خيالات واستيهامات

خيالات واستيهامات

21-01-2026 10:04 AM

هل يمكننا تلخيص تاريخ الفلسفة في موضوع البحث عن المعرفة ومصادرها؟ إنه يمثل قلق السؤال الإنساني الدائم. كم مرة استوقفتني تساؤلات سيدنا إبراهيم عن الإله الآفل؟ وأثارني الحديث النبوي: «كل امرئ يولد على الفطرة» الذي يجعلني أستخلص أنه أعمق وأوجز من كل النظريات. هكذا رأيتني وأنا أستمع إلى قولة، بَّا الجيلالي، ونحن أطفال صغار نلهو ونتطارد غير عابئين بالأمطار المتهاطلة التي بللت ملابسنا الخفيفة، وغير مهتمين بالأوحال التي تغمر أرجلنا الصغيرة الحافية: «وأنتم، ادخلوا إلى براريكم، وإلا فالربيع (العشب) سينبت على رؤوسكم». صعقتني دعوته. توقفت مندهشا، وحاولت تلمس شعري لمعاينة ما إذا كانت رؤوس النبات تتهيأ للظهور على رأسي، وتخيلت نبتة خرجت عن الطور وتدلت على أذني فأزحتها كما تفعل البنات حين يحركن خصلات شعورهن. جريت نحو البيت، ولصدى كلماته رنين لا أدري كيف ملأ مشاعري. تصورت خلف الأمطار المتزايدة شيخا كبيرا بلحية بيضاء طويلة مسترسلة، يمسك برأس صنبور هائل له رشاش كبير يحركه متنقلا من مكان إلى آخر، وهو يزيد وينقص، وعندما يحس بأن المياه غمرت كل الفضاءات، يوقفه فجأة، ويختفي تاركا للشمس حرية تدفئتنا. كنت أرى كل الناس يفرحون للمطر، وكنا في الجامع عندما تبدأ الرشات الأولى للمطر، وتتلوها دفعات كثيرة من القطرات المتلاحقة حتى يغدو صوت إيقاعها على سقف الجامع القصديري صارخا، يأمرنا الفقيه بالتوقف عن الحفظ، ويطلب منا متى اشتدت الأمطار، وترافقت بالرعد والبرق، ترديد الدعاء: يا لطيف، يا لطيف… فترتفع به أصواتنا، ونحن نتأمل وقعها وإيقاعاتها المتواترة، وبعض خيوطها تتدلى من ثغرات السقف، أو من حوافه وقد تركت خطا يمتلئ بحفيرات صغيرة.

كنا نفرح للمطر، ويسرنا اللعب فيه، لم نكن نخشى البلل، أو الوحل. ولكننا أيضا كنا نخشى آثاره على بُركنا، التي كان يتسرب إليها، وأزقتنا الضيقة التي تفرض علينا السير محاذرين الوقوع في بركها. لم أشتر في كل حياتي سوى مظلتين، وإلى الآن عندما تبدأ الأمطار في الهطول، أخرج من البيت رافضا بقوة وبصرامة أيضا كل من يصر بإلحاح على إعطائي مظلة أتقي بها ما ينزل من السماء. وكان من النصوص الأولى التي كتبتها وأنا دون البلوغ إنشاء سميته «الرحمة المخيفة»، وفي الثمانينيات نشرت في «أنوال» نصَّ «الشتاءْ… خيط من السماءْ». أحب المطر بلا حدود، وأرى أنه النعمة التي لا يتجمَّل بها علينا أحد، أو يدعي أنه يحققها لنا لأننا رشحناه ليمثلنا.
أحببت ذلك الشيخ الكبير ذا اللحية الطويلة البيضاء، لأنه يمنحنا الماء الذي لم نكن ننعم به في مساكننا، لأننا بلا صنبور نفتحه وقتما نشاء، ونحرص أشد الحرص عليه حرصنا على ما هو ثمين مُشبِّهينَه بـ»الماء القليل». وكلما تطورت إدراكاتي للأشياء كانت تزداد أسئلتي حول كل ما يحيط بي، وأنا أحاول فهم كل شيء مما أسمع من حولي. كان اسم الله من الكلمات التي تتردد باطراد على مسامعي. سألت أبي مرة: «بَّا…أين يوجد الله؟». أجابني: «في قلوب المؤمنين». لم أفهم، وبقيت أفكر كيف يتوزع الله على قلوبهم؟ وبدأ اسم الله يحل في مخيلتي محل الشيخ الكبير الذي أحببت. لهذا يصلي أبي، وحين يقرأ بالجهر سورة الكوثر، التي لا تستقيم على لسانه، وأبين له أنه لا يقرؤها جيدا. يكون رده: «الله يعرف ما في قلبي، ولا يهمه لساني». من أين لهؤلاء العوام الأميين كل هذه البلاغة الإيمانية التي يعجز أي تحليل نفسي، أو علمي عن تفسيرها، وكل ما يقدمونه، ليس سوى تأويل بسيط يرجعونه إلى الخوف أو التعويض؟ وما أروع جواب تلك العجوز التي لا تعرف العربية حين سئلت عما تقول في صلواتها: «ميمونة تعرف ربي، وربي يعرف ميمونة»، ولا تزيد عليها.

باتت كلمة الله وسؤالي عنه تملأ كياني، وفائض انشغالاتي. لغتنا مغمورة به في القسَم: «والله… حتى»، نوظفه في الصدق والكذب، وننطق به في أشد اللحظات في حالي «الدعاء لـ»في الرضى: «الله يرحم والديك»، وفي «الدعاء على» من نخشى: «الله يلعن…». وكل كلامنا دعاء وحلف، وسؤال. وكان بعض ما أسمعه من والدي يحيرني، ولا يمكنني إلا أن أسأل، وحين يقدم لي الجواب، لا أقبله ولا أرفضه. أحتفظ به في ذاكرتي منتظرا وقتا طويلا لاتخاذ القرار. سألتْ أمي أبي عن ابن فلان، أم أنه من رجل آخر؟ أجابها والدي: إنه ولده من صلبه. ولما سألتُه قال: من ظهره! تساءلت مع نفسي: هل الرجل يلد من ظهره، والمرأة من بطنها؟ ولم أزد، منتظرا أن أكبر لأفهم. وبعد توصلي إلى أن الله الذي حل محل الشيخ الذي أحببت، أدركت أنه خالق كل شيء، وغيره كذاب.
ستجد بعض هذه الأسئلة، الأجوبة عنها في حلاقي اشطيبة مع الفقهاء، ورواة السير الشعبية ما يلهب خيالاتي، ويولد استيهاماتي، التي كنت أغالب بها عالمي المفتون بالتطلع لمعرفة الأشياء، والعجز عن تحقيق أمنياتي البسيطة. ظل الله في خلفية رؤيتي للأشياء، وصار أبطال السيرة الشعبية نماذجي، وخاصة عمر العيار. كنت أرى فيه نفسي. وأستهيم منه سرعتَه في الجري. كان عقباه يلامسان شحمة أذنيه، وكانت طاقية الإخفاء أداته لقضاء مآربه. وصارت أحلام اليقظة المشبعة بالخيال الشعبي بديلا عن واقعي، وأصبحت القراءة العالمَ الذي أنسج منه خيالاتي، ومن الكتاب أستمد بطولاتي الوهمية، وأؤسس شخصيتي، وأحاول إيجاد الجواب عن تساؤلاتي.
بين الفطرة والاكتساب مسافة ضوئية نقضي حياتنا متنكبين منعرجاتها، ولا يمكن تقريبها إلا بالتعرف على السر في كل منهما لخلق الهوية الشخصية، والمعرفية، وطوبى لمن لم يتأخر في الاهتداء إلى الطريق.

كاتب مغربي



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد