عسكرة الذكاء الاصطناعي

عسكرة الذكاء الاصطناعي

21-01-2026 10:03 AM

لا يمكن أن نقف موقف المتفرج أو الخائف أمام ظاهرة حادة وخطيرة وعظيمة أيضاً اجتاحت العالم في كل القطاعات، من الصناعية إلى الثقافية إلى العسكرية. صحيح أن كل ما لا نفهمه نخاف منه في البدايات ريثما يستقر، بينما الأصح هو أن نقترب منه لفهمه وتحديد الإمكانات المتاحة للاستفادة منه. نحن في نهاية المطاف في مرتبة المستهلك وليس المنتج، ربما احتاج العالم العربي إلى سنوات كثيرة لكي ينتقل إلى مرتبة المنتج. هناك تجارب عربية، بالخصوص في دول الخليج، واستثمارات ضخمة في مجال الذكاء الاصطناعي.
إن الذكاء الاصطناعي في نهاية المطاف، سواء قبلنا به أم رفضناه، تطور طبيعي للمهارات العلمية التي مارسها البشر بحثاً عن الأجدى والأفضل والأكثر فاعلية. مثله مثل الإنترنيت، كان فتحاً علمياً كبيراً وضعنا أمام سؤال ثقيل: إلى أين؟ سؤال يتردد في كل المحافل الدولية. صحيح أنه يُسيّر بالمخزون الذي نضعه تحت تصرفه، فنحن من يصنع ذاكرته العلمية والثقافية وهو يقوم بنسج هذه المعلومات وتنظيمها بدقة متناهية. حتى في المجال الموسيقي، اليوم يكفي أن تضع أمامه الكلمات التي تشاء وتطلب منه إيجاد لحن أو ميلوديا وحتى أداءها، يأتيك بأشياء تثير الغرابة.

استمعت مؤخراً إلى أغنية «الشمعة» بوسائل الجاز والبلوز، فكان الناتج مذهلاً يتخطى الأصل بكثير. في المجال الطبي، نجد نفس الوضعيات المدهشة، إذ يمكن أن يجري فيها الذكاء الاصطناعي أو الروبوت المزود بالشبكة المعقدة للذكاء الاصطناعي، العمليات الأكثر دقة وصعوبة، بعد أن يكون قد حدد مسبقاً أماكن العطب حيث لا خطأ. يقول أحد الأطباء من الذين يشتغلون في مجالات تطبيقاته في المجال الطبي: «سيأتي زمن لن نحتاج فيه إلى الطبيب المختص. الذكاء الاصطناعي يعين الضرر ويقترح الحلول الطبية». هذا يبين مشروعية السؤال: إلى أين؟ لأن الذكاء الاصطناعي مس قطاعات واسعة تطرح فيها المسألة الأخلاقية بمعناها الواسع، بحدة. يكفي أن نرى ما حدث في لبنان مع التليفونات الملغومة لتنتابنا كل الاحتمالات التي لا يحكمها أي وازع أخلاقي. تليفونات «البيجر» (أجهزة النداء) التي انفجرت في وجوه وجيوب أصحابها متسببة في كارثة إنسانية. بطبيعة الحال الفاعل الإجرامي، إسرائيل، فوق الأخلاق وفوق عقدة الذنب.

في 17 سبتمبر 2024، في حدود الساعة 15:30 بتوقيت شرق أوروبا، تم الإبلاغ عن كارثة إنسانية: إصابة الآلاف من اللبنانيين الذي يستعملون البيجر. المقصود بالتفجيرات المنتمون إلى حزب الله، ولا يهم أيضاً إذا كان الآلاف ممن يحملون هذه التليفونات وهم في بيوتهم مع عائلاهم وأبنائهم.

 وقد مس الانفجار أماكن كثيرة في لبنان بشكل غير متوقع، حيث كانت الأجهزة تُستخدم لأغراض الاتصال عندما حدثت الانفجارات، ما تسبب في إصابات كبيرة في أوساط الشعب اللبناني في الضاحية الجنوبية في بيروت، وفي البقاع، حيث حدثت الانفجارات في بلدات، منها علي النهري ورياق. لنا أن نتوقع الأعمال السرية مع الشركات المتواطئة مع الشاباك، والجهد الذكائي المبذول لهذا الفعل ولغيره أيضاً، تصيد الشخصيات الفلسطينية واللبنانية المقاومة والمناهضة للمؤسسة العسكرية الصهيونية. والذكاء الاصطناعي مرشح لتطورات متواترة في ظل الصراع العالمي بين القوى الكبرى بالخصوص أمريكا والصين وروسيا، وبدرجة أقل الهند، لكن وجودها في التحالف البريكسي يجعلها أقرب من هذه التحولات الدولية. ومن جهة ثانية، الولايات المتحدة وإسرائيل.

لأن أمريكا لم تعد تثق في أوروبا [فكرة كسر منظمة الأمم المتحدة بدل توسيعها نحو تمثيل أكثر عدلاً، ينادي ترامب من خلال فكرة ما تزال جنينية، تكوين مجلس يرضى هو عليه] فالعسكرة الجديدة والحروب المدمرة التي ترتسم في الافق تبين أن العالم مقدم على مراحل يكون فيها الذكاء الاصطناعي سيد الأشياء. في بؤر التوتر -أوكرانيا، تايوان، غرينلاند، والممرات البحرية الاستراتيجية- ستنشأ الصراعات الكبرى التي سيكون فيها الذكاء الاصطناعي هو الحاسم.. وكل الحروب تتحكم فيها عقول اصطناعية ذكية أكثر قدرة آلاف المرات من الإنسان. تأمر وتحدد الأفضل والأكثر أذى، بسيطرة أمريكية صينية كاملة. عالم تسيره وتراقبه les GAFAM et les BHATX إضافة إلى البرنامج الأوروبي المشترك(IPCEI – PIIEC) الذي لا يرقى إلى ما تبدعه الصين وأمريكا على وجه الخصوص. العالم ليس بخير، والذكاء الاصطناعي لن يكون بخير؛ لأنه سيكون محكوماً بالمصالح الضيقة وليس مصلحة الإنسان.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد