كم تجني البنوك من أرباح سنوية في الأردن .. ومن يتحمّل مسؤولية المستقبل

كم تجني البنوك من أرباح سنوية في الأردن  ..  ومن يتحمّل مسؤولية المستقبل
تعبيرية

03-02-2026 09:53 PM

عمان - السوسنة - كتب : أ.د محمد بني سلامة 
قد تختلف الأرقام من عام إلى آخر، لكن الصورة العامة باتت واضحة، بل وصادمة في دلالاتها الاقتصادية والاجتماعية. فبحسب بيانات مالية حديثة، يحقق القطاع المصرفي الأردني أرباحًا ضخمة تعكس حجم النفوذ المالي الذي يتمتع به، ومدى تأثيره المباشر في بنية الاقتصاد الوطني ومساراته.
تشير التقارير إلى أن إجمالي أرباح البنوك الأردنية المدرجة في بورصة عمّان خلال عام 2024 بلغ نحو 1.85 مليار دولار أمريكي، أي ما يعادل تقريبًا 1.31 مليار دينار أردني وفق سعر صرف تقريبي يبلغ 0.71 دينار للدولار الواحد. هذا الرقم لا يعبّر عن بنك واحد، بل عن حصيلة الأرباح المجمّعة لعدد من البنوك العاملة في السوق الأردني، وهو رقم كافٍ وحده لفتح نقاش وطني جاد حول التوازن بين الربح والمسؤولية.
ولكي تتضح الصورة أكثر، يكفي أن نشير إلى أن بنكًا واحدًا فقط مثل البنك الإسلامي الأردني حقق أرباحًا صافية بعد الضريبة تُقدَّر بنحو 66.1 مليون دينار أردني في عام واحد. هذا المثال لا يُذكر للمقارنة أو الانتقاد، بل للدلالة على مستوى الربحية المرتفع الذي يميّز القطاع المصرفي عمومًا، مقارنة بقطاعات إنتاجية وخدمية أخرى تعاني من ضغوط شديدة وتحديات متراكمة.
صحيح أن هذه الأرقام تقديرية، وقابلة للارتفاع أو الانخفاض تبعًا للظروف الاقتصادية والسياسات النقدية وأداء السوق، إلا أن الحقيقة الثابتة هي أن القطاع المصرفي يظل من أكثر القطاعات تحقيقًا للأرباح في الأردن، وبفارق واضح عن قطاعات تمس حياة المواطنين اليومية بشكل مباشر. وهنا، لا يصبح السؤال عن حجم الأرباح سؤالًا تقنيًا، بل سؤالًا أخلاقيًا وتنمويًا بامتياز.
ومن هذا المنطلق، تبرز المسؤولية الاجتماعية للبنوك بوصفها التزامًا وطنيًا لا منّة فيه ولا تفضّل. فحين تحقق البنوك أرباحًا بمليارات الدنانير، يصبح من غير المقبول أخلاقيًا ولا منطقيًا أن تبقى الجامعات الأردنية المدينة، وهي مصانع العقول وحصن المستقبل، غارقة في أزمات مالية خانقة. إن الحديث هنا لا يدور عن تبرعات موسمية أو مبادرات علاقات عامة، بل عن شراكة وطنية حقيقية تقوم على إدراك أن التعليم العالي هو استثمار استراتيجي في استقرار الدولة ونموها.
إن جامعات وطنية عريقة مثل جامعة اليرموك، وجامعة آل البيت، وجامعة مؤتة، وجامعة الطفيلة التقنية، وجامعة الحسين بن طلال لا تطلب إحسانًا، بل تطالب بحقٍّ مشروع في دعمٍ يتناسب مع دورها الوطني. هذه الجامعات خرّجت عشرات الآلاف من الكفاءات التي تعمل اليوم في مؤسسات الدولة كافة، وفي القطاع الخاص، وفي البنوك نفسها التي تجني هذه الأرباح. ومن غير المنصف أن تُترك هذه الجامعات تواجه مديونيات متراكمة، وبنى تحتية متهالكة، وتحديات أكاديمية وبحثية متزايدة، في وقت تتكدس فيه الأرباح في قطاع واحد.
إن المسؤولية الاجتماعية الحقيقية تقتضي من البنوك أن تسهم بجدية في تخفيف مديونية الجامعات، ودعم البحث العلمي، وتمويل المنح الدراسية، وتطوير البنية الأكاديمية، لا باعتبار ذلك عبئًا، بل بوصفه استثمارًا طويل الأمد في رأس المال البشري الأردني. فالدول لا تنهض بالأرقام وحدها، بل بالعقول التي تصنع هذه الأرقام، وبالعدالة التي تمنح الاقتصاد معناه الاجتماعي.
إن فتح هذا الملف اليوم ليس استهدافًا للقطاع المصرفي، بل دعوة صادقة لإعادة تعريف دوره الوطني، بما ينسجم مع حجم أرباحه وتأثيره، وبما يرسّخ مفهوم الشراكة بين المال والمعرفة، وبين الربح والمسؤولية، وبين الحاضر والمستقبل.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد