إحياء النشاط السياسي داخل السودان
في الفاتح من مارس/آذار الجاري، كتبت مقالا دعوت فيه القوى السياسية والمدنية لأن تتحدى الظروف وتنتقل بنشاطها ومقارها الرئيسية إلى داخل السودان، دون أن تتخلى عن نشاطها الخارجي. واليوم أجدد هذه الدعوة، مكررا ومشددا بأن الانتقال بالفعل السياسي والمدني إلى خارج البلاد، كان استثناء له مبرراته الموضوعية والمقبولة، إثر اتساع دائرة القتال وحفاظا على الأرواح، لكن الأصل هو ممارسة العمل السياسي داخل البلاد. والتجربة السودانية، منذ الاستقلال وحتى اليوم، تؤكد أن العمل السياسي الحقيقي لا يزدهر إلا في قلب الوطن بين الناس وعلى أرض الواقع. وأن محاولات الاكتفاء بالنشاط الحزبي والسياسي في خارج البلاد، مهما حسنت النوايا ومهما كانت التبريرات، ستظلّ محدودة الأثر، وبعيدًة عن نبض الشارع، ومعرّضًة للارتهان لتوازنات وضغوط لا تخدم بالضرورة المصلحة الوطنية. وعودة النشاط السياسي والحزبي إلى داخل البلاد حق أصيل، لا يتطلب استئذانا أو يشترط مساومة مع أي جهة كانت، وهو ضرورة قصوى حتى لا تترك الساحة ليسرح فيها ويتمكن منها أعداء السلام والديمقراطية والمستقبل. والدعوة أساسا يقصد بها عودة المؤسسات قبل الأفراد، وهي لا يمكنها تجاهل المخاطر الأمنية وما يتهدد حرية وحياة القيادات السياسية. لكن الأصل في العمل السياسي المقاومة والتضحية وعدم الاستسلام، وابتداع أساليب عمل جديدة في الظروف الراهنة، خاصة مع توفر العديد من الفرص التي تعزز إمكانية عودة العمل السياسي داخل البلاد، ومنها: تآكل شرعية السلاح كأداة حكم، وأن استطالة أمد الحرب تؤدي إلى إنهاك المجتمع وخلق رغبة واسعة في حل سياسي مدني، مما يفتح المجال أمام قوى تقدم خطاباً عقلانياً.
حظيت الدعوة بمناقشات عميقة وجادة، وجاءت مساهمة الأستاذ مهدي داوود الخليفة بإضافات وإضاءات مفيدة، رأيت أن ألخص منها في مقال اليوم تعميما للفائدة. يقول الأستاذ مهدي أنه مؤيد للدعوة من حيث المبدأ، لأن معركة استعادة الدولة المدنية لن تُحسم خارج حدود الوطن، بل في شوارعه وأحيائه ومؤسساته. لكن الدعوة، في ظل السياق الأمني الراهن، تطرح أسئلة عملية لا يمكن تجاوزها، وتتطلب مقاربة واقعية لا عاطفية. فهي ليست مجرد خطوة رمزية، بل إعادة تموضع أخلاقية وسياسية تستعيد بها الأحزاب مشروعيتها الشعبية. ومع ذلك، لا يمكن تجاهل البيئة القمعية المحيطة، بما في ذلك اللجوء إلى البلاغات الكيدية، وتحريك مجموعات مسلحة لترويع القيادات المدنية، وربما تصفيات جسدية في ظل الفوضى الأمنية، فضلاً عن استخدام قوانين فضفاضة واتهامات “التعاون” التي طالت حتى متطوعي التكايا. وعليه، فإن أي دعوة للعودة يجب أن تُقرن بضمانات عملية وتدابير حماية، لا أن تُختزل في خطاب أخلاقي مجرد. إن استعادة المجال العام تقتضي، قبل كل شيء، تفكيك عسكرة السياسة. فلا يمكن أن تزدهر حياة حزبية طبيعية في ظل تعدد الجيوش والميليشيات. المطلوب حظر حمل السلاح خارج القوات النظامية وحظر نشاط الميليشيات، وقصر نشاط أي جماعة على العمل السياسي المدني السلمي. فالسلاح في السياسة سيظل دائما أداة ابتزاز ويحعل المجال العام رهينة له.
ويطرح الاستاذ مهدي سؤالا هاما للنقاش حول لجان المقاومة وغرف الطوارئ وهل يمكن أن تكون بديلاً للأحزاب أم أنها تنظيمات ضغط مدنية؟ وهو يرى أن هذه الكيانات أدت أدواراً عظيمة، لكنها في بنيتها أفقية لا هرمية، قاعدية لا سلطوية، رقابية وضاغطة لا ساعية للسلطة، وتحويلها إلى أحزاب يتطلب تغييراً جذرياً في طبيعتها، وقد يفقدها ميزتها الأخلاقية واستقلالها. والأرجح، والقول للأستاذ مهدي، أن دورها الأمثل في هذه المرحلة هو أن تبقى قوة ضغط شعبية مستقلة تراقب المدنيين والعسكريين معاً، وتملأ الفراغ الإنساني، دون أن تُبتلع في بنية حزبية مأزومة. ثم ينتقل الاستاذ مهدي إلى سؤال آخر: هل تستطيع الأحزاب، بشكلها الحالي، قيادة مرحلة انتقالية معقدة؟ ويجيب بأن استعادة الثقة في الأحزاب، يتطلب منها إصلاحاً ذاتياً عميقاً، فكريا وتنظيميا، عبر مؤتمرات قاعدية وتجديد القيادات، واعتماد أشكال تنظيم مرنة ولا مركزية تقلل المخاطر الأمنية، وتوحيد حد أدنى وطني حول وقف الحرب والحكم المدني والعدالة الانتقالية، مع التكامل، لا الاحتواء، مع المنظمات القاعدية كلجان المقاومة وغرف الطوارئ.
ويقول الاستاذ مهدي، صحيح أن العودة دون وقف إطلاق نار قد تعرّض القيادات لمخاطر جسيمة، وأن توفير الخدمات الأساسية وحماية المواطنين شرط ضروري لعودة واسعة ومستدامة. لكن الصحيح أيضاً أن ترك الساحة بالكامل للقوى المؤدلجة والميليشيات المسلحة سيجعلها الطرف الأكثر تنظيماً وتأثيراً في مرحلة ما بعد الحرب. والمعادلة ليست بين عودة آمنة وغياب كامل، بل بين مخاطرة محسوبة وموت سياسي بطيء. واستعادة المجال العام ليست مجرد عودة جغرافية، بل معركة فكرية وتنظيمية وأخلاقية ضد عسكرة السياسة. ومثلما أن الأحزاب مطالبة بإصلاح نفسها، ولجان المقاومة مطالبة بالحفاظ على استقلالها، فإن المجتمع الدولي مطالب بتحويل بياناته إلى ضمانات فعلية. فالشرعية لا تُستورد من الخارج، لكنها أيضاً لا تُبنى تحت فوهة البندقية. إنها لحظة اختبار: إما أن تستعيد السياسة موقعها الطبيعي في قلب الوطن، أو يستمر السلاح في ابتلاع ما تبقى من الدولة.
ونكرر نحن قولنا بأن السودان اليوم في أمس الحاجة إلى إعادة بناء المجال العام من الداخل، وإحياء الروح المدنية التي عبّرت عنها ثورة ديسمبر/كانون الأول، وذلك عبر صناعة البدائل الفعالة، وهي بدائل لن تُصنع في الخارج، بل في مدن وقرى السودان، عبر تنظيمٍ قاعديٍ واعٍ، وقيادةٍ متجددة، وتحالفٍ مدنيٍ واسع، ومشروعٍ وطنيٍ جامع يحمي وحدة البلاد ويصون كرامة مواطنيها. والعمل السياسي داخل السودان ليس خيارًا سهلاً، بل هو طريقٌ محفوف بالمخاطر والتضحيات، لكنه الطريق الوحيد القادر على إحداث التغيير الحقيقي. والسياسة حين تتجذر في المجتمع، وتنبع من إرادته، تصبح قوةً لا تُقهر، وأملاً لا ينطفئ.
٭ كاتب سوداني
يوديد البوتاسيوم ودوره في الوقاية من مضاعفات الإشعاع النووي
الأشغال تباشر أعمال صيانة لمدخل مدينة العقبة
إيران تؤكد مقتل قائد بحرية الحرس الثوري علي رضا تنكسيري
الطاقة الإيرانية: شبكة الكهرباء عادت مستقرة بعد الهجمات
منتخب النشامى لكرة القدم يلتقي نظيره النيجيري في تركيا الثلاثاء
بمشاركة الأردن .. اجتماع خليجي روسي لبحث تداعيات الاعتداءات الإيرانية
شحادة: خطط حكومية متدرجة لضبط الأسعار والتضخم في ظل تداعيات الحرب
غارة على ضاحية بيروت الجنوبية بعد إنذار إسرائيلي
قفزة جديدة على أسعار الذهب في السوق المحلية الاثنين
إسرائيل وإيران تتبادلان الضربات .. وترامب يتوقع اتفاقًا
بدء جلسة الكنيست للتصويت على مشروع قانون إعدام الأسرى
شحادة: لا اضطراب في سلاسل التوريد رغم الحرب
النقل البري تطرح عطاء لتقييم أنشطتها من الناحية التنظيمية والقانونية
بلدية غزة: دخول 10% فقط من الشاحنات إلى غزة منذ بدء حرب إيران
صفقة إسرائيلية بـ 48 مليون دولار لشراء عشرات آلاف القذائف المدفعية
الأردن يودّع نادية وسلسبيل .. معلمة تروي تفاصيل (آخر حضن) قبل الفاجعة
انقطاع الكهرباء في أجزاء من طهران بعد هجمات على بنى تحتية
إيلات تتعرض لهجوم بالمسيرات والصواريخ
الرمثا .. سيدة تقتل طفلتيها رمياً بالرصاص قبل انتحارها
قرارات مجلس الوزراء اليوم الأحد
وزيران سابقان: حرب إيران الحالية "حرب طاقة"
الحكومة تكفل شركة الكهرباء الوطنية أمام البنك
طقس بارد نسبيا وأمطار خفيفة متوقعة شمال ووسط المملكة
أمين عام وزارة الثقافة يزور مديرية المفرق
أبو غوش تلتقي ناشطات أردنيات مؤثرات
مستشفى الملك المؤسس يحصل على الاعتمادية الدولية
الموافقة على إعفاء مشروع النقل المدرسي من جميع الرسوم والضرائب
الحكومة: توصلنا لمراحل متقدمة في الغلق المالي لمشروع الناقل الوطني
الحكومة تتحمل الفوائد المترتبة على تسهيلات مالية لتمكين المنشآت السياحية