الثورة التي أكلت أبناءها .. قراءة في إعادة إنتاج الاستبداد
21-05-2026 05:11 PM
في بواكير شبابي قرأت رواية «مزرعة الحيوان» بعد أن كانت مقرراً لنا في الثانوية العامة في مادة اللغة الإنجليزية؛ جذبني المدرس إليها بأسلوبه الجذاب، ثم قرأتها لاحقا مترجمة، وأعدت قراءتها مرات عدّة.
لم تكن لي مجرد رواية عن حيوانات ثارت على مالك مزرعة، بل رأيت فيها أكثر النصوص السياسية قسوة في فضح فكرة تحول الثورة إلى سلطة، والسلطة إلى قيد، ويتحول القيد إلى نهج؛ والنهج إلى استبداد لتبريره باسم الثورة.
تبدأ مزرعة الحيوانات بشعارات براقة عنوانها «الحرية والمساواة»، لكن الخنازير، لأنها كانت الأكثر تنظيما ودراية ووعيا، تمسكت بمفاصل الثورة الأولى منذ البدايات، فكان من الطبيعي أن تحتكر القرار السيادي أمام بقية الحيوانات، ثم تبدأ بإعادة كتابة المبادئ، ثم تنصّب نفسها هي الثورة في خطابها، على الرغم من مناقضتها نفسها في ممارساتها. من هنا نستطيع أن نرى أن الخطر لا يعود في سقوط النظام القديم، بل فيمن أصبحوا يتحدثون باسم الجماعة ولا يتقبلون حق غيرهم في مراقبتهم ومحاسبتهم.
لم تكن الخنازير في الرواية رمزا للشر بقدر ما هي رمز للنخب التي تبدأ الصعود من داخل الثورة ثم تتنكر لأحلامها رويدا رويدا، لتنفصل عنها تماما فيما بعد. كانت في المزرعة تتقن إدارة الشعارات، وتعرف كيف تجعل خطاباتها أداة ضبط، وتتقن صياغة الحقيقة وفق متطلبات السلطة وحاجتها، لا وفق مصلحة الجماعة. مع مرور الأيام لم تعد الخنازير مجرد قادة، بل كيّفت حالها وتحولت إلى طبقة حاكمة منفردة في السلطة والقرار، وتبرر امتيازاتها باسم الحاجة والضرورة، ولا تنسى أن تطلب من البقية الصبر باسم "الواقعية" ، وتعمل على إعادة تعريف المساواة بحيث تبقى على قمة الهرم المجتمعي.
في نهاية الأمر، يصبح الفارق بين الخنازير والبشر الذين ثارت عليهم فارقا شكليا فقط؛ لأن جوهر وعقلية الحكم نفسه لم تتغير من استعلاء واستغلال وأنانية وتسويف وقهر.
هذه "المزرعة" بهذا المنطق لا تبقى حبيسة الأدب، بل هي خير انعكاس لبعض ثوراتنا العربية الحديثة، التي تحولت من فكرة تحرر إلى صراع على السلطة، ومن فسحة أمل إلى إعادة إنتاج للاستبداد بصيغ وشعارات جديدة وملابس مدنية جديدة.
في تونس، بدأت أولى ثورات الربيع العربي بوصفها كسرا صريحا لمنظومة الاستبداد والفساد والقمع، لكن ما لبثت أن دخلت بعد ذلك في طريق الانقسام والتشكيك والتفكك، ليأتي من يستخدم عناوين براقة مثل "الشرعية" و"التصحيح" و"إنقاذ الدولة" ، لإعادة السلطة في يد واحدة، وكأن الثورة التي اشتعلت في لحظة قهر جرى استدعاؤها لتبرير الانقلاب على مكتسباتها. هنا تتجلى لنا الخديعة الكبرى حين تتحول تلك اللغة الثورية إلى غطاء لعودة الحكم الفردي المتسلط، وهنا يصبح المستبد أكثر ذكاء لأنه يعود باسم" الشرعية وإعادة المكتسبات للوطن" .
في مصر، القصة تكاد تكون أوضح؛ فقد سقط رأس النظام، لكن البنية والدولة العميقة التي أوجدت الاستبداد ومهدت له الطريق بقيت قائمة وتعمل بخبث وصمت. لم تُقدَّم للثورة مؤسسات انتقالية قادرة على حمايتها من الارتداد الجانبي الذي يرافق أي ثورة؛ فدخلت أو أدخلت البلاد في صراع بين القوى السياسية ومراكز النفوذ، ثم بلحظة مكر وأمر دبر بليل، أعادت الدولة العميقة ترتيب المشهد السياسي، فعادت السلطة إليها بأدوات أشد قسوة وبدولة أمنية أكثر إحكاما من التي قامت الثورة عليها. لم تكن هذه الثورة مجرد انتكاسة عابرة لشعب عانى ما عاناه، بل مثالا حيا لكيفية اختطاف الثورة وصناديق الاقتراع حين تفشل في تحويل طاقتها الشعبية إلى نظام سياسي يحميها من الانقضاض عليها.
في الحالة الفلسطينية، تبرز المفارقة أشد إيلاما؛ فقد نشأت وقامت السلطة الفلسطينية بوصفها إحدى مخرجات المشروع الوطني والثوري الفلسطيني، لكن المسار التاريخي حوّلها تدريجيا من أداة تحرر إلى "بنية حكم" تعمل تحت الاحتلال. ومع تمدد و "تقديس" التنسيق الأمني، لم يعد الأمر مجرد إجراءات إدارية أو ترتيبات مرحلية، بل صار عنوانا لتحول أعمق من ثورة قامت لمقاومة الاحتلال إلى سلطة تدافع عن استقراره الأمني، بل تتكيف معه وتعيد إنتاج شروطه بصورته القصوى.
من هنا يصبح الخطاب الرسمي أكثر خطورة من الصمت؛ لأنه لا يكتفي بالتعايش مع الاحتلال، بل يمنحه لغة أخلاقية وسياسية و"صكوك غفران" باسم المصلحة الوطنية ومنع الفوضى وحماية الواقع الجديد.
ينبغي هنا أن نستذكر أن خيطا واحدا يجمع بين هذه التجارب كلها أنّ الثورة تبدأ بوعود كبيرة، ثم تواجه اختبار السلطة، ثم تنقسم بين المبادئ والمكاسب، ثم تصعد النخبة الأكثر تنظيما لتحتكر المسار، ثم تتحول الشعارات إلى أدوات ضبط بدل أن تبقى أدوات تحرير. في هذه اللحظة، لم يعد السؤال من أسقط النظام؟، بل: من سرق الثورة؟ لأن سرقة الثورة أخطر من هزيمتها؛ إذ تترك الناس يعتقدون أنهم ما زالوا داخل المعركة بينما تكون المعركة قد حُسمت لصالح طبقة جديدة تتحدث باسمهم وتتصرف ضدهم.
إن قيمة رواية "مزرعة الحيوان" أنها لا تتحدث عن الاتحاد السوفييتي وحده، ولا عن حقبة زمنية معينة، بل عن قانون وفكر سياسي متكرر أن السلطة حين تنفصل عن الأخلاق الثورية تصبح قادرة على إعادة تعريف الثورة نفسها. وهذا ما يفسر لنا لماذا تصلح لقراءة بعض ثورات الوطن العربي؛ ففي كل حالة، نرى الشكل ذاته تقريبا من حركة شعبية تنطلق من التمرد، ثم تصعد قيادة، ثم تتراجع الشفافية، ثم يُختطف المسار، ثم يتحول الدفاع عن "المشروع" إلى دفاع عن السلطة القائمة، أو عن التنسيق، أو عن الاستقرار، أو عن الشرعية، حتى لو كان الثمن هو خيانة الغاية الأصلية.
لهذا تبقى الرواية نصا تحذيريا شديد القسوة؛ فالثورة لا تموت فقط حين يواجهها العدو، بل حين تُنتج داخلها خنازير جديدة تتقن الخطاب أكثر من الفعل، وتعرف كيف تجعل الانحراف يبدو عقلانيا، والخضوع يبدو ضرورة، والدفاع عن الاحتلال يبدو وطنية.
الثورة تُهزم حين تُستبدل بخنازير تتحدث باسمها.
لجان الزكاة في عجلون توزع 181 ألف دينار مساعدات نقدية
جلسة تشاورية حول إطار كفايات الذكاء الاصطناعي في القطاع العام
مونديال 2026: استبعاد الزلزولي وأكرد من تشكيلة المغرب بسبب الإصابة
العقبة تطلق مركز الاقتصاد الدائري للإبداع
إسرائيل .. آيزنكوت يطرح نفسه بديلا لنتنياهو ويتهمه بإضعاف القرار
مسؤولون يبلغون عن مواد خطرة في البنتاغون
أبو عبيدة: صمود جنين يثبت أن الضغط في الضفة يقود إلى الانفجار
غوتيريش: لبنان في حاجة لوقف إطلاق نار واحترام سيادته
المنتدى الاقتصادي يبحث تطوير الإدارة المحلية
قاضي القضاة يطلق استراتيجية صندوق تسليف النفقة للأعوام 2026-2028
الأشغال تبدأ مشروع صيانة طرق ومنشآت مائية بـ4 ملايين دينار
فيدان: تعميق التكامل الاقتصادي مع تركيا ضرورة استراتيجية لأوروبا
الحكم الصومالي الذي مُنع من دخول الولايات المتحدة سيدير السوبر الأوروبي
انطلاق كأس العالم 2026: القنوات الناقلة وحفل الافتتاح
مونديال 2026: المتظاهرون يعودون إلى أستيكا قبل ساعات من الافتتاح
الفئات التي تشملها العطلة الرسمية في الأردن غداً
وزارة العمل تنفي أنباء متداولة بشأن البكار وتصدر توضيحاً
زيادة 30 ديناراً على رواتب موظفين ومتقاعدين مدنيين وعسكريين
انخفاض الذهب بالتسعيرة الثانية محلياً
العثور على جثة أربعيني مشنوق داخل منزله في عمّان
صاروخ يسقط في الذنيبة شمال الأردن .. صور وفيديو
تفاصيل موسعة حول جريمة القتل في منطقة حسبان .. تحديث
الفئات التي لا تشملها الزيادة الجديدة على الرواتب
تعليق دوام مدارس في لواء ناعور الأحد لأسباب طارئة
قرارات جديدة تتعلق بالتكسي الأصفر والتطبيقات الذكية
إرادة ملكية بترفيع عدد من ضباط الجيش والأجهزة الأمنية .. أسماء
8 ضحايا جرائم قتل خلال أسبوع واحد في الأردن
700 دونم من القمح رمادًا في اربد والمزارعون يطالبون بإصدار شهادات المنشأ
اعتراض وإسقاط 5 صواريخ أطلقت من إيران باتجاه الأزرق
دوي صفارات الإنذار في العقبة تزامناً مع اعتراض مسيّرة فوق إيلات .. فيديو


