هويتنا التي في الصور

هويتنا التي في الصور

31-03-2026 12:15 AM

من حسن الحظ أن تمتلك أرشيفاً فوتوغرافياً من زمن لم تكن فيه الكاميرا امتداداً لليد ولا للهوس اليومي بالتوثيق. صور قليلة، نادرة، لا تعرف الابتذال، التقطت بلا نية عرض ولا رغبة في صناعة انطباع. كنت تقف فيها كما أنت، بلا وعي بالصورة بوصفها مستقبلاً، ولا بوصفها دليلاً عليك. مجرد لحظة عابرة التقطت لأن أحدهم قرر أن يضغط الزر.
في تلك الصور، تقف طفلاً في طرف الصف، أو مراهقاً يخبئ ارتباكه خلف كتف صديق، أو شاباً لا يعرف بعد ماذا سيفعل بكل هذا الزمن الذي ينتظره. لا تبتسم لأنك تريد أن تبدو سعيداً، بل لأن أحدهم قال لك ابتسم. لا تنظر إلى العدسة كأنها مرآة، بل كأنها شيء غريب، مؤقت، سيختفي بعد ثوان.

ثم تمضي السنوات.

تعثر على صورة قديمة مصادفة، ربما في درج أمك، أو بين كتب مهملة، أو في صندوق لا تفتحه إلا حين تشعر بحاجة غامضة إلى العودة. تتأمل الوجوه واحداً واحداً، كأنك تحاول استعادة لغة نسيتها. بعض الأسماء تعود بسهولة، وبعضها يتعثر، وبعضها يختفي تماماً. هناك دائماً شخص واحد على الأقل، وجه مألوف بلا اسم، أو اسم بلا وجه.
هذا الشخص نفسه، في مكان آخر من العالم، قد يحتفظ بنسخة من الصورة ذاتها؛ قد يتذكرك جيداً، يتذكر تفاصيل لم تعد تعرفها عن نفسك، ربما يتذكر ضحكتك في يوم محدد، أو كلمة قلتها، أو موقفاً ظننته أنت عابراً ونسيته تماماً. هنا يبدأ السؤال المقلق: من يعرفك أكثر، أنت أم الآخرون؟ والأهم، هل كنت تعرف نفسك حقاً في أي وقت مضى؟
الصور القديمة تكشف لنا حقيقة غير مريحة: لسنا الكائن ذاته الذي نظنه مستمراً عبر الزمن. كل صورة هي نسخة من هوية مؤقتة، طبقة من طبقات تراكمت، بعضها اندثر وبعضها بقي. نحن سلسلة من الانزياحات، من التحولات الصغيرة التي لا ننتبه لها إلا حين ننظر إلى الوراء.
طرح الفيلسوف توماس ريد في القرن الثامن عشر مفارقة تعرف بـ «مفارقة الضابط الشجاع»، يحكي فيها عن صبي سرق تفاحة، ثم كبر وصار شاباً يتذكر فعلته، ثم صار ضابطاً شجاعاً يحمل أوسمة، وما زال يتذكر حادثة السرقة. لاحقاً، يصبح جنرالاً متقاعداً، يتذكر شجاعته كضابط، لكنه ينسى تماماً أنه كان صبياً سرق تفاحة.
حسب تحليل ريد، المستند جزئياً الى أفكار جون لوك، هناك مفارقة في الهوية: الضابط هو نفسه الصبي لأنه يتذكره، والجنرال هو نفسه الضابط لأنه يتذكره أيضاً، لكن الجنرال ليس هو الصبي، لأنه لا يتذكره. كأن الذاكرة ليست مجرد خزان للماضي، بل شرط لوجود الذات نفسها.
إذا أخذنا هذه الفكرة بجدية، فإن الصور تصبح أشبه بأدلة ناقصة. هي تحفظ شكلاً، ملامح، وضعية جسد، لكنها لا تحفظ الذاكرة الداخلية. نحن ننظر إلى الصورة ونقول هذا أنا، لكننا في الحقيقة نشير إلى جسد كنا نسكنه، لا إلى ذات ما زالت كما هي. ما لا نتذكره من تلك اللحظة لا ينتمي إلينا، حتى لو ظهر وجهنا فيه بوضوح.
الأمهات كن دائماً أكثر حكمة منا في هذا الجانب. كن يحتفظن بالصور كما يحتفظن بالأشياء الثمينة، لا لأنها جميلة فحسب، بل لأنها دليل على زمن لا يعود. لكن المفارقة أن هذا الدليل لا يعيدنا فعلاً، بل يضعنا أمام غربتنا عن أنفسنا. ننظر إلى الطفل الذي كنا عليه، فنشعر بشيء من الحنان، وربما بشيء من الحرج، وأحياناً بشيء من الإنكار. من هذا؟ هل كنت أنا حقاً؟
الذاكرة إذاً ليست مجرد وسيلة لاسترجاع الماضي، بل هي الخيط الذي يمنعنا من التفتت. من دونها، نصبح مجرد صور متناثرة، بلا رابط حقيقي. لكنها ذاكرة انتقائية، خادعة أحياناً، رحيمة أحياناً أخرى. تجعلنا نضحك على أخطائنا القديمة، أو نعيد تفسيرها بطريقة أقل قسوة. وفي الوقت نفسه، تترك مساحات واسعة للنسيان، كأنها تقول لنا بأن ليس كل ما حدث يستحق أن يبقى.
ما لا نتذكره لا يختفي تماماً، بل ينتقل إلى ذاكرة الآخرين، أو إلى الصور، أو إلى آثار غير مرئية في سلوكنا. هناك دائماً جزء منا يعيش خارج وعينا، محفوظ عند شخص آخر، أو في حكاية يرويها غيرنا عنا. وهنا تصبح الهوية شيئاً مشتركاً، لا ملكية فردية خالصة.
نحن لسنا دائماً نحن. هذه ليست عبارة شاعرية، بل توصيف دقيق لحالة إنسانية معقدة. كل مرحلة من حياتنا تخلق نسخة جديدة منا، تختلف قليلاً أو كثيراً عما سبقها. الصور تثبت هذه النسخ، لكنها لا توحدها. الذي يوحدها هو ما نتذكره، وما نختار أن نحتفظ به، وما نسمح له أن يشكل سرديتنا عن أنفسنا.
في النهاية، ربما لا تكون المشكلة في أننا نتغير، بل في أننا نبحث عن ثبات غير موجود. الصور تقول لنا إن هناك أنا ثابتة، يمكن العودة إليها، لكن حسب جوديث باتلر فـ»الجوهر متغير»، وما ينتج عنه مستقبلاً غير قابل للتنبؤ. الحقيقة تقول دائماً بأننا كائنات تدور دائماً في حالة حركة، في حالة تشكل مستمر. وما نسميه هوية ليس سوى قصة نرويها لأنفسنا، نحاول بها أن نجعل هذا التغير مفهوماً، أو على الأقل محتملاً.
ولهذا، حين تنظر إلى صورة قديمة، لا تسأل فقط من هذا، بل اسأل أيضاً: أي جزء منه ما زال في داخلي، وأي جزء رحل بلا رجعة. ربما عندها فقط، ستفهم أنك لم تكن يوماً شخصاً واحداً، بل كنت دائماً احتمالات عديدة، بعضها تحقق وبعضها بقي في الصور.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد