مجلس سلام القيصر ترامب – هل هو بديل للأمم المتحدة

مجلس سلام القيصر ترامب – هل هو بديل للأمم المتحدة

23-01-2026 12:26 AM

قد لا يختلف اثنان على أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مصاب بعقدة النرجسية والغرور المطلق والمتعة اللامتناهية في عرض القوة واستخدامها. من منظوره الثابت أن الولايات المتحدة هي أقوى دولة في العالم، عسكريا واقتصاديا وأمنيا وتكنولوجيا. وبما أنه رئيسها فهو يقف على رأس قمة هذه الدولة العظمى، وهذا يعني أنه أقوى رجل في العالم ومن حقه الاستمتاع بهذا الموقع. فأي قرار يأخذه لابد أن يكون عبقريا وخارقا ولا يجوز مناقشته أو الاعتراض عليه. لقد أحاط نفسه بمجموعة من المتزلفين المنافقين، الذين يمجدون عبقريته وقوته وحزمه، ومن يختلف معه أو لا يطري عليه كثيرا فمصيره الطرد.
ومما زاد غروره وثقته في صوابية مواقفه، مغامرته في فنزويلا واختطاف رئيس البلاد دون مقاومة، أو مظاهرات عارمة، أو اعتراضات دولية جادة من دول كبرى، إلا من حفنة قليلة من بينها البرازيل والمكسيك وجنوب افريقيا والصين وروسيا وإيران. أما الحادثة الثانية التي تفتح فصولها الآن، لكنها لم تكتمل بعد، فهي نيته في الاستيلاء على جزيرة غرينلاند بالسياسة أو بالقوة.
كتب ترامب لرئيس وزراء النرويج: «نظرا لأن بلدكم قرر عدم منحي جائزة نوبل للسلام، رغم أنني أوقفت ثماني حروب وأكثر، فلم أعد أشعر بأنني ملزم بالتفكير في السلام وحده.. يمكنني الآن أن أفكر فيما هو جيد للولايات المتحدة». وقال إن الدنمارك لا تستطيع حماية تلك الأرض من روسيا أو الصين، «وعلى أي أساس تملك أصلا حق الملكية؟».
غريب أمره، يكرر الكذبة ويبدو أنه يصدقها. فالعالم يعرف أنه لم يوقف ثماني حروب. حتى حرب الإبادة على غزة لم تتوقف يوما، بل انتقلت بطريقة شرسة إلى الضفة الغربية. ومع هذا ما فتئ يكررها. من هذه الزوايا نحاول أن نفهم إطلاقه لفكرة إنشاء «مجلس السلام» والذي سيتربع على رأسه. من أغرب ما يمكن أن يصدر عن زعيم دولة تشكيل مجلس يسمى «مجلس سلام»، ولا نعرف هل له علاقة بالسلام أم بالحرب. ومراجعة هادئة لميثاق مجلس السلام، يتبين أن الرئيس ترامب يعمل على إنشاء منظمة دولية جديدة، تتجاوز ما يعتقده الناس العاديون بأن هذا المجلس يتعلق بالوضع في غزة. يبدو أنه قرر أن يوسع الفكرة، ويشكل مجلسا عالميا من مهماته، حل النزاعات الدولية والوساطة والتدخل وفرض السلام، أو إعلان الحرب، فميثاق مجلس السلام هذا لا يتطرق لغزة، ولا لفلسطين لا من قريب ولا من بعيد، ولا لوقف إطلاق النار ولا لمراحل الحل التي وردت في وثيقة ترامب الأولى المكونة من عشرين بندا، التي اعتمدها مجلس الأمن الدولي في قراره رقم 2803 يوم 17 نوفمبر 2025.
يبدو أن الفكرة كبرت في رأسه ورأى نفسه أكبر من أن ينشئ مجلس سلام لغزة فقط، بل للعالم بأسره، إنها آلية دولية معنية بالسلام والاستقرار الدوليين. يذكر في ديباجة الميثاق ما نصه: «إن مجلس السلام منظمة دولية تهدف إلى تعزيز الاستقرار، وإعادة إقامة حوكمة موثوقة وشرعية، وضمان سلام دائم في المناطق المتأثرة بالنزاعات، أو المهددة بها». ثم يعود ويؤكد: «الحاجة إلى منظمة سلام دولية أكثر مرونة وفعالية». ثم يقول: إنه ينوي «تشكيل تحالف من الدول الراغبة الملتزمة بالتعاون العملي والعمل الفعّال، وبحكمةٍ وعدلٍ»، ثم يشير صراحة للمؤسسات التي فشلت مرارا ويدعو إلى الشجاعة من أجل الانفصال عنها. ولا تفسير لتلك المؤسسات والمطلوب إنشاء بدائل عنها إلا الأمم المتحدة والمنظومة الدولية. إذن الهدف بيّن ولا لبس فيه. إنه ينشئ منظمة جديدة موازية لمنظمة الأمم المتحدة، على أمل أن يطيح بها ويستفرد بالمشهد العالمي، من خلال منظمته الجديدة المرنة والأكثر فاعلية، لكن هذه منظمة النخبة.. نادي الرؤساء الأغنياء فقط، العضوية ليست مفتوحة للجميع، بل مقتصرة على الدول التي يدعوها الرئيس للمشاركة فقط، التي تقبل أن تعمل تحت إمرته وقيادته لأنه الحكيم العادل والفاعل. أليس هذا الهدف يفسر لنا انسحابه من أكثر من 60 منظمة دولية تابعة، أو غير تابعة للأمم المتحدة. ولنتذكر أنه انسحب من اتفاقية باريس للمناخ ومنظمة الصحة العالمية واليونسكو ومجلس حقوق الإنسان ويعمل على تدمير وكالة إغاثة وتشغيل لاجئي فلسطين (الأونروا) ولم يسدد رسوم عضوية الولايات المتحدة للأمم المتحدة، ولا لعمليات حفظ السلام لعام 2025. وطبعا بلاده ليست عضوا في المحكمة الجنائية الدولية، التي يعمل على تدميرها بعد أن فرض عقوبات شديدة على قضاتها ومسؤوليها.
وبعد أن يضع أمامنا هيكلية هذه المنظمة الجديدة، ينصب ترامب نفسه قائدا مطلقا وحيدا لها، وممثلا حصريا للولايات المتحدة. صلاحياته غير محدودة. هو الذي يدعو قادة آخرين للانضمام للمجلس، وهو الذي يرفض قادة غيرهم، ويمكنه أن يطرد أي عضو من المجلس. وحده من يملك حق النقض (الفيتو). وكل عضو في المجلس إما أن يكون رئيس دولة أو رئيس حكومة. رسوم العضوية مليار دولار كحد أدنى لعضوية تستمر ثلاث سنوات. أما كبار الأثرياء الذين يدفعون أكثر من مليار فعضويتهم تستمر بعد السنوات الثلاث. والمليارات تدفع نقدا لحساب يتولى ترامب أمره دون مساءلة. رئيس مجلس السلام، أي ترامب، وحده من يملك صلاحيات واسعة جدا، إذ سيكون المخوّل لدعوة قادة آخرين للانضمام إليه، ويمكنه إلغاء مشاركتهم، وحده يحاسب. يطرد. يضم. هذا مجلسه الخاص لإدارة العالم بوجود بعض الشهود الذين لا حول لهم ولا قوة. من غرائب الأمور أن مجلس السلام هذا يستخدم لغة رسمية واحدة فقط هي الإنكليزية. ولا نعرف كيف سيتدبر ترامب مسألة القادة الذين لا يتقنون الإنكليزية مثل الرئيس التركي والرئيس الروسي والرئيس المصري. ألا يعتبر ذلك إهانة للأعضاء الذين يعتزون بلغاتهم ويفصحون عن مكنون شواغلهم بلغاتهم الأم بطريقة أفضل؟ أما دور المجلس في حل النزاعات فيقوم بالوساطة أولا بين أعضاء المجلس نفسه ثم الكيانات الأخرى من خلال التعاون الودي «ولهذا الغرض، يُعد الرئيس السلطة النهائية فيما يتعلق بمعنى هذا الميثاق وتفسيره وتطبيقه».
من يقرأ بنود ميثاق مجلس ترامب للسلام لا يعثر على ما يشير إلى غزة. كنا نعتقد واهمين أن مشروع ترامب للسلام ووقف إطلاق النار واجتماع شرم الشيخ الذي حضره 30 رئيس دولة أو حكومة، ثم قرار مجلس الأمن الدولي 2803 الذي تضمن خطة ترامب للسلام في غزة هو ما يشغل بال ترامب، ليسجل له بأنه صانع السلام في الشرق الأوسط والعالم، وأنه تمكن من حل أعقد نزاع في التاريخ الحديث، وبناء عليه يستحق جائزة نوبل للسلام. لكن عندما قرأنا وسمعنا ما قصده في مجلس السلام، وعندما أعاد إلى الواجهة ثلاثة من كبار المتعصبين ضد العرب والفلسطينيين، الذين لا يثيرون لدى المواطنين العرب، خاصة في فلسطين والعراق إلا كل غثاء وقهر وحنق (بلير وملادينوف وكوشنير) أدركنا أن النوايا غير سليمة لا بالنسبة لغزة ولا للعالمين العربي والإسلامي. الغريب أن الأنظمة العربية لا تملك من أمرها إلا الإذعان لتعليمات ترامب وأولهم سلطة عباس التي رحبت بتشكيل مجلس السلام ظنا منهم أنه سيحملهم على بساط من حرير لإدارة غزة والإشراف على عمليات الإعمار. فإذا لم تعلمهم تجارب 32 سنة من عمر اتفاقيات أوسلو، فهل سيتعلمون من رجل أقرب إلى الهوس النرجسي منه إلى الحكم الرشيد؟

كاتب من فلسطين



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

طلب منها عدم إخبار أحد .. الحبس لصاحب محل تحرش بطفلة عمرها 12 عاما في عمان

الحبس 6 أشهر لسيدة احتالت على أخرى بإبرة تجميل من إسرائيل

هدى العتوم تنتقد السماح باحتفالات الهالوين والتضييق على احتجاجات غزة

87 مليون يورو من صندوق المناخ الأخضر لدعم مشاريع في الأردن

شركات استبدلت موظفيها بالذكاء الاصطناعي ثم تعود لتوظيفهم .. ما القصة؟

القضاء العراقي يسترد 21 مليارا عن جريمة احتيال مالي

السيسي يصدر 3 توجيهات تهم ملايين المصريين

زين تعزز منظومة حماية الأسرة والطفل بالتعاون مع مؤسسة نهر الأردن

ما حقيقة فرض غرامة 225 ألف دينار على مزارع بسبب مياه الأمطار؟

وزير الثقافة يعلن بلدة "حمود" مدينة للثقافة الأردنية لعام 2027

الذهب والنفط وفلس الريف .. "الطاقة" تستعرض تقدم مشاريعها الاستراتيجية

الصادرات الأردنية للاتحاد الأوروبي ترتفع إلى 411 مليون دينار

5 شهداء ومصابون في قصف الاحتلال مواصي خانيونس بغزة

مجمع الملك الحسين للأعمال يوقع مذكرة تفاهم مع اتحاد الرياضات الإلكترونية

انطلاق المؤتمر الفني الدولي الـ38 للاتحاد العربي للأسمدة بعمان الثلاثاء

مصدر طبي يكشف لـ"السوسنة" الحالة الصحية لمنفذي هجوم الكرك

"أعطل من نتنياهو" .. عبارة تقود طبيبا اردنيا إلى السجن 6 أشهر

الضمان الاجتماعي يعلن تسهيلات جديدة للأردنيين .. تفاصيل

السجن بحق 7 من قادة الإخوان بالأردن .. أسماء

إنهاء خدمات موظفين حكوميين .. أسماء

بعد اشتعال مواقع التواصل بالخبر .. حقيقة القبض على منفذي هجوم الكرك

بالفيديو .. لحظة مداهمة منفذي هجوم الكرك والقبض عليهم

ثأراً لشهداء الكرك .. الأردن ينفذ عملية جوية في سوريا .. التفاصيل

وفاة طفل تهز مركز أشعة في عمان .. وإغلاقه بالشمع الأحمر

الأردن يقبض على عشرات المتورطين .. التفاصيل

إرادة ملكية بتعيين الأمير هاشم بن الحسين مستشارا للملك

تعديلات قانون التنفيذ: ضوابط جديدة لمنع سفر المدين وآليات حديثة لسداد الديون

الأمن العام يكشف كيف اتخذ منفذو جريمة الكرك قرارهم

ما قصة أسماء محافظات الأردن؟ حكايات تختبئ خلف أسماء 12 محافظة

أردنيون أمام مهلة شهرين لتسديد التزامات مالية .. أسماء