سقوط نجوم الشاشة

سقوط نجوم الشاشة

17-02-2026 09:41 AM

واحد من نوّاب البرلمان في الجزائر تبوأ مقعده بفضل التّلفزيون. فهو ينحدر من مدينة داخلية، بالكاد نسمع عنها في نشرات الأخبار، وبالكاد نرى صورة لها على الشاشة، لكنه اقتنص فرصة لا تتكرّر، عندما تكرّر حضوره في برنامج تسلية، في زمن لم يكن يوجد فيه سوى قناة تلفزيونية واحدة في البلد، مما أكسبه شعبية في مسقط رأسه، وصار حديث النّاس من حوله، فاستغل النّجومية التي سقطت على رأسه وترشّح في الانتخابات، صار نائبًا عن مدينته وزادت سمعته.
هذه واقعة تكرّرت مع أشخاص آخرين، في الماضي القريب. انتقلوا من الشاشة إلى النجومية، ثم الاستواء على مقاعد في مناصب عليا. ويتذكّر الجزائريون مذيعة سابقة في التّلفزيون صارت بدورها نائبًا في البرلمان، ثم انضمت إلى الحكومة، بعدما طافت شهرتها جراء تقديمها نشرة الأخبار. بينما المدير الأسبق للتلفزيون صار وزيرًا ثم سفيرًا.
والبرنامج الأشهر في شاشة التلفزيون العمومي هو نشرة الأخبار، التي تبثّ كلّ يوم في الثّامنة مساءً. فهذه النشرة كانت محط الأنظار، يتجمع المشاهدون كلّ يوم لمتابعتها، ومن يصير مذيعًا فيها سوف يتسلّل إلى البيوت وإلى القلوب، يكسب شهرة يحسده عليها الآخرون. يصير اسمًا مألوفاً على الألسنة ويحفظ النّاس ملامح وجهه.
في زمن فات، كان مذيع نشرة الأخبار أشهر من رابح ماجر، ومن الشاب خالد، يحظى بمرتبة اجتماعية، وأبناء مسقط رأسه يتفاخرون به. يمكن أن نسأل أحدهم: من أين أنت؟ فلن يجيب باسم مدينته أو بلدته، بل يقول: أنا من المدينة، التي ولد فيها مذيع نشرة أخبار الثّامنة. بل يصير الوزراء وكبار المسؤولين يتودّدون إلى هذا المذيع. وإذا خرج إلى التسوّق، يتوافد إليه المارّة لمصافحته، ومن يصافحه يسكن قلبه فرح مثل من كسب في اليانصيب. يلتقطون معه صورًا ومن يملك صورة مع مذيع النشرة يكسب حظوة بدوره.
هكذا هي سلطة التلفزيون، عندما كانت لا توجد سوى قناة واحدة ويتيمة في البلد. والأمر لا يتعلّق باحترافية المذيع أو قدرته على الاقناع، بل يصير نجمًا لأن الناس لا تلفزيون آخر لهم. إنهم مرغمون على مشاهدته كلّ يوم، وكثرة الظهور تجعل من صاحبها اسمًا مألوفًا. بل إن من الجامعات من داومت على استضافة هؤلاء المذيعين. يقدمون محاضرات للطلبة، ويحجزون مكانة لهم أعلى من مكانة أساتذة الجامعة أنفسهم، لأن الشهادة العلمية تقلّ أهميتها مقارنة بالشهادة الأعلى بأن يظهر المذيع في نشرة الأخبار في الساعة الثّامنة مساءً من كلّ يوم.
ومن المسؤولين من كان يحلم بالظّهور في نشرة الأخبار، نظرًا إلى تهافت المشاهدين عليها، بما يضمن له نسبة متابعة عالية. وقد سادت في زمن مضى أساطير من قبيل أن مذيعي نشرة الأخبار، في التّلفزيون العمومي، لهم صلة برئيس البلاد، وأن الأخير يرجو استشارات منهم، وهناك من قال إن هؤلاء المذيعين ترجو كبريات الفضائيات الأجنبية خدماتهم، من أجل الاستفادة من شهرتهم واستمالة الجزائريين.
ولا تزال الأسماء القديمة، التي تداولت على نشرة الأخبار تحظى بمرتبة رفيعة في مخيلة النّاس، ويحصل أن نراهم في برامج في السنين الأخيرة يتحدّثون فيها عن ماضيهم وذكرياتهم، عن الحنين إلى الماضي وكأن التّلفزيون العمومي كان نورًا، بينما القنوات الجديدة إنّما هي ظلّ له. والحقّ يقال إن نجوميتهم لم تخب، رغم مرور الزّمن، لكن الأمر يتعلّق حصرًا بمذيعي الأخبار في زمن مضى، بينما الوضع في الزّمن الحالي قد انقلب، ولم تعد نشرة الأخبار التي تبثّ في الساعة الثامنة تحظى بالوهج نفسه، لقد دخلت عصرًا جديدًا، صارت فيه فضائيات محلية جديدة تزاحم التّلفزيون المحلي، وصار مذيعو نشرة الأخبار وجوها عادية، بالكاد نتذكّر أسماءهم. فقد التّلفزيون العمومي حظوته، مثلما فقد مذيعوه مكانتهم الاجتماعية والسياسية.

زحمة الأخبار

مع ظهور قنوات جديدة في الجزائر، لم تعد نشرة الأخبار في الثّامنة مساءً تحظى بالاهتمام كما جرت عليه العادة. لأن المشاهد يعيش تخمة في تتبع الأخبار كلّ يوم، ليس في حاجة إلى انتظار ساعة بعينها قصد أن يعرف ماذا يجري في البلاد. تراجعت مكانة نشرة الأخبار، ليس السبب أن قناة أخرى صعدت أو احتلت موقعها، بل ما يجري في الجزائر أن كثرة الشاشات أدخلت المشاهد في حيرة واضطراب، فلم يعد يستقرّ على قناة في حدّ ذاتها، بل ينتقل من واحدة إلى أخرى على عجل. وهذا الوضع يعجّل بأن يمحو من باله كلّ صورة أو صوت للمذيعين. صاروا بالنسبة له كلّهم متشابهين، يظهرون بربطات عنق ويكررون الأخبار نفسها. هذه الكثرة في القنوات أفرزت ألا نجم في التلفزيون، لأن القناة العمومية لم تعد تحتكر المعلومة لنفسها. فصار مذيع نشرة الثامنة مثل بقية المذيعين الآخرين، الذين نراهم في أمكنة أخرى. لم يعد المشاهد ينتظر ساعة واحدة من اليوم من أجل معرفة الأخبار، بل إنّه يعيش فائضا في الأخبار تتدفّق إليه كلّ حين من مواقع التواصل الاجتماعي.
وينطبق هذا الحال على معلقي كرة القدم كذلك، لأن المعلّق لا يرتفع رصيده أو يتضاءل نظير أداء أو نظير ثقافته، بل سمعته تزيد أو تنقص حسب المباريات التي يعلّق عليها. من يعلق على مباريات من دوري أوروبي ليس مثل من يعلّق على مباريات من الدّوري المحلي.
ومنذ سنين كذلك كف التّلفزيون العمومي عن نقل مباريات من الدّوريات الأوروبية، مكتفيا بمباريات من الدوري المحلي، التي لا يشاهدها عدا قلّة من المهتمين. هكذا فقد التلفزيون العمومي سلطته على المشاهد، وبات مذيعوه من الأسماء العادية، سقطت عنهم النجومية، ولم يعد في وسع واحد منهم أن يستغل حضوره من أجل أن يتبوأ مقعدا في البرلمان أو في مجلس الوزارء، كما حصل في أزمنة سابقة.

كاتب من الجزائر



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

صرف راتبين إضافيين سنوياً… خطوة إنقاذ للاقتصاد وإغاثة للمواطن

5 دول عربية ضمن قائمة الأكثر فسادا في العالم

شواغر جديدة للمعلمين .. رابط التقديم

الحكومة: سنسدد مستحقات للجامعات الحكومية بأكثر من 100 مليون دينار

وظائف ومدعوون لامتحانات الكفايات بالحكومة .. التفاصيل

كيف تحمي نفسك من التضليل وسط طوفان الأخبار والمحتوى الرقمي

مذكرة تفاهم بين الإفتاء ومركز فتوى أوزبكستان

صرف الرواتب مبكراً في هذا الموعد .. لدعم الأسر الأردنية قبيل رمضان

وظائف ومدعوون للامتحان التنافسي والمقابلات .. أسماء

بينها عربية .. دول تعلن الخميس غرة شهر رمضان

أول سيارة كهربائية من فيراري بلمسة تصميم آبل

الطوباسي يؤدي اليمين الدستورية عضوا في مجلس النواب خلفا للجراح الاثنين

أسعار الذهب تهوي محليًا .. وعيار 21 دون المائة دينار

الزراعة النيابية تناقش استيراد الحليب المجفف وتصدير الخراف ومشاريع الحراج

التعليم العالي: تحديد دوام الطلبة في رمضان من صلاحيات الجامعات