عن القوة والسلطة

عن القوة والسلطة

01-04-2026 12:36 AM

لا يمكننا الحديث عن القوة من دون السلطة، ولا عن السلطة من دون القوة. إنهما متلازمتان. ومتى بدأت تتلاشى القوة تبدأ السلطة في السقوط. هذا هو الدرس الكبير الذي يمكننا استخلاصه من تاريخ البشرية. ويبدو لنا ذلك بجلاء من خلال بروز الدول وانحطاطها. إنها تتشكل من خلال قائد عبقري، وتسقط بواسطة فاسد مجنون.. وبين القائد والفاسد شعرة لا تختلف عن نظيرتها بين العبقري والمجنون. إن القوة والسلطة وجهان لعملة واحدة، تتحدد العلاقة بينهما على الوجه الذي يمارَس به كل منهما، وما اختير في مسيرة معينة. يسود القائد العبقري، ويفرض وجوده في ضوء ما يمكن أن تتيحه له القوة، وما تسمح به السلطة من ميول نحو الفساد لتحقيق مآرب خاصة فيربأ بنفسه عن السقوط في الدرك الأسفل. بينما القائد المجنون، لأنه ملوث بالفساد يوظف السلطة الممهورة بالقوة لتحقيق أغراضه الدنيئة.
حين يهيمن أي من وجهي العملة ويغطي على الآخر، ويتجاوزه لا يمكن أن يؤدي إلا إلى النقيض. ويمكننا قول الشيء نفسه عن العبقري والمجنون. فكلاهما مختلف عن الناس في أحوالهم الطبيعية، تختلف القوة، حسبما يسندها من قيم وأخلاق ومبادئ تصب في خدمة المشروع، الذي تتأسس عليه لممارسة السلطة، من جهة، ومن خلال ما تستلزمه من مقومات للوصول إليها وتحقيقها على النحو الأمثل، من جهة ثانية. ومتى مورست السلطة من خلال القوة التي يمتلكها المجنون كانت الكارثة المحدقة به وعليه وعلى أعدائه، وعلى الناس أجمعين. وتاريخ الطغاة يشهد بذلك. وما يقدم عليه ترامب ونتنياهو دال على أنهما مجنونان.

عشنا أكثر من سنتين على وقع إقدام نتنياهو على إبادة شعب، وتهجيره، وتدمير بنياته التحتية. لقد أتاحت له القوة والسلطة التي ورثها عن الاستعمار وأفكاره المبنية على «البقاء للأقوى» ممارسة طغيانه وجبروته، وظل الغرب يسانده متواطئا بالصمت عن جرائمه، جدد نتنياهو حديثه إبان حربه على غزة مستلهما «النكبة الكبرى». وها هو اليوم يتحدث عن «سايس بيكو»، ويكرر الأحاديث الأمريكية عن «الشرق الأوسط الجديد»، و»إسرائيل الكبرى»، وهو يهرب من محاكمته باعتباره فاسدا، بإشعال نار الحرب، وتغذية الفتنة في المنطقة بدعوى تحقيق الحلم الصهيوني في جعل إسرائيل قلب الشرق الأوسط من دون منازع. ولا تهمه إبادة الشعب الفلسطيني أو اللبناني أو السوري، وفي الوقت نفسه يتحدث عن التطبيع مع الدول العربية والإسلامية، ويدعو، بدعم من أمريكا إلى الاتفاقية الإبراهيمية؟ بل إنه لا يتورع حتى عن إخفاء نواياه في فرض الهيمنة، وممارسة التسلط، على المنطقة، متهكما على من يدعي علاقتهم به، والأمثلة الدالة كثيرة.

كما أن نظيره ترامب السمسار والمقاول لا تهمه إلا تنمية ثرواته، وإن كانت على حساب منافسيه واسترزاق الدول التي يدعي حمايتها، وهو كل يوم في شأن، متوهما في ذلك استرجاع أسطورة الازدهار الأمريكي. إنه بعد نجاحه في اعتقال رئيس فنزويلا، وفرارا من جرائمه الجنسية في الجزيرة، للتغطية عليها، بادر إلى الهجوم على إيران، وهو يتحدث عن التفاوض، بدعوى الملف النووي. لا يختلف ترامب عن بوش عندما هاجم العراق بدعوى «أسلحة الدمار الشامل»، فدمر العراق، وقتل علماءه، وفرض عليه الديمقراطية الطائفية، وتركه عرضة للأهواء السياسية، وتقلبات المصالح المادية، كما وعد بذلك، بإرجاع العراق خمسين سنة إلى الوراء. وكما أن نتنياهو لا يفكر إلا في الحروب، لا يني ترامب يفكر في التخطيط للهروب من فضائحه، وهو يصرح بأن حربه ضد إيران قاب قوسين أو أدنى من النهاية والنصر المبين، للذهاب إلى كوبا.

إن المجنون حين يمارس السلطة مسنودا بالقوة العسكرية لا يمكن أن يحقق أهدافه مهما حاول الكذب على نفسه بتحقيق النصر، قد ينجح في التدمير والإبادة، لكنه يمارس العبث الذي لا يمكن إلا أن ينقلب عليه. إنه يمارس سلطته وقوته ضد من لا قوة ولا سلطة له، ومتى كان التفريط في تكوين مقومات القوة والسلطة المعارضتين قد ينجح إلى أمد ما في فرضهما على غيره، وما كان يتمتع به الاستعمار من قوة وسلطة أوضح مثال على ذلك. صحيح عاد الاستعمار من النافذة، فكان بذلك حائلا دون تحقق السلطة والقوة على من كان قد سلبهم مقوماتهما.
لقد صمدت المقاومة الفلسطينية طيلة أكثر من سنتين في وجه الجبروت الصهيوني ـ الأمريكي، رغم اختلال ميزان القوى بين الغاصب والمقاوم. ومرّ شهر كامل على الحرب الأمريكية ـ الصهيونية على إيران، وبرز أن الحرب التي ستطيح بالحكم، وانقلاب الشارع عليه، وهي تهيئ الشاه الجديد، لم تحقق أهدافها في الأمد القصير الذي كانت تتوقعه لإعلان القضاء على النظام الإيراني. وها هي الحرب مستعرة، وبدأت آثارها تبدو ليس فقط على المنطقة، ولكن على العالم أجمع.

لقد خذلت أوروبا ترامب، واعتبرت حربه لا تعنيها. وبدأ الشارع الأمريكي يتحرك ضد الحرب العبثية التي بدأت تتجاوز «الخيوط الحمر» معرضة المنطقة لآثار سلبية لا يمكن توقع آمادها. أبان صمود إيران على قوتها وسلطتها، لكن استهدافها دول المنطقة بتوسيع دائرة الحرب على جيرانها، وهذا ما ترغب فيه الصهيونية وأمريكا، يرسخ الفجوة المكرسة القائمة على التمايز القومي والمذهبي، وتضعه في مستوى التناقض الرئيسي مع العدو المشترك الذي يبغي الهيمنة على المنطقة بكاملها. لقد وقف الغرب ضد الحرب، ولكنه في المقابل صار ضد الحرب على الجيران. لو أن إيران وظفت كل ترسانتها نحو بؤرة واحدة لكان المآل مختلفا. وحرب الإثني عشر يوما هي التي فرضت تراجع ترامب، وكان إيقاف الحرب. لا يمكن توقع أي وقف للحرب، والتلويح بالحرب البرية جار، وإن كان دالا على التهديد الذي يؤدي إلى مفاوضات لصالح أمريكا وإسرائيل.
عندما لا ينتبه العالم العربي والإسلامي إلى إن السلطة والقوة اللتين تخدمان قضايا شعوب المنطقة ضرورة، وأن تجاوز الخلافات العبثية بينهم على أنها قضية تعنيهم جميعا، سيظلون رهائن ما يملى عليهم من ذوي السلطة والقوة، الذين بيتوا منذ عقود أسطورة إسرائيل الكبرى.

كاتب مغربي



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد