لا تقلب الصفحة
01-09-2025 11:48 PM
رأيتها أول مرة في قاعة مزدحمة، تجلس على طرف الصف وكأنها تحاول أن تتفادى الأضواء. كانت متوسطة القامة، شديدة الجمال، يضيع جسدها في معطف فضفاض أبيض، وعيناها تتنقلان بين الوجوه بحذر يشبه حذر الطيور في موسم الصيد. لم يكن هناك ما يربطني بها سوى الفضول، لكنه تضاعف حين لاحظت كيف يتجه نظرها نحو الباب بين الحين والآخر. ثم دخل هو، ضامر الجسد، كتفاه مائلتان، نظارة أكبر من ملامحه، وسترة جلد قديمة، لا يبدو عليه أنه قادر على شدّ الانتباه، ومع ذلك تبادل معها نظرة سريعة ثم أعرض. كان يتحرك ببطء، يمر بين الحاضرين كما تمر النملة على حافة الطاولة، غير مرئي إلا لمن يبحث عنه فعلاً. مرّت الأمسية ببرود، ولم يقترب منها حتى النهاية، حين وقف أمامها للحظة، همس بكلمة قصيرة، ثم غادر وهو يحمل حقيبته بخفة وكأنه لم يأتِ أصلاً. اكتفت هي بهز رأسها كمن يسلّم سرّاً قديماً لصاحبه.
في اليوم التالي، وأنا أجلس في المقهى أكتب، دخلت هي وجلست على الطاولة المقابلة. كانت تتحدث في الهاتف، نبرة صوتها مائلة للسخرية، وكأنها تلهو بما تسمع: «غداء؟ في المول؟ لكن عندي موعد مع صديقاتي بالليل». ثم ضحكت وأضافت: «أوكي، تعال خذني إذا تحب». قالتها ببرود امرأة تعرف كيف تُبقي الآخر معلقاً، وكأنها وحش صغير يلهو بدمية من قش. وبعد نصف ساعة، دخل هو. بدت العيون هذه المرة حادة أكثر، وعلى طرف فمه ارتسمت نصف ابتسامة صغيرة غامضة لا تكشف عن النوايا كاملة لكنها تلمّح إلى ثورة مكتومة. وقف أمامها وقال وهو ينحني قليلاً: «جاهزة؟»، فهزّت رأسها ووقفا معاً. خرجتُ بعدهما بخطوات مترددة، كان يمشي إلى جانبها بهدوء وذراعاه تتحركان بخفة، بينما ينمو الصمت حوله كأنه معتاد على أن يترك الفراغ يتكلم نيابة عنه. ومع ذلك، كانت تبتسم أكثر مما ابتسمت بالأمس. وفي لحظة عابرة التفت نحوها والتقت عيونهما، لم أسمع ما قال، لكن ملامحها تغيرت فجأة، وكأنها اكتشفت أن هذا الرجل الذي بدا ضئيلاً وبلا تأثير يخفي تحت مظهره الهادئ شيئاً قادراً على جرّها إلى عمق أبدي لا مفر منه. تابعت خطواتهما حتى اختفيا وسط الزحام، وأنا أفكر أن بعض الحكايات الكبرى تبدأ من نظرة لا يأخذها أحد على محمل الجد، وأن الورق الرقيق حين يقرر أن يجرحنا بحافته لا يترك لنا خياراً سوى أن ننزف حينَ نقرر أن نقلب الصفحة.
هذا المشهد العابر يعيد إلى الذاكرة رواية جين أوستن الخالدة «كبرياء وهوى»، حيث تبدأ الحكاية أيضاً بنظرة عابرة تنطوي على حكم متسرع وسوء تقدير. إليزابيث بينيت تنظر إلى السيد دارسي في اللقاء الأول وترى فيه رجلاً متكبراً متعالياً لا يستحق الالتفات، بينما ينظر هو إليها بوصفها فتاة عادية تفتقر إلى الجاذبية الاجتماعية التي تجذبه. لكن مع مرور الصفحات يتكشف العمق المختفي وراء المظاهر: فدارسي الذي بدا مغروراً متجهم الوجه يخفي قلباً رقيقاً ووفاءً نادراً، وإليزابيث التي بدت ساخرة متمردة تخفي وراء جرأتها عطشاً عميقاً للحب والاحترام. إن العلاقة هناك تنمو عبر الحوار والمواجهة والرسائل والاعترافات، بينما هنا تتأسس على لغة أخرى: الصمت والنظرات العابرة والتواطؤ غير المعلن، حيث الكلمة التي لا تُقال تصبح أثقل من كل العبارات، وحيث الفراغ بين جملتين يخلق حكاية كاملة.
وإذا كانت رواية أوستن قد انتهت بزواج إليزابيث ودارسي، أي بتصالح الكبرياء مع الهوى وانتصار العاطفة على العقلانية، فإن هذه الحكاية لا تسعى إلى تلك المصالحة. هنا لا نجد زفافاً ولا حلاً اجتماعياً ولا خاتمة تريح القارئ، بل نهاية مفتوحة على المجهول، على الشارع المزدحم والفراغ الذي يبتلع خطاهما، على شعور أن العلاقة لم تبدأ لتكتمل بل لتبقى معلقة في فضاء من الاحتمالات. وبينما حبست أوستن بطليها داخل قفص الزواج كي تطمئن قلوب القراء، فإن هذه الحكاية تختار أن تتركهما يختفيان في الزحام بلا قفص، بلا عقد، بلا وعدٍ بالاستقرار. إن دارسي وإليزابيث تحولا عند أوستن إلى مثال عن الحب الذي يصالح المجتمع مع نفسه، أما هذان الغريبان فهما مثال عن الحب الذي يفرّ من كل إطار، الحب الذي يولد في العتمة ولا يحتاج إلى شاهد، الحب الذي يذوب مثل دخان في هواء المدينة ولا يترك أثراً سوى ارتباكنا نحن الذين رأيناه للحظة عابرة ثم فقدناه. وهكذا تتحول المقارنة إلى انعكاس مضاد: ففي حين منحت أوستن نهايتها عزاءً للقلب، يترك هذا المشهد القلب معلقاً على حافة سؤال لا جواب له، كأن الحب أحياناً أجمل حين يظل ناقصاً، وأشد حضوراً حين يتوارى بين الخطى والضجيج. وربما كان أجمل حب هو الذي لا نعرف أبداً كيف انتهى. وهذا ما يُسمى النهايات المفتوحة في الأدب الذي يشترك به القارئ في التأليف والتأويل؛ بلا راحة حتمية يفرضها عليه الكاتب السلطوي والذي لا يسمح للحب أن يغير مجرى نزاعاته الشخصية وشيء من عقد الماضي العقلاني الحزين.
سيادة لبنان حاجة سورية إقليمية
عاشوراء «حزب الله»: جعجعة التبعية
ترامب يتوعد إيران: قد نُكمل المهمة عسكرياً .. وضربات أمريكية جديدة
الاتفاق اللبناني الصهيوني .. وُلِد ميتا
ترامب لعون: أراك قريبا في واشنطن
إصابة صلاح قائد مصر بشد في عضلات الفخذ الخلفية
بن غفير: الاتفاق مع لبنان خطأ فادح وطلبت تصويتا بشأنه في الكابنيت
كيف رسم الأمير الحسين ملامح الأردن الرقمي؟ قراءة في مشروع ولي العهد
الولايات المتحدة تشن المزيد من الضربات على إيران
عون لترامب: الدولة اللبنانية ستتحمل مسؤولياتها في تنفيذ الاتفاق الإطاري
الجيش الإسرائيلي يعتقل فلسطينيًا بعد محاصرة منزله شمالي الخليل
الأردن يختتم استعداداته لمواجهة الأرجنتين .. توقعات بمتابعة مليار مشاهد للمباراة
تحذير طبي من الإفراط في أدوية حرقة المعدة .. آثار جانبية قد تطال الأمعاء والعظام
تراجع سوق الدواجن في الأردن يفتح ملف نظام الطيبات والمخاوف الصحية
لفتة للنشامى نالت إعجاب الجماهير العربية والجزائرية .. صورة
الأردن يقترب من إنتاج 500 طن سنوياً من الكعكة الصفراء
تحديد هوية الشاب المتوفي في تدافع مباراة الأردن والجزائر .. صورة
نداء للتعرف على هوية المتوفى بتدافع مباراة النشامى
وظائف حكومية شاغرة ومدعوون لاستكمال إجراءات التعيين .. تفاصيل
هبوط بأسعار الذهب محلياً اليوم
موظفة بالسياحة تتهجم على مكتب الوزير .. التفاصيل
على نفقته الخاصة .. الملك يوجه دعوة خاصة لسيدة أردنية لزيارة المملكة
نهر إسمنتي غامض في غزة .. ما حقيقة استخدامه في ترميم المنازل
متورط مع موظفة .. فيديو خادش منسوب لمسؤول معروف يهز العراق
تنفيذ الإعدام تباعاً بحق محكومين في السجون الأردنية
أسعار الذهب ترتفع محلياً السبت
إيران تودّع المونديال .. ومصر تحقق تأهلاً تاريخياً للدور الثاني
