ذكرى وصور في تونس
ماذا لو تحول العالم إلى مستطيل أخضر افتراضي؟ ماذا لو كان كذلك في الأساس، على مواقع التواصل الاجتماعي على الأقل، دون أن ننتبه؟ لنرى الأشياء من منظار آخر، طرفان لكل قضية تثار هنا وهناك، تحكيم شعبي وشعبوي، على أي منها، مع بضع قواعد موروثة توظف فقط عند الحاجة -ووفقها- تتطور أخلاقيات النقاش العام فيها، لا تخضع للعبة السياسة التقليدية، بل لحسابات الاستهلاك، وأرقام الأعمال، تغطي الآراء على المعلومات، بل تصبح هي المعلومات، تفرخ آراء أخرى، لا بقوة الحجج، بل بالقدرة على الذيوع والتأثير على جحافل المتفاعلين الذين تحكمهم العواطف لا المنطق.
ذكرى وصور
قد يكون التونسيون من بين شعوب المنطقة، التي ما زال النقاش السياسي أكثر حضورا في الفضاء العام، له قواعد تحكمه، وما زال يدار بطرق تقليدية إلى حد ما، لذلك قد تفلت التريندات التونسية من فئة التقليعات الغريبة، وإن حدث وبرزت كذلك فسرعان ما ستدخل أطر التحليل الموضوعي، لوجود وعاء قابل لاستيعاب التحولات العميقة نسبيا، مقارنة بدول كثيرة في المنطقة العربية عامة وشمال افريقيا خاصة. في المقابل، لا يمكن لمتابع جديد الفنان التونسي «كادوريم» إلا أن يتفاجأ وهو يشاهد عدد مشاهدات تكسر حاجز الأربعة عشرة مليون مشاهدة، في خمسة أيام فقط.
وجديد الرجل لا فيديو كليب، ولا أغنية راب، بل فيلم يقارب الساعتين، لا هو بالوثائقي، ولا بالإشهار التقليدي، مسخ بينهما، شيء يستلهم تجربة الرجل البرتقالي، في التواصل غير التقليدي، يحاول أن يثبت في الطرق كلها أنه رجل المرحلة، الفنان المرهف، ابن الطبقات المسحوقة، المقاول الفذ، وصهر «الزين» السابق.
الفيلم – الذي حمل عنوان «أنا كادوريم» – لعب على أكثر من رمزية، طموحات الرجل السياسية، التي نسفتها أحكام قضائية سابقة داخل تونس، لم تثن الرابر، بل بالعكس، حاول فريق الاتصال الخاص به إثبات قدرته على تدوير الورق، وإن بغير أفق. صدور الفيلم يوم الرابع عشر من الشهر الجاري، تاريخ ثورة الياسمين، وذكرى فرار «بن علي» في المناسبة، طرح أكثر من سؤال، خاصة وأن الفيلم خصص جزءا كبيرا لتاريخ رجل تونس الأول سابقا، منذ انقلابه على بورقيبة وحتى فراره، وقد يكون جزء الفيلم الأهم بالنسبة للمنشغلين في الشأن التونسي، وتاريخ البلاد السياسي. لكن محاولة إقامة تواز بين الرئيس السابق وطليق ابنته ذي الطموحات الكبيرة، بدا غريبا، خصوصا في المساحة التي توزعت بين الشخصيتين داخل الفيلم، ما يدفع للتساؤل حول فرضية قناعة الفنان كونه وريث صهره الشرعي، القادر على إعادة الاستقرار، على طريقة زين العابدين بن علي، مستلهما تجارب دول أخرى عصفت بها ريح الربيع العربي، تتعالى أصوات مراهنة على أبناء الجلادين، الذين ثار ضدهم الشارع في استعادة البوصلة.
بعيدا عن الترويج الساذج، لمشروع الفنان المرهف والسياسي الفذ، تفاعل التونسيين جاء قويا مع ظهور ابنة رئيسهم السابق وزوجة «كريم الغربي» (اسم كادوريم الحقيقي)، التي قصت معاناتها كابنة رئيس، قربها من أبناء شعبها، تحذيراتها لوالدها، ثم علاقتها بمن سيصبح زوجها ثم طليقها.
التعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي جاءت متنوعة. قارن البعض بين نسرين وكريمات مخلوعين آخرين: «انظروا الفرق مع ابنة صدام حسين، ابنة رئيس، وزوجة رجل مهم، أعدمه والدها»، «ابنة الزين فقط؟ أبوك سجن أبي ومنع والدتي من الولادة في المستشفى، ولدت بغير وثائق لأسباب سياسية» علقت إحداهن، «مهما جار علينا الزمن لا نحن لزمن أبيك»، «لا تدوم الدنيا لأحد»، «الفيلم ليس حول نسرين، بل حول كادوريم، الذي يريد أن يقنعنا بنظافة ثروته (وقد طالته تهم رسمية بتجارة المخدرات)، أقنعنا صراحة»، «نحن أكثر شعب ينسى بسرعة».
إفريقيا والفيفا!
إن محاولة تقديم قراءة في نسخة كأس افريقيا للأمم الأخيرة، هي مجازفة لأي محلل متخصص، أو كاتب مهتم، درجة الاستقطاب تجاوزت كل معهود، وشغف الرياضة، وامتزاجها بالسياسة تجاوز كل معروف، لا «أفيونية» الكرة قادرة لوحدها على تبرير ما حصل طيلة أسابيع، ولا حتى النهاية التي يستحيل على كبار منتجي السينما، ولا أعتى كتاب المسرح الإتيان بمثيلاتها. لن تكون المملكة المغربية آخر دولة تفر الكأس من بين يديها وعلى أرضها، ولكن أن يتسبب فوز فريق على نظيره القاري في تفاعل ما زال من الصعب حصر أبعاده حتى كتابة هذه الأسطر، لهو جديد في خطوط تماس مستطيل الـ»سوشيال ميديا» الأخضر، وخاصرة العالم الرخوة، هامشها الأسمر، حيث لا تحتاج الألسنة لأن تدور قبل أن تنطق، محكومة بطفولة (رعونة) أبدية، افريقية أصل العالم ومنتهاه.
مشاكل التحكيم الكروي ليست جديدة في القارة، إشاعات الفساد لها تاريخ طويل، لكن خفتها المفروضة تحت بندي التسامح واحترام القوانين أصبحت لا تحتمل، في الوقت الذي يتحول الرهان إلى قدرة القوة الناعمة في كسب معارك التأثير في غياب بدائل أكثر حضورا وتأثيرا، ما ينتج نماذج لا يمكن أن تثير غير الشفقة، ولا يمكن أن تحصد أفضل مما افتضت به نسخة الكأس الملعونة الأخيرة، حيث امتزجت عصارات سياسة هاضمة، بحسابات كروية علمية وغير علمية، فرقت وجمعت وحدث أن فرقت أكثر مما جمعت.
في الجزائر، كما في مصر، خرجت الجماهير احتفالا لا بفوز السنغال، بقدر الاحتفاء بخسارة المنتخب المغربي، وفي الوقت الذي عرف فيه نقل الاحتفالات على وسائل الإعلام الرسمية الجزائرية استهجانا لدى الكثير من النخب العربية عبرت عنه صراحة على مواقع التواصل الاجتماعي، لم تهتم النخب الجزائرية للأمر، وبدا الأمر محسوما بل ومقبولا -على الأقل ذلك ما أمكن استشفافه من ردود الفعل الافتراضية- رد فعل طبيعي على حالة الاحتقان التي تسببت فيها الممارسات الرسمية في البلد المجاور غربا، بلغة يبدو أن الجزائريين يقرأون شيفراتها أكثر من غيرهم، والحرب الصامتة المستمرة منذ سنوات بين البلدين، وقودها المنصات الرقمية.
الشوارع التي لم تهتز للتأهل للمونديال، ولا لسلسلة مباريات كان الابداع سيدها خلال أشواط البطولة الأولى، انقلب حالها وتحول ليلها إلى نهار في سابقة تاريخية، أما وسائط التواصل فموجة التحفيل لا تزال في بدايتها، هي التي أقرت صفحاتها الكبرى أيام عزاء تضامنا مع الأشقاء، من باب السخرية! مصر التي عوم فيها الفرح، كما عوم الجنيه على رأي متفاعلي وسائط التواصل، تماما كما الجزائر لم تهتم الجماهير بالتأهل لكأس الكؤوس، اهتزت الشوارع على نغمة «معلش»، تشفيا في البلد المنظم، الذي لم يحترم جمهوره قدسية النشيد الوطني المصري، ولا الجماهير التي لم تتضامن مع الإخوة والأشقاء، أبطال القارة سبع مرات كاملة.
ما حدث في الجزائر ومصر، تكرر في درجات أقل في عدة فضاءات رقمية إفريقية، التبريرات كثيرة، رغبة البلد المستضيف، حسب المتفاعلين في تحقيق انتصارات على حساب باقي القارة، شوفينية شمال افريقية على حساب السود، وغيرها تفسيرات كثيرة، تعيد طرح جدوى الرياضة في التقريب بين الأمم والثقافات!
٭ كاتبة من الجزائر
زيارة ملكية إلى إربد برؤية إنسانية
الأردن الأول عالمياً في استقرار الأسعار
الحكومة تبحث الاستعدادات لشهر رمضان
قفزة جنونية بأسعار الذهب محلياً اليوم
الاتصال الحكومي وجوائز إيلارا يبحثان آفاق التعاون
كشف تفاصيل قضيتين تتعلقان بعصابات إقليمية لتهريب المخدرات
الحكم بسجن رئيس الوزراء الكوري الجنوبي السابق
برنامج وطني يستهدف تشغيل 8 آلاف أردني