زمن التضئيل

زمن التضئيل

12-03-2026 02:45 AM

«مجرد النظر إلى السماء يجعلنا نشعر بالدوّار.. بالصِّغر الشديد.. قطرة في المحيط. ذرة غبار على حجر لا متناهي الصغر. هذا ما نحن عليه. يميل البعض إلى نسيان ذلك، ويحاول آخرون جاهدين عدم التفكير في الأمر، نخفض جميعًا أعيننا ونمضي قُدماً نكافح، لنؤمن أن لدينا معنى.. هدفاً. نروي لأنفسنا قصصًا، ونسمي ذلك حياة».
تلك فاتحة فيلم «الرجل المتضائل» المقتبس عن رواية الكاتب الأمريكي ريتشارد ماثيسون، التي سبق وأن قدِّمت في فيلم سينمائي منتصف الخمسينيات من القرن الماضي، وأعيد اقتباسها في فيلم فرنسي عام 2025.
يتتبع الفيلم الجديد حياة رب أسرة يحظى بجسد قوي وصحة جيدة، ما يتيح لنا أن نرى مأساته بصورة أفضل وقد راح جسمه يتضاءل شيئاً فشيئاً، في فصول الرعب المتتالية التي تجعله في النهاية صغيراً بحيث لا يرى، وصرخاته بالتالي لا تُسمع. يتجاوز المعنى الكامن في هذه التراجيديا البشرية الحالة الفردية للكائن البشري، وحجمه حين يمضي الفيلم متأملاً هذا عبر المشهد الطويل لسماء غائمة، في مطلعه، ومشهد الكون العميق، في نهايته.
إعادة إنتاج النسخة الجديدة التي قدَّمت لها التكنولوجيا حلولاً مثالية، مقارنة بالنسخة الأولى (كل ما يحيط به ضخم جداً، وهو المتضائل) تأتي في وقت غدت فيه حكايته أكثر إلحاحاً، أمام هذا التضاؤل الذي لم يعد مجازاً، أو ظاهرة فلسفية وجودية، أو ظاهرة غريبة عصفت بذلك الكائن؛ لأن فكرة التضاؤل التي بات البشر يرزحون تحتها باتت أكثر واقعية من أن تنتمي لعالم الخيال، مع هذه السطوة الرهيبة التي باتت تمارسها المؤسسات بمختلف تخصصاتها، والتكنولوجيا بكل تشعباتها، والتطبيقات المُطبِقة على العقل والروح، والذكاء الاصطناعي الذي لم يزل في مطالعه، وهو يتقدم محوّلاً البشر إلى إضافات لا ضرورة لها، ومُقصيًا لهم، في تقدّمه المتسارع لاحتلال مكانهم، وهو يطبق على عقولهم وكياناتهم، بتلك الاختراعات الكابوسية التي تخيلها الكتّاب والفنانون قديما، ويعيشها أبناؤهم وأحفادهم اليوم.
يقوم المخرج يان كونين بعمل كبير في تقديم رؤياه العصرية للرواية، كما لو أن واقع القرن الذي نعيش فيه الآن، ساهم ويساهم في إعادة كتابة النَّص، ودفْعه إلى آفاق جديدة، وتوسيعه، وقد أصبحت وسائل الانسحاق أكثر جحيميّة، وتجاوزت الحدود، وهي تنتج معادلات ودلالات جديدة، وتوحّشاً أكثر شراسة من ذلك الزمن الذي كُتبت فيه الرواية وأُخرج فيه الفيلم في القرن الماضي.
وإذا كان الوعي الإنساني قادراً على مقاومة التضئيل في سعيه لإيجاد حلّ للمأزق الذي وجد فيه بطل الرواية/ الفيلم نفسه، وقد وُضِع في مقارنة غير متكافئة بين سعة الكون، بحيث غدا هذا الإنسان أشبه بذرة غبار، فإن الأمر لم يعد مقصوراً على ذلك، في زمن بات فيه نمو القوة المتغطرسة مرتبطاً بصورة مباشرة بالعمل على حشر البشر في أضيق الزوايا للسيطرة على ثرواتهم وتاريخهم ومستقبلهم، بل وأرواحهم، بالقوة السافرة.
يمكن هنا أن نرى بأمهات أعيننا كيف انكمشت أممٌ، وكيف يتم العمل على تضئيل أمم أخرى، لا لتنكمش فحسب، بل لتزول تماماً، كي يتمّ الاستيلاء على كامل مواردها، فحتى الاستعباد لم يعد أمراً كافياً، وهو تحقّق، رضي به المستعبَد أو قاومه، لأنه لم يعد أمراً كافياً للمستعبِد الذي بات يدمِّر كل شيء وهو يعمل على سحق القيم الإنسانية والقانونية، ويفتح الطريق بكل إبادة يرتكبها لإبادات قادمة، في سعيه المجنون لمحو كل ما يمتّ للعدل والمنطق والحقّ وصولاً إلى زوال ذلك كله.
لم تعد المسألة اليوم قائمة في منظور إيماني يتكئ على تواضع وجود الإنسان أمام قوة الطبيعة وعظمة الكون، والموت والحياة والآلهة، بل تجاوز هذا إلى أولئك الذين يُنصِّبون أنفسهم آلهة، كما تفعل أمريكا اليوم ومعها مخلوقها الفاشي (فاشستئيل)، حين تُقدِمان على ممارسة أفظع أشكال الوحشية في إزهاق أرواح البشر والسّعي الدامي لتركيعهم وتحديد ما يلزمهم وما لا يلزمهم، والتحكم فعلاً لا مجازاً بحجمهم وحجم أوطانهم والمساحة الصغيرة جداً التي يمكن أن تُترَك لهم ليواصلوا شبه الحياة على هذه الأرض.
وبعـــد:
ربما يستوعب فيلم كهذا بصورة منطقية تغييراً جوهرياً اليوم، بحيث تُحذف السماء الغائمة من بدايته، ويُحذف مشهد الكون العميق في نهايته، ويتمّ استبدالهما بمئات الطائرات والصواريخ والأقمار الصناعية، وحاملات الطائرات وترامب نفسه ونتنياهو ومشتقاته، وهم يندفعون صوب هذا العالم في سعيهم لمحو كل ما له علاقة بالكرامة الإنسانية وحق البشر في الحياة كما يريدون لا كما يُدفعون دفعاً ليكونوا جزءاً من أطروحة الادعاء بتحريرهم من واقعهم، في حين الهدف من ذلك مزيد من حشرهم في حظائر القطعان؛ فما يحدث الآن ليس فقط هذا السعي المجرم لحشر البشر في أضيق الخيارات كي لا يكونوا بشراً، بل في هذا الجنون الماحق الذي يريد أن يثبت بالقوة، أن هذا الطغيان فوق العالم، وأن الإنسان في نظر هذا الطغيان لم يكن إنساناً قط.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد