بين الجزائر وفرنسا: شاشة بلا ألوان

بين الجزائر وفرنسا: شاشة بلا ألوان

31-03-2026 12:16 AM

في كلّ مرّة نظنّ فيها أن العلاقات بين الجزائر وفرنسا سوف تعود إلى طريقها، ونحتمل مصالحة بين الطرفين، يحصل أمر يفرّق بين الجانبين. فكلّ بلد سحب سفيره من البلد الآخر، ومنذ عام ونصف العام تعمّقت الأزمة، وهي أزمة نلمس معالمها في الإعلام.
ففي الجزائر صار المشاهد يصادف أخبار فرنسا بالحجم نفسه ما يشاهده من أخبار عن الجزائر، لأن نشرات الأخبار التي يفترض أن تعنى بشؤون المواطن غيّرت بوصلتها، وجعلت من فرنسا مادة لها، ولا تكاد تخلو النّشرات من حديث عن باريس وأحوالها، إلى درجة نتخيّل فيها أن هذه المدينة صارت مقاطعة جزائرية.
وعندما نُصغي إلى أولئك المذيعين نتخيّل كذلك أن فرنسا تعيش على وقع انقسامات، وأنّها تخوض صراعات في الكواليس، وأن اليمين المتطرّف قد بسط هيمنته على قصر الإليزيه، فيشعر المشاهد بسوء فهم.
وعلى الضفّة الأخرى، لا تكّف وسائل إعلام محسوبة على اليمين الفرنسي، عن مهاجمة الجزائر، إلى درجة نتخيّل فيها البلاد قد صارت جحيما لا يصحّ العيش فيه. تبالغ في نقدها للجزائر وكأن لا هم لها سوى الإساءة إليها. ونسمع من مذيعيها كلامًا لا يتماشى مع الواقع.
إذن بين الفضائيات في الجزائر ونظيراتها في فرنسا انفتح باب كلام وتأويل وتهويل. والمبالغة وصلت ذروتها بين الطّرفين. يكفي أن يصدر مقال في صحيفة، لا يقرأها أحد، أو تغريدة في مواقع التواصل عن الجزائر، فيجري تأويلها في الدّاخل على أنّها معاداة للبلاد.
كما يكفي أن يصدر تصريح من شخص لا وزن له في الجزائر عن فرنسا، فيجري تأويل كلامه على أنّه موقف رسمي من البلاد. لقد دخلنا حوار طرشان بين الجانبين. كلّ واحد منهما يدّعي الحقيقة، ولا أحد يتحرّى المعلومة أو التّدقيق في الخبر. كلّ واحد منهما يشدّ طرف الحبل، ولا يودّ التّنازل عن نصيبه في تجييش الرّأي العامّ وكسب المتابعين وزيادة حجم المشاهدة.
وقبل أيام وصلت الأمور ذروة عندما سمعت واحدًا من المحللين السياسيين في الجزائر، وهو من النّوع الذي يطوف بين البلاتوهات من غير ملل، ولكي يكسر الملل هذه المرّة قرّر أن يخرج عن المألوف، أن يبتكر خصمًا جديدًا يتيح له جمهورًا من المتابعين، وبدل أن يحلّل الوضع من منظور سياسي، أن يتكلم بلغة الأرقام أو يعتمد على مصادر في تصريحاته، نشب مخالبه في أعناق المثقفين الجزائريين، متّهمًا إياهم بحصان طروادة، الذي تنفذ منه فرنسا إلى الجزائر. بدل أن يتكلّم هذا الخبير الاستراتيجي عن الساسة ودورهم في تهدئة الأمور، بدل أن يتحدّث عن نوّاب في البرلمان أو عن أصحاب المال، وماذا بوسعهم فعله في هذه الأيّام، بدل أن يسعى إلى إطفاء النّار، قرر إشعالها. وماذا ينتظر من المثقف أن يفعل؟ فالمثقف قد سُلب منه صوته في الجزائر، بالكاد تتاح له فرصة ظهور في الشاشة، لا سلطة له ولا مال، لن يستطيع لعب دور في رقعة السياسة، ولا قدرة له في تغيير قاطرة الدبلوماسية، مع ذلك يجد نفسه مدانًا. يجد نفسه متّهمًا رغم أنفه.
هذا المثقف الجزائري وإن اختار الصمت فسوف ينظر إليه كعميل، وإن ساير العقل والمنطق ودعا إلى حوار فسوف يصير عميلًا مرّة أخرى. إن سكت فهو عميل وإن تكلّم فهو عميل. في العادة ترادف كلمة مثقف أعماله الأدبية أو الفكرية، لكن في نظر بعض الألسنة التي تملأ الشاشات، في الصباح والمساء، فإنّ كلّ مثقف عميل، مهما فعل ينظر إليه بعين الرّيبة، كما لو أنّه السبب في ما يحصل من خصام بين الجزائر وفرنسا.
على منصّات «السوشيال ميديا» جرى فرز للمثقّفين، حسب الأهواء، فمن يُعادي فرنسا يصير محبوبا ويسمع المدائح، بينما من يحتكم إلى العقل يصير منبوذًا ويتعرّض إلى سيل من الإساءات. هكذا لم يعد النّاس ينظرون إلى المثقف الجزائري نظير نتاجه أو إصداراته، لأنّهم ببساطة لا يقرأون له إلا نادرًا، لكن يجري التعاطي معه بناءً على مواقفه السياسية. صار المثقف ملزماً بأن ينتعل حذاء لا يناسب مقاسه، بأن يرتدي عباءة الساسة وأن يساير أولئك المحللين الذين يطوفون بين الفضائيات. أن ينحاز ويرضى بقوانين اللعبة الجديدة، وإن اعترض أو نأى عن شروطها، فسوف يواجه الاتّهامات الجاهزة، بالعمالة والخيانة وما شابهها من مرادفات. وبات المثقف في الجزائر يعيش في عزلة غير مسبوقة، غير مسموح له بأن ينصرف إلى عمله وإلى كتاباته من غير أن يعترض طريقه حاجز، حيث بات عليه أن يؤدي الولاء حذر سمعته، أن يساير الآراء المهيمنة كي لا يجد نفسه في مقصورة المتّهمين.
أي أزمة دبلوماسية، ومهما طالت، فإن مآلها أن تبلغ حلًا، وتعود الأمور إلى مجاريها، وإلى ذلك الحين، يظلّ الحوار شرطًا من أجل الخروج بأقل الأضرار ومن أجل تخفيف النّزاع، وإلى ذلك الحين كذلك، لا يزال المثقف في الجزائر يراود جزيرة معزولة، ولا يسمح له ببلوغ اليابسة من دون أن ينخرط في أوركسترا التّصعيد والتهويل، غير مسموح له بأن يختار صفًا آخر، وهو صف الدّعوة إلى الحوار والتّعقّل.
مع أن المرحلة التي نمر بها، وفي ظلّ تصاعد الخصام بين الجزائر وفرنسا، وفي ظلّ التراشق بالكلام في فضائيات البلدين، فهي مرحلة تحتاج إلى موقف من المثقفين، أن يلعبوا دورهم كجسر في تقريب وجهات النّظر لا التّنفير فيما بينها، أن يكون المثقف خطّ الوصل من أجل تفادي موجة الكراهية التي ينزع إليها ساسة أو إعلامين، وهو دور صار محروما منه ومحرّما عليه، وبات عليه أن يتقمّص ما تفرضه عليه الجموع، وإن خالفها هذا المثقف، فسوف يسمع كلامًا مخلًا مثلما سمع من ذلك المحلل السياسي، الذي ابتكر على الشاشة عدوًا جديداً هو المثقف الجزائري، رغبة منه في الزّج به في خصومات لا تعنيه.

كاتب من الجزائر



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد