ما الذي حدث في فنزويلا؟

ما الذي حدث في فنزويلا؟

04-01-2026 12:41 PM

لم يكن ما جرى في فنزويلا حدثًا مفاجئًا أو معزولًا عن سياقه، بل جاء تتويجًا لمسار طويل من التصعيد السياسي والاقتصادي والإعلامي، انتهى بعملية خاطفة أدت إلى اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ونقله خارج بلاده. وقد اختلفت القراءات حول طبيعة ما حدث؛ فمنهم من رآه انقلابًا مكتمل الأركان، ومنهم من وصفه بعملية أمنية دقيقة، فيما اعتبره آخرون نتيجة حتمية لتراكمات داخلية وخارجية التقت في لحظة واحدة.

سبقت العملية حملة دولية مركزة لتجريد النظام الفنزويلي من شرعيته، عبر اتهامه بقمع شعبه، وتفكيك مؤسسات الدولة، والتسبب في أزمات إنسانية أدت إلى هجرة قسرية واسعة. وقد جرى تضخيم هذه الملفات إعلاميًا وسياسيًا، بحيث تحولت من أزمات داخلية إلى “قضية دولية”، وهو ما هيّأ المناخ لطرح فكرة “التدخل” بوصفه حلًا، لا اعتداءً ، حيث عملت الإدارة الأميركية بقيادة دونالد ترامب على بناء رواية أخلاقية وسياسية تُظهر ما سيجري لاحقًا وكأنه استجابة لمعاناة شعب، لا تنفيذًا لمصالح استراتيجية، في مقدمتها النفوذ الإقليمي والسيطرة على واحدة من أكبر احتياطات النفط في العالم.

قدّم ترامب العملية باعتبارها خطوة ضرورية لحماية الشعب الفنزويلي من الاستبداد، مستخدمًا خطاب حقوق الإنسان والحرية، وهي لغة باتت مألوفة في تبرير التدخلات الخارجية. غير أن هذا الخطاب، مهما بدا إنسانيًا، لا يمكن فصله عن حقيقة أن القوى الكبرى لا تتحرك إلا ضمن حسابات المصالح، وأن القيم تُستدعى غالبًا لتجميل القرارات، لا لتوجيهها.

فالدولة التي تفشل في إدارة شؤونها الداخلية بعدل وحكمة، تُمنح خصومها الذريعة الكاملة للتدخل في شؤونها، حتى لو كان هذا التدخل مخالفًا للقانون الدولي. فالاستبداد الداخلي لا يدمّر المجتمع فحسب، بل يفتح الأبواب مشرعة أمام الخارج.

لماذا تمت العملية بهذه السرعة؟

السرعة اللافتة في تنفيذ العملية تكشف هشاشة الدولة حين تُختزل في شخص الحاكم، وحين تُدار مؤسساتها بعلاقات الولاء لا بالقانون. فعندما تتآكل الشرعية، وتضعف الثقة بين الحاكم وشعبه، وتُفرغ المؤسسات من استقلاليتها، يصبح تغييب رأس السلطة كافيًا لإرباك النظام بأكمله، مهما بدا متماسكًا ظاهريًا.

كما أن الانقسام الداخلي، وغياب الإجماع الوطني، جعلا الدولة أقل قدرة على المقاومة السياسية أو الشعبية، وهو ما يثبت أن الأمن الحقيقي لا يُبنى بكثرة الأجهزة، بل برضا الناس وشعورهم بالانتماء. فالدولة التي تخاف من شعبها، لا يمكن أن تحتمي به عند الشدائد.

إلى أين تتجه فنزويلا؟
المشهد مفتوح على احتمالات متعددة، تبدأ بمحاولات فرض إدارة انتقالية تحت إشراف خارجي، ولا تنتهي عند احتمالات الفوضى أو الصراع الداخلي. كما أن للحدث تداعيات دولية تتجاوز فنزويلا، إذ يعيد طرح سؤال السيادة وحدود التدخل، ويؤكد أن ميزان القوة ما زال يتقدم على ميزان القانون في النظام الدولي.

إن ما جرى في فنزويلا يقدّم درسًا قاسيًا مفاده أن الخطر الأكبر على الدول لا يأتي دائمًا من الخارج، بل من الداخل حين تُهدر العدالة، ويُقمع الرأي، وتُغلق أبواب المشاركة السياسية. فالحاكم الذي يفقد شرعيته الشعبية يصبح عبئًا على دولته، لا ضمانة لاستقرارها، ويغدو سقوطه مسألة توقيت لا أكثر.

كما يؤكد الحدث أن الارتهان للقوى الكبرى لا يصنع أمانًا، وأن الحليف الخارجي لا يرى في الأنظمة سوى أدوات مؤقتة تُستخدم ما دامت تخدم المصالح. وحين تنتفي الفائدة، يُرفع الغطاء، ويُترك النظام لمصيره، أو يُقدَّم سقوطه بوصفه إنجازًا أخلاقيًا.

ويثبت الواقع مرة أخرى أن الدول التي تُبنى على الأشخاص لا على المؤسسات، وعلى الخوف لا على العقد الاجتماعي، تكون أكثر عرضة للانهيار السريع. فالعدل ليس قيمة أخلاقية فحسب، بل ضرورة استراتيجية لبقاء الدول، والسيادة لا تُحمى بالشعارات، بل بثقة الشعب، وقوة المؤسسات، وعدالة الحكم.

ما حدث في فنزويلا ليس مجرد تغيير في السلطة، بل نموذج صارخ لما يمكن أن تؤول إليه الدول حين تجتمع الهشاشه الداخلية مع شهية القوة الخارجية. وهو تذكير بأن التاريخ، وإن تغيّرت أدواته، يكرر دروسه ذاتها



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد