موقفي الذي لا أحترمه

موقفي الذي لا أحترمه

23-01-2026 12:29 AM

كان الحلم دائماً رؤية كل نظام ثيولوجي شمولي حاكم يسقط بلا رجعة لصالح نظام ديموقراطي متحرر يحترم الإنسان وحرياته الشخصية والسياسية. ذات زمن، كانت هذه هي الأمنية، واضحة ومباشرة وبلا تعقيد. اليوم، كشف الزمن المحشو بأفعال الجنس البشري عن وجه آخر، وجه غائم الملامح، معقد التفاصيل. ذهبت أيام الأمنيات الواضحة المباشرة بلا رجعة، ولم يبق لنا سوى أنصاف الأمنيات وأنصاف الحلول.
كنت وما أزال أرى النظام الإيراني الثيولوجي نظاماً متطرفاً قمعياً يستوجب المناهضة والإزالة، يستوجبهما على يد شعبه، بجهودهم ورغبتهم واختيارهم هم لا غيرهم، دون تدخل خارجي أو معادلات دولية مصلحية، لكن التدخل الإيراني في سوريا فتح باب التدخل الخارجي لإزالة هذا النظام كذلك، فهذا التدخل الذي لوث وجه النظام الإيراني وصبغ أيادي رموزه بالدماء، وعلى الرغم من بعض تبريراته الممكنة من حيث التخوف الإيراني من التطرف الانقلابي الذي كان يختمر في سوريا، هو تدخل غيّر المعادلة الشرق أوسطية بتمكين ديكتاتورية الأسد، ما أدخل المنطقة بأكملها في صراع سياسي طائفي أعمق من كل ما سبقه، غير أن الرؤية اليوم ليست بهذا الوضوح النسبي؛ فقد تداخلت أسلاك قوى الشر حتى ما عاد يظهر أي سلك منها يوصل للنور وأيها سيفجر المحيط كله في وجوهنا. ومن هنا يدور السؤال الحساس والاستشكالي الكبير هذه الأيام: هل من مصلحة المنطقة وقضاياها سقوط النظام الإيراني، وخصوصاً أن ذلك سيتم من خلال التدخل الأمريكي وبنتيجة وضع حليف لها على رأسه؟
بعد إنهاك وقطع مداد الأسلحة عن حزب الله وحماس بعد إسقاط نظام الأسد، وبالنظر إلى الحرب الصهيونية القذرة المستمرة على غزة ولبنان واليمن، بل وعلى بعض المناطق السورية، لم يبق من مواجهة فاعلة وحقيقية ضد إسرائيل سوى المواجهة الإيرانية، لربما تقف وحيدة اليوم في وجه إقامة دولة إسرائيل الكبري والسقوط التام للفلسطينيين ووطنهم المستحق. هذه هي الحقيقة التي نحتاج لأن نواجهها فيما نحن ندفع بالرأي العام في هذا الاتجاه أو ذاك. سقوط النظام الإيراني اليوم يعني سقوط آخر أذرع المقاومة ضد التحالف الأمريكي الصهيوني، يعني ضياع حلم تحرير فلسطين، لربما -ويا رب، أكون مخطئة تماماً- إلى الأبد.
بلا شك، ستبرز الأصول العرقية والتصنيف الطائفي كمسببات خلف كل من يطرح مثل هذه الرؤية، فالأصول الإيرانية والمذهبية الشيعية ستكون دائماً وأبداً خلف كل رأي يطرحه أمثالي، حيث نتجمع كلنا ممن لهم هذه الأصول والانتماء المذهبي في اجتماع سنوي في مخبأ سري تحت الأرض، طبعاً في إيران، لنتفق على الرأي والتبرير، ولنجدد العهد بتورية النوايا والأهداف. ولكن إذا تركنا نظرية المؤامرة العظيمة هذه جانباً، هل هناك من يرى، من غير المتصهينين وعشاق أمريكا الترامبية، أي مصلحة سياسية للمنطقة في سقوط النظام الإيراني في هذا التوقيت وتحت الخطة الواضحة لإعادة أكبر عميل أمريكي ليترأسه؟
تنتشر هذه الأيام أقوال لرضا بهلوي، المدفوع من النظام الأمريكي ليحل محل النظام الإيراني الحالي، بأنه بعد سقوط النظام الإيراني سيقوم هو فورياً بالاعتراف بإسرائيل وتوسيع دائرة اتفاقيات أبراهام وإنهاء البرنامج النووي الإيراني. لست على يقين تام من خروج هذه الكلمات من فم رضا بهلوي، ولكن هل هذ الكلمات بعيدة عن أهدافه؟ هل يصعب تصديق هذه الخطة القادمة؟
وكيف سيكون تأثير سقوط النظام الإيراني على قوى كبرى مؤثرة في المنطقة مثل القوى التركية؟ هل سيوفر الفراغ السياسي الإيراني مساحة لتركيا للعودة لأحلامها التوسعية والتي بلا شك ستجدد خلافات قديمة مع الدول المجاورة كنا نعتقد أن الزمن الحديث دفنها إلى الأبد؟ وهل ستكون هناك ردة فعل مخيفة من وتجاه المكون الشيعي العربي داخل الدول العربية ودول الخليج بالتحديد في زمن لا يزال العرب الشيعة والعرب من أصول إيرانية يشعرون إبانه بالتهميش والتهديد المستمرين؟
ذهبت أيام الأفكار الواضحة والمواقف الصلبة، على الأقل بالنسبة لي، وتداخلت الأحداث وتشابكت أسلاك الشر المشحونة بما يتطلب الكثير من المرونة للمرور من خلالها دون أن تصعقنا الكهرباء القاتلة بهذه الأسلاك. اليوم، يجب أن نؤجل الموقف الصحيح من أجل الموقف الأصح، اليوم تسود البراغماتية وتموت المبدئية المثالية والمواقف الثابتة، اليوم ولربما كل أيام البشرية هي كذلك، معجون بخيارات السيئ والأسوأ، وما نملك سوى محاولة الحد من الضرر قبولاً بأخفه، سوى اختيار السيئ لا الأسوأ، حتى لا تأخذنا مبادئنا المثالية إلى كارثة حقيقية.
ولكن، هل تشكيل رأي مثل هذا سيجور على الداخل الإيراني الذي يعاني تحت الحكم الإسلامي الشمولي؟ إلى حد كبير، وعلى عكس ما يروج الإعلام، يبدو المجتمع الإيراني ملتفاً حول قيادته، بكل تأكيد ليس إيماناً بها أو إعجاباً بأدائها الداخلي، ولكن على ما يبدو إيماناً بموقفها المبدئي من فلسطين وإعجاباً بسياساتها الخارجية غير المرتعبة من أو المذلولة بالتهديدات أو الحصارات أو العقوبات الأمريكية. لم تقف حكومة بشعبها في وجه أمريكا كما وقفت إيران بشعبها. ومن أجل ذلك، دفع الإيرانيون ثمناً باهظاً، فهل كانوا ليدفعونه لولا إيمانهم بموقف حكومتهم؟
الحقيقة أن التوقعات السياسية والقراءات التاريخية الإنسانية كلها تقول بأن السقوط قادم لا محالة للنظام الإيراني، فلم يسبق لنظام شمولي ديني قمعي أن استمر طويلاً في سدة الحكم على مدى التاريخ البشري، كما أن ظروف الداخل الإيراني صعبة وغير مستقرة لا اقتصادياً ولا اجتماعياً، ما يجعل هذا الداخل معرضاً بشكل كبير لتشكل فجوات كبرى قد تنتهي بالنظام للانكماش على نفسه والانهيار من الداخل. صحيح أن القبضة الدينية القمعية قد ارتخت إلى حد كبير في السنوات الأخيرة، لكن الأساس قاس وشمولي، ويسلم مقاليد القوى في يد شخص واحد، وهو ما يعني بالضرورة فساد هذا الشخص ونظامه. وعلى مدار تاريخ البشرية بأكمله، لم يستتب الأمر لقوى تفردت واستبدت وقمعت لزمن طويل. إذن النهاية قادمة، ولكن الشيطان يسكن تفاصيل هذه «المتى»، التوقيت كل شيء.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد