مضيق هرمز أم ترامب

مضيق هرمز أم ترامب

01-04-2026 12:33 AM

في زحمة التصريحات السياسية التي تتدافع على منصات الإعلام، قد تمر بعض العبارات وكأنها زلات لسان عابرة، لكن حين تصدر عن شخصية بحجم دونالد ترامب، فإن التوقف عندها يصبح ضرورة تحليلية لا ترفا فكريا. فترامب الذي حاول التراجع عن قوله: «مضيق ترامب… عفوا هرمز.. يجب أن يفتح»، لا يمكن قراءة كلماته خارج سياق مشروعه السياسي الأوسع، ولا خارج نمط تفكيره الذي اعتاد أن يصدم ليقود، ويستفز ليعيد تشكيل المشهد.
إن الحديث عن مضيق هرمز، ليس تفصيلا جغرافيا عابرا، بل هو حديث عن شريان الطاقة العالمي، وعن عقدة استراتيجية تتقاطع عندها مصالح القوى الكبرى. ومن هنا، فإن أي محاولة لإعادة تعريف هذا المضيق، لفظيا أو سياسيا، تعكس رغبة كامنة في إعادة صياغة قواعد اللعبة الدولية، لا مجرد تعليق إعلامي طارئ.
لقد دأب ترامب، منذ صعوده إلى المسرح السياسي، على تبني خطاب يتجاوز الدبلوماسية التقليدية، خطاب ينهل من مفردات القوة والهيمنة، ويستدعي في طياته ظلالا من التاريخ الاستعماري الذي سعى إلى السيطرة على الممرات الحيوية. وهذا ما يجعل من عبارته تلك أقرب إلى إعلان نوايا، حتى إن حاول تغليفها لاحقا بابتسامة عابرة أو تفسير ساذج. في هذا السياق، لا يمكن فصل هذه التصريحات عن التوترات المستمرة مع إيران، ولا عن السعي الأمريكي الدائم لضمان تدفق النفط عبر الخليج، من دون عوائق. فالمسألة هنا ليست مجرد حرية ملاحة، بل هي صراع على من يملك قرار الفتح والإغلاق، ومن يحدد قواعد المرور في هذا الشريان الحيوي. ولعل الأخطر في هذا الطرح، أنه يعيد إلى الأذهان نماذج تاريخية سعت فيها قوى عظمى إلى فرض سيطرتها على الممرات الاستراتيجية، من قناة السويس إلى مضيق ملقا، حيث كانت السيطرة تعني النفوذ، والنفوذ يعني القدرة على إعادة تشكيل الاقتصاد والسياسة معا. وهنا، تتجلى خطورة الانزلاق من خطاب «فتح المضيق» إلى منطق «امتلاك المضيق».
إن ما نشهده اليوم ليس مجرد جدل لغوي، بل هو انعكاس لتحولات أعمق في بنية النظام الدولي، حيث تتراجع القواعد متعددة الأطراف لصالح نزعات أحادية، تسعى إلى تعزيز مفاهيم مستحدثة. وفي هذا الإطار، تصبح الكلمات أدوات تمهيد، تمهد لما قد يكون قادما من سياسات أكثر صلابة، وربما أكثر تصادما. من هنا، فإن قراءة تصريح ترامب يجب أن تتم بعين ناقدة، لا تكتفي بظاهر العبارة، بل تغوص في دلالاتها وسياقاتها. فهو كما خبرناه، لا يخطئ كثيرا في اختيار كلماته، بل يختارها بعناية لتكون رسائل متعددة الاتجاهات، بعضها موجه للداخل الأمريكي، وبعضها الآخر موجه للعالم. وفي المحصلة، يبقى السؤال الأهم: هل نحن أمام زلة لسان عابرة؟ أم أمام مؤشر جديد على مرحلة قادمة من الصراع على الممرات الاستراتيجية، خاصة بعد الحديث عن خطوات إقليمية: كهندسة شرق أوسط جديد، وخط تجاري يربط الهند بالبحر المتوسط، وخطوات دولية كالسيطرة على ممر بنما، وجغرافيا غرينلاند؟ سؤال مفتوح، لكن التاريخ يعلمنا أن مثل هذه العبارات، حين تصدر عن أصحاب القرار، نادرا ما تكون بريئة أو بلا ثمن. الأهم أن يبقى أهل المنطقة هم أصحاب النفوذ، يستخرجون نفطهم ويبيعونه، ويشحنونه بحرية دونما تغوّل لأحد أو تضييق من أحد، أو استحواذ من أحد، فالملكة الفارسية التي سمي المضيق باسمها قد اندثرت منذ عقود طوال ولم يعد لعثرات التاريخ ونزواته أية فرصة بأن تعود، إذا ما قالت البشرية قاطبة: لا لإعادة توليد التاريخ بكامل بشاعاته. مضيق هرمز للجميع وليس لشخص أو منظومة يتظلل بخليج عربي وتاريخ من الانتماء والمال والثروة. فهل نرى في قادم الأيام، انتصارا لليوم أم عودة إلى دياجير الاستعمار ومفاعيله؟ ننتظر ونرى.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد