«فوق رأسي سحابة» .. تحوّلاتُ قاتلةٍ

«فوق رأسي سحابة» ..  تحوّلاتُ قاتلةٍ

30-03-2026 09:58 AM

حينما يترك أب ابنته عند ولادتها ويهاجر نهائيا إلى اليابان أبعد بلاد الله، ثم تهمل أمها تربيتها مشغولة بزيجاتها المتعددة المشبوهة، ملقية ابنتها بين أحضان جدة غير مهتمة، وبين أنياب خال تحرش بابنة أخته وهي في الثانية عشرة من عمرها، وحملت منه وهي في بداية مراهقتها، حينما يحدث كل ذلك لفتاة هشة معطوبة، هل نجد لها مبررا، إذا ما تحولت إلى قاتلة متسلسلة مستغلة وظيفتها كممرضة، وهي التي توصف بأنها ملاك الرحمة لتزرع الموت عبر إبرة مملوءة موتا؟ ذلك ما ترويه لنا الروائية دعاء إبراهيم في روايتها «فوق رأسي سحابة» الصادرة عن دار العين سنة 2024 والواصلة إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية.
يفاجئنا إهداء الرواية إلى «إيواوا هاكامادا» الملاكم المحترف الذي اعتقل بتهمة القتل وحكم عليه بالإعدام، وظل 48 عاما على لائحة الإعدام، قبل أن تُعاد محاكمته وتثبت براءته ويُطلق سراحه وهو بعمر 78 عاما، ولا نفهم سر هذا الإهداء حتى نصل إلى صفحات الرواية الأخيرة، لنرى توأما للملاكم تسميها الروائية «المرأة الماريونيت» المتهمة بترك صغيرتها تحترق فيحكم عليها بالإعدام غير أن براءتها تَثبتُ بعد عشرين عاما. وبين هذين الحدين السرياليين من سخرية الأقدار، تدور أحداث رواية «فوق رأسي سحابة».
وبعكس ما يتبادر إلى الذهن من العنوان، فالذي فوق رأسه سحابة هو شخص مبارك، حيث إن السحابة رمز للعطاء والخير، فمن صفات النبي أنه مظلل بالغمام، إلا أن العنوان يعطي السحابة مفهوما مغايرا، نستشفه من موضعين ورد فيهما العنوان بلفظه، فتمودا سان إحدى شخصيات الرواية المثقلة بمشاكلها الكبيرة والراضخة تحت تأنيب الضمير لانتحار زوجها، والبعيدة عن أولادها «أدركت أن الموقف أكبر من سفر أولادها وحنينها إليهم، أدركت أن فوق رأسها سحابة»، والأمر لا يختلف عند الممرضة نهى الشخصية الأساسية في الرواية حين تحدث نفسها وهي تحت أقدام المحقق في السجن «الحياة مؤذية للغاية، ليتني كنت مكانك أرتدي حذاءك، أركل به المجرمين أمثالي وألعنهم، لكنني للأسف ولدت وفوق رأسي سحابة، لا شمس مضيئة راعية»، حيث تأخذ السحابة في العنوان مدلول المصاعب والمصائب التي تحجب الشمس عن هذه المرأة المجبولة بالتعاسة والحظ العاثر منذ ولادتها، والتي حولها غياب الأب وإهمال الأم وانتهاك الخال لجسدها إلى وحش في ثياب بيضاء، ينفذ أوامر غراب دموي متخيّل بإنهاء حياة بشر لها بهم علاقة وطيدة، أباً، أماً، حبيباً.

نهى التي ترقت إلى أن أصبحت رئيسة ممرضات في مستشفى حكومي مصري، والتي أتقنت فن التكيف كـ»كائن هلامي كلما وضعوه في إناء أصغر اقتطع جزءا من جسده، وألقى به بعيدا ليعيش، من دون أن يبكي على أجزائه الكثيرة المقطوعة». نهى التي يحبها مرضاها وأهاليهم على السواء، تخفي وراء ابتسامتها وطيبتها وتعاطفها، قاتلا بدم بارد إلى حد أن الروائية نفسها اشتكت من انفصام بطلتها المرضي، في أحد حواراتها «الحالة النفسية المركبة للبطلة، تسببت لي في بعض أعراض القلق، مثل آلام الرقبة والصداع والتوتر، خصوصا أثناء كتابة مشاهد الاعتداء الجسدي ومشاهد الزنزانة»، مع أن الكاتبة في كل نصها لم تذكر أن نهى مريضة نفسيا، بل تركت القارئ يؤول كما يشاء تصرفات امرأة تعرضت لكل صنوف القهر والإذلال والتحرش والظلم، وبدل أن تندب حظها وتسكن جلد الضحية، حاكمت من تسببوا في مأساتها – ومن لم يتسببوا – وحكمت عليهم بالإعدام ونفذته بيدها، إلا مع أكثر من آذاها وأذلها خالها الذي اغتصبها.

الغريب أنها أفلتت بكل جرائمها ودفعت ثمن جريمة لم ترتكبها، حين اتهمت بدفع رفيقتها في السكن من النافذة وقتلها. وتبدو لنا نهى من خلال تصرفاتها شخصية تستمرئ جلد الذات، فحين قَتلت والدها بإبرة هواء في ذراعه ابتسم ولم يُبد جزعا وآلمها ذلك كثيرا، فقد كانت تؤثر أن ترى الخوف من الموت في وجهه، إلى حد أن أبكتها ابتسامته الوادعة «سالت من عيني دموع حين ظننت أنه تصالح معي وسامحني، لا أريد لأحد أن يسامحني». وجلد الذات يكشف عن شخصية مازوشية ترى أن «الألم مريح وقاتل، يهبك بعد لحظات خدرا لذيذا»، بل وصلت إلى درجة أنها لم تعد تأخذ الألم بمحمل الجد وتتلقاه كشربة دواء مرة لكنها شافية، وحين هددها محقق السجن أن يحرق وجهها بسيجارة وقربها كثيرا منها قالت «أنتظر اللحظة التي يطفئها في داخلي، لحظة ألم قادرة على إذابة أعصابي.. كأن للألم قوة غاشمة في إرعابي، ثم في جعلي أبتسم أنتشي أنتظر التهديد الجديد». هذه المازوشية تجلت مع خالها في ما يشبه «متلازمة ستوكهولم» حيث تطوّر الضحية مشاعر تعاطف وأحيانا إعجاب بجلادها، هذا الخال الذي وصفته بأنه «الوجود الذي تتمحور حوله حياتي»، وهي هنا تتحدث عن رجل تحرش بها وهي في الثانية عشرة من عمرها واغتصبها بعد ذلك رافعا صوت القرآن الكريم في الغرفة حتى لا تسمع جدتها، وحبلت منه وأسقطت حملها، وبدل أن تشتكيه كان يهددها «جدتك مش هتعرف حاجة طالما بتسمعي الكلام»، ولكن موته شكل غيابا كبيرا في حياتها التي تغيرت بدءا من مسارها المهني فتركت الحلم بارتياد كلية الطب إلى امتهان التمريض، وهذا القاضي والمجرم في الوقت نفسه تقول عنه ضحيته «لم أفرح لموته، والعجيب حقا أنني بكيت» فقد مات – للمفارقة – مبتسما مثل عباد الله الصالحين.

توظف دعاء إبراهيم من قصة قتل قابيل لأخيه هابيل عنصرين مركزيين: الغراب وقابيل نفسه، فالغراب الذي دل قابيل على كيفية دفن أخيه هابيل في القصص القرآني، يتحول إلى شخصية ناطقة تدفع نهى إلى القتل، سادا عليها باب الإفلات من ارتكاب جرائمها بجملة لا ينفك يرددها «لا مجال للهرب يا حبيبتي» بعد أن يخبرها بمن سيموت اليوم، وما عليها سوى تعجيل رحيله، وكأنه قدر لا مفر منه. وللمفارقة أيضا الغربان المرتبطة بالموت في بلداننا يراها اليابانيون طيورا نافعة كما يبدو من حوار نهى مع رفيقة غرفتها «بتشوفوهم فال وحش؟ – لا أبدا طيور نافعة – عمليون، نحن عاطفيون، الغربان في بلادنا مرتبطة بالموت». وحين هربت إلى اليابان معتقدة أنها تخلصت من وسوساته لحقها غراب الشؤم، ولكنه غدا أكثر شراسة، إلى درجة أن حرّض قابيل على قتلها حين صرخ في أذنه «ستموت اليوم، لولاها ما قتلتَ أخاك». أما قابيل فهو معادلها الموضوعي، ترى في نفسها أنها أخته التي أحبها قبل آلاف السنين، وتعلل الروائية حضور قابيل في نصها بأن له «أكثر من هدف: الربط بين الجريمة الأولى وما تلاها من جرائم، ومحاولة التنقيب في فطرة الإنسان، والتساؤل حول العلاقة المعقدة بين الحب والقتل» فتوظفه بصورة رمزية عجائبية «لتجسيد عقدة الذنب والخطيئة الأولى في التاريخ البشري».

للمكان حضوره في رواية دعاء إبراهيم، فإذا كنا نألف الفترة المصرية من حياة نهى، فرحلتها اليابانية رحلة اكتشاف للقارئ أيضا، حيث رسمت لنا الروائية صورتين متناقضتين تماما لهذا البلد القصي الذي نجهل عنه الكثير، فخلف النظام الذي يسود البلد والطرقات النظيفة والابتسامات الملتصقة بوجوه ساكنيه، وتجاور الحداثة والعراقة، من دون تنافر ترينا الروائية من خلال شخصيتها الأساسية وجها آخر مرعبا، أشبه بسجن فالياباني «محكوم بنظام يدهس كل من يفكر في الخروج عن القطيع…هو ابن الآلة نفسها حين يسير في الطرقات، ينفذ القانون والنظام اللعين»، وسكان هذا البلد الدقيق المتقن روبوتات يتشابهون في كل شيء كأنهم جميعا خرجوا من مصنع واحد، «يحترمون الطريق، الآخرين، الأوامر، عادات الأكل، الأساتذة، الزبائن، مديري العمل، الطابور، الآلهة الساكنة في الشوارع». أما سجونهم فأتعس من سجون الدول التوتاليتارية، تعذيب جسدي ونفسي وبطء في المعاملات، وكل هذا عانته نهى لجريمة لم ترتكبها، ولعل في ذلك عدالة إلهية عن الجرائم التي ارتكبتها.
قضايا كثيرة مررتها دعاء إبراهيم في طيات روايتها «فوق رأسي سحابة» مثل، عيادات الإجهاض وختان الإناث ومعاناة المسجونين والاغتصاب، كتبتها في سرد متدرج يعتمد على الفلاش باك والمونولوج الداخلي، والهذيان وتلاعبات الذاكرة، لتروي لنا حكاية امرأة ندينها لجرائمها بقدر ما نتفهمها وأحيانا نتعاطف معها، وننهي الصفحات المئتين وفي ذهننا تساؤل لا إجابة يقينية لدينا عليه: هل هذه المرأة ضحية أم جلاد؟

شاعرة وإعلامية من البحرين



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

مجلس النواب يقرّ معدّل قانون المنافسة بعد إعادته من الأعيان

يوديد البوتاسيوم ودوره في الوقاية من مضاعفات الإشعاع النووي

الأشغال تباشر أعمال صيانة لمدخل مدينة العقبة

إيران تؤكد مقتل قائد بحرية الحرس الثوري علي رضا تنكسيري

الطاقة الإيرانية: شبكة الكهرباء عادت مستقرة بعد الهجمات

منتخب النشامى لكرة القدم يلتقي نظيره النيجيري في تركيا الثلاثاء

بمشاركة الأردن .. اجتماع خليجي روسي لبحث تداعيات الاعتداءات الإيرانية

شحادة: خطط حكومية متدرجة لضبط الأسعار والتضخم في ظل تداعيات الحرب

غارة على ضاحية بيروت الجنوبية بعد إنذار إسرائيلي

قفزة جديدة على أسعار الذهب في السوق المحلية الاثنين

إسرائيل وإيران تتبادلان الضربات .. وترامب يتوقع اتفاقًا

بدء جلسة الكنيست للتصويت على مشروع قانون إعدام الأسرى

شحادة: لا اضطراب في سلاسل التوريد رغم الحرب

النقل البري تطرح عطاء لتقييم أنشطتها من الناحية التنظيمية والقانونية

بلدية غزة: دخول 10% فقط من الشاحنات إلى غزة منذ بدء حرب إيران