أحزاننا التي لا تحتاج متابعين

أحزاننا التي لا تحتاج متابعين

27-01-2026 12:24 AM

ماذا ستقول كائنات فضائية زارت الأرض قبل 100 عام ثم عادت اليوم للإنسان؟
ربما لن تبدأ بالأسئلة الكبيرة عن الحروب والكوارث واختفاء الغابات؛ ستتوقف منذهلة عند سؤال صغير: لماذا تمشون وأنتم تمسكون شيئاً يشبه المرآة، وتنزلون إليه وجوهكم كما لو أنكم نرجسيون تتطلعون بإعجاب إلى أشكالكم؟
قبل مئة عام، كان الإنسان يرسل صوته عبر الراديو ويبعث رسائله على مهل، ويتعلم أن الغياب ليس نهاية العالم. اليوم، صار الغياب إنذاراً، صار «عدم الرد» نوعاً من الازدراء. لو نظر الزائرون إلينا من بعيد لظنوا أننا اتفقنا سراً على طقسٍ جماعي: أن نطمئن قلوبنا كل بضع دقائق بإشارة ضوء صغيرة، ثم نعود إلى قلقنا من جديد.
هذا التحول لا يختصره شعار عن إدمان الهاتف. الإدمان كلمة سهلة ومريحة وتجبر الخاطر، تريحنا لأنها تضع المشكلة داخل الفرد. لكن ما يحدث أوسع من ذلك: نحن نعيد تشكيل معنى القرب، ومعنى الذات، ومعنى الصمت. من هنا تبدو طروحات المنظرة الاجتماعية شيري توركل مفيدة لأنها لا تتعامل مع التكنولوجيا كأداة محايدة، هي تنظر إليها كبيئة تعيد هندسة مشاعرنا. توركل تصف المفارقة التي نعيشها كأنها عنوان لحياة كاملة: أن نكون «وحدنا معاً». متصلون طوال الوقت، لكن اتصالنا مرتب بطريقة تجعل العزلة أكثر تهذيباً وأقل كآبة: «صرنا نتوقع من التكنولوجيا أكثر مما نتوقعه من بعضنا، ونكتفي من البشر بأقل مما كانوا يستحقونه. الفكرة ليست أن التكنولوجيا تسرق جوهر العلاقات، هي تغرينا بعلاقة أقل كلفة: حضور بلا التزام، وتواصل بلا ارتباك، واهتمام بلا مبالاة. الإنسان، حين ينهكه العالم، يميل بطبيعته إلى ما هو مريح. والآيفون يعرف كيف يقدم لنا تلك الراحة المزيفة.
من أذكى ما التقطته توركل هو مفهوم «الأشياء العلائقية»: أدوات تصمم كي توقظ فينا استجابة عاطفية، كي نعاملها كأنها تفهمنا، أو على الأقل كأنها تنصت إلينا دون أن تحرجنا. ليست القضية أن الجهاز كائن حي، ولكن أن علاقتنا به تعمل سيكولوجياً. وحين تتسلل العاطفة إلى الآيفون، تتلاشى الحدود الهشة: متى يكون التلفون مجرد تلفون؟ ومتى يصير جزء في يومنا، في مزاجنا، وفي إحساسنا بأننا مرئيين؟
بعد توركل، تصادفنا فيلسوفة ثانية هي دونا هاراواي، لتقترح ما هو أشد إزعاجاً: أن فكرة «الإنسان الخالص مقابل الآلة كانت دائماً أسطورة مريحة. هاراواي ترى الإنسان الحديث كائناً هجيناً هو في الواقع مزيج من آلة وكائن حي، يعيش في الواقع الاجتماعي كما يعيش في الخيال. هذا التهجين ليس حادثاً طارئاً، إنه شرط معاصر، وربما كان شرطاً قديماً لكننا لم ننتبه.
من يملك التكنولوجيا؟ من يصممها؟ من هو الذي تخدمه؟ ومن هو الذي تقصيه؟ حين تصبح حياتنا الرقمية امتداداً لذواتنا، لا يعود السؤال، أخلاقياً، سؤالاً فقط أبداً: من يقرّر ما يظهر لنا؟ عبر هذا التداخل بين الجسد والإنستغرام، بين رغبتنا وشروط الخوارزميات، تتبدل علاقتنا بأنفسنا من دون أن ننتبه. ولما كانت الحضارة هي فن الانتباه -بحسب حنا آرندت- فبأي حضارة نعيش؟
هل نحن نفس الإنسان الذي كأنه أجدادنا؟ بيولوجياً، ربما يكون الجواب: نعم، لكن إنسانياً، بمعنى الإيقاع الداخلي للبشر، فالجواب: لا تماماً. كان لدى أجدادنا ترف حقّ الاختفاء من العالم ساعاتٍ دون أن يقدموا اعتذراً. نحن اليوم نحتاج إلى ألف مبرر كي نغيب نهاراً واحداً: لا تقلقوا، كنت نائماً، والله أخذتني النومة. كأن حياتنا اليومية تحولت إلى بث مباشر لما يطلبه المتابعون.
الإنستغرام مثلاً، في ظاهره هو مجرد ألبوم صور متحرك، لكنه في العمق غرفة مرايا واسعة: نمر فيها لنرى الآخرين، ثم نعود لنقارن أنفسنا بما رأينا. بعضنا يدخله كمن يدخل إلى بيته: يتذكر، يوثق، يشارك لحظة صغيرة مع دائرة محببة. لكن البيت الحقيقي يسمح لك بأن تكون ناقصاً دون أداء. أما الإنستغرام، فهو في العادة، يعتب عليك بلطف قاسٍ لكي تبدو أحسن مما أنت عليه.
لهذا يبدو الإنستغرام أقرب إلى واجهة بيت، لا إلى البيت نفسه: شرفة مضاءة دائماً، ستارة مرتبة، صورة مفلترة بوجوه منتفخة، فيما الفوضى وهي جزء طبيعي من الحياة، تأخذك من نفسك مذهولاً بالسيارات والمطاعم والفنادق والشوارع والدروب والطائرات والبكاء والضحك والصراخ الذي يعودنا دون أن يخترق مشاعرنا.
تقول توركل: حين تصير التكنولوجيا مهندسة عمارة حميميتنا، تصبح الحميمية قابلة للاختزال إلى مجرد تواصل. وحين يعاد تعريف الاتصال كحميمية، نعيش سهولة هذا التواصل ونخسر عمق التجربة.
وهاراواي ستضيف: لا تلعن التهجين نفسه؛ افهمه، وواجه شروطه. نحن كائنات هجينة بالفعل، لكن السؤال: أي كائن هجين نريد أن نكونه؟
ولو رجع الفضائيون مرة أخرى، سيتهامسون: الإنسان اخترع أدوات تخفف عنه وحشة العالم، ثم سلم لها مفاتيح الوحشة نفسها. صار يحمل ذاكرته في جيبه، لقد نسي الصمت الذي لا يمكن نشره، الأفكار التي هي في طبيعتها غير صالحة للمشاركة، الحزن الذي لا يحتاج جمهوراً.
لم تعد التكنولوجيا خارجنا؛ هي نحن، في عاداتنا، في تفضيلاتنا، في ارتباك لغتنا. نحن إنستغرامات صغيرة تبددت في الأثير.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد