهوم (تكلفة البديل المفقود) وهو الركن الركين في أي تحليل اقتصادي عقلاني:


عندما تقرر أمانة عمان إنفاق ملايين الدنانير على الحصول على شهادة (المدينة الذكية) من المعهد البريطاني للمقاييس، فإن تكلفة البديل المفقود لهذا القرار لا تقتصر على المبلغ المدفوع، بل تشمل كل ما كان يمكن أن تنتجه هذه الملايين لو استثمرت في مكان آخر.

وفي بلد يعاني عجزاً في الميزانية الجارية ويتجاوز دينه العام 40 مليار دينار، فإن أي قرار إنفاقي لا يخضع لاختبار تكلفة البديل المفقود هو قرار غير علمي، بل هو غير مسؤول.

والسؤال الذي يفرض نفسه: ما هي تكلفة البديل المفقود لمشروع ترفيهي أو شهادة دولية في بلد يعاني بطالة حقيقية تتجاوز 35%، وفقرا يطال ربع السكان، وعجزا في الخدمات الصحية الأساسية؟!

الجواب هو أن قيمة الدينار في جيب الفقير أو في قسطرته القلبية تفوق قيمته في أي مشروع كمالي بمئات المرات, فالدينار الأخير الذي ينفقه مواطن فقير على دواء ينقذ حياته يمنحه نفعا يقترب من اللانهاية، بينما الدينار الأخير الذي تنفقه الحكومة على شهادة بريطانية يمنحه نفعا يقترب من الصفر , وهذا هو بالضبط تعريف سوء توزيع الموارد في لغة الاقتصاد.

لننتقل إلى مفهوم (الإنفاق الإنتاجي) مقابل (الإنفاق الاستهلاكي) وهو تصنيف أساسي في علم المالية العامة:

الإنفاق الإنتاجي هو الذي يخلق أصلا رأسماليا ويزيد القدرة الإنتاجية للاقتصاد على المدى الطويل , والإنفاق الاستهلاكي هو الذي يُستهلك فورا ولا يترك أثرا إنتاجياً , وكما يقول الخبراء: فإن التمييز بينهما هو مفتاح تقييم أي موازنة عامة.

الصحة بموجب هذا التصنيف ليست استهلاكا، بل هي استثمار في رأس المال البشري وهو المفهوم الذي طوره اقتصاديون حائزون على جائزة نوبل , فالعامل السليم هو عامل منتج , والمواطن المعافى هو دافع ضرائب في المستقبل.

لذلك فإن أي دينار يُنفق على الصحة، وخاصة على الخدمات الوقائية والعلاجية الأساسية كالقساطر القلبية والأدوية المزمنة، هو دينار ذو عائد استثماري مرتفع.

وعلى النقيض فإن إنفاق الملايين على حديقة ترفيهية أو على شهادة دولية لا تضيف قيمة إنتاجية ملموسة، هو إنفاق استهلاكي بحت، بل إنفاق كمالي لا يليق بموازنة دولة نامية تعاني ضائقة مالية.

هنا تكمن المفارقة التي لا تفسير لها إلا بوجود خلل في الأولويات : نحن ننفق الملايين على سلع كمالية، ونتردد في إنفاق نصفها على استثمار في رأس المال البشري في وقت نطلب من صندوق النقد قروضاً لتغطية عجز الموازنة، وفي الوقت نفسه نُصدر شهادات دولية لا تخلق وظيفة واحدة ولا تنقذ مريضاً واحداً.

أما مفهوم (العائد الاجتماعي على الاستثمار) فهو أحدث أدوات التقييم الاقتصادي، وهو يقيس العائد الاجتماعي لكل دينار يُنفق، وليس العائد المالي فقط.

ففي دراسة أجرتها منظمة الصحة العالمية، وجدت أن كل دينار يُنفق على خدمات الطوارئ القلبية يحقق عائداً اجتماعياً يتراوح بين 3 و7 دنانير، في صورة سنوات حياة إضافية وإنتاجية متواصلة وتوفير في تكاليف العلاج لاحقاً.

بالمقابل ما هو العائد الاجتماعي لشهادة (المدينة الذكية) ؟! , من الصعب قياسه ومن الأصعب إثباته.

فهل قللت الشهادة من وفيات القلب في معان؟! و هل قللت من البطالة في العقبة؟! و هل خفضت فاتورة الكهرباء على أسرة فقيرة في الزرقاء؟! الجواب: لا، ولا، ولا.


ثم هناك قاعدة (التساوي الحدي) في توزيع الموارد والتي تنص على أنه لتحقيق أقصى نفع اجتماعي، يجب أن يتساوى النفع الحدي لآخر دينار يُنفق في كل قطاع.

بتطبيق هذه القاعدة على الاقتصاد الأردني يؤدي إلى نتيجة صادمة : النفع الحدي للدينار في قطاع الصحة، خاصة الطوارئ والأدوية، أعلى بكثير من النفع الحدي للدينار في قطاع الحدائق أو الشهادات الدولية.

وهذا يعني بلغة الاقتصاد أننا يجب أن ننقل الأموال من القطاع الثاني إلى القطاع الأول حتى يتساوى النفعان.

بمعنى آخر يجب تجميد أي مشروع ترفيهي أو كمالي جديد، وتحويل موازنته إلى دعم الصحة والطاقة والإسكان والماء، وخاصة في المحافظات الطرفية.

وماذا عن (الناقل الوطني) ؟! , هذا المشروع رغم كلفته الباهظة يدخل في خانة الإنفاق الإنتاجي الأساسي, فالمياه ليست سلعة استهلاكية عادية، بل هي ضرورة عامة أساسية.

الأردن ثاني أفقر دولة في العالم بالمياه، لا يمكنه الاستغناء عن أي مشروع يؤمن هذا المورد الحيوي.

لكن التناقض هنا مذهل : نبرر تأخير مشاريع حيوية أخرى بضرورة تمويل الناقل، وفي الوقت نفسه نجد أموالاً نقدية، وليست قروضاً، لتمويل حدائق وشهادات وملاعب.

من الناحية الاقتصادية هذا يعني أننا نُفضل تمويل مشاريع ذات عائد استثماري اجتماعي متدنٍ أو معدوم، على حساب مشروع ذي عائد استثماري مرتفع ولكنه ممول بالديون, وهذا لا معنى له في أي نظرية مالية عامة سليمة.

أما النظام الضريبي في علم المالية العامة فيجب أن يكون محايداً أي لا يخلق تشويهاً في سلوك المنتجين والمستهلكين، وألا يعاقب فئة على حساب أخرى.

لكن نظامنا الضريبي الحالي و بكل أسف يمثّل نموذج للتشوه الضريبي, فهو يعاقب العمل والإنتاج بضريبة دخل وضريبة مبيعات مرتفعة على مدخلات الإنتاج، ويترك الباب مفتوحاً للتهرب الضريبي والاقتصاد غير الرسمي.

وملخصه أنه يفرض أعباء أكبر على المنتج المحلي مقارنة بالمستورد، مما يقتل القدرة التنافسية للصناعة والزراعة المحلية، ويحول الاقتصاد تدريجياً إلى اقتصاد ريعي وسيطي، لا إلى اقتصاد منتج يخلق وظائف.

وأي إصلاح ضريبي جذري يجب أن يكون على رأس أولويات أي حكومة، قبل التفكير في إنفاق قرش واحد على أي مشروع كمالي.

في الصورة الأوسع لا بد من التذكير بمفهوم (المساءلة المالية) و(شفافية الموازنة) :

فعندما تبقى كلف الشهادات الدولية مثل (المدينة الذكية) سرية ولا تُعلن، فإن هذا يشكل انتهاكاً صريحاً لحق المواطن في معرفة أين تذهب أموال ضرائبه.

وهو أيضاً مؤشر على أن هذه المشاريع لن تصمد أمام اختبار العائد الاجتماعي على الاستثمار لو خضعت له , فلماذا السرية إن كان هناك ما يُفاخر به؟!

بلغة الاقتصاد المتجرد :

نحن نعاني من فشل حكومي في توزيع الموارد، حيث تُعطى الأولوية للمشاريع ذات العائد الاجتماعي الحدي المنخفض، أي السلع الكمالية، على حساب المشاريع ذات العائد الحدي المرتفع، أي الضروريات الأساسية, هذا الفشل ليس مجرد خطأ في الحسابات، بل هو أزمة منهج وأزمة أولويات.

حل هذه الأزمة لا يحتاج إلى نظريات اقتصادية معقدة، بل إلى تطبيق متسق للمفاهيم الاقتصادية التي يدعي الجميع التمسك بها : مفهوم تكلفة البديل المفقود، ومفهوم العائد الاجتماعي على الاستثمار، وقاعدة التساوي الحدي، ومبدأ الشفافية المالية.

فإما أن نطبق هذه المفاهيم بصدق على كل دينار ينفق، ونضع الصحة والماء والطاقة والسكن في قمة الأولويات حيث تستحق، وإما أن نعترف أننا لا نؤمن بهذه المفاهيم أصلاً، وأن أولوياتنا الحقيقية هي الصورة لا الجوهر، والافتتاحية لا الإنجاز، والشهادة الدولية لا حياة المواطن.

الأردن يستحق اقتصاداً علمياً وعقلانياً، لا اقتصاداً نخبوياً يضع الرفاهية قبل الضرورة , فإما أن تكون الأولويات سليمة، وإما أن نظل نراوح في دائرة الفشل التي نعرفها جميعا



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

تصريح الأميرة رحمة عن “أني أولادي من إربد” يشعل التفاعل ويحقق انتشاراً واسعاً .. شاهد الفيديو

الأردنيون العائدون من الكونغو وأوغندا يخضعون لحجر 21 يوما

أسعار الأضاحي ترتفع والروماني يتجاوز البلدي لأول مرة

مع الزيادة السنوية .. موعد صرف رواتب متقاعدي الضمان

لاول مرة دينا تفضح كواليس زيجاتها وتعلن الحياة اجمل بدون رجل

توحيد ودمج المؤسسة الاستهلاكية المدنية بالمؤسسة الاستهلاكية العسكرية

بعد انتشار إيبولا .. مهم بشأن إدخال العاملات للمملكة

انخفاض ملحوظ بأسعار الذهب محلياً السبت

بيان من هيئة النزاهة حول تصريحات النائب العماوي

إعلان النتائج النهائية لانتخابات حركة فتح اليوم

عرض مسرحي تربوي في ماركا يدعم التعليم الدامج وتمكين الطلبة

تحذير للأردنيين من صور وفيديوهات تهدف إلى ابتزازهم

أميركا : استنفار أمني عقب مجزرة بمركز إسلامي .. تفاصيل

إعلان نتائج انتخابات اتحاد طلبة الجامعة الأردنية (أسماء)

الأردن يراجع شهرياً قرار منع دخول القادمين من الكونغو وأوغندا بسبب إيبولا