مدرسة العقد

مدرسة العقد

06-04-2026 02:54 PM

في بيوت البسطاء، لا تحتاج السياسة إلى شاشات ولا خرائط؛ يكفي فنجان قهوة وحديث عابر لتُختصر فيه أعقد التحليلات بجملة واحدة صادقة. وحين تختلط أخبار العالم بأحاديث المجالس، تولد حكايات صغيرة تحمل في طياتها فهمًا كبيرًا لما يدور حولنا. وبين دفء الجلسات العائلية وقلق الأخبار، تتشكل رؤى بسيطة لكنها عميقة، ترى العالم بعيون الناس لا بعدسات المحللين.

زيارة واحدة للحجّة في العقد تكفي لتخرج بتحليل سياسي متكامل، مدعوم بخبرة التمييز بين الأصوات. فبين فنجان قهوة لم يُشرب، وحديث عن مفاصل الركب، تُحسم أعقد القضايا بجملة واحدة: "بلدنا بخير." وفي زمن الحروب، قد يتحول حتى صوت "الغسالة" إلى صاروخ، وهنا تولد مدرسة تحليل لا تعتمد على الأقمار الصناعية، بل على الأذن القلقة والخيال الواسع؛ إنها مدرسة العقد.

لقد أصبحنا في زمنٍ اختلطت فيه النشرات الإخبارية بأحاديث المجالس، وأصبح المحلل السياسي داخل الدار قبل أن يكون ضيفًا على الشاشات. لم يعد غريبًا أن تتحول جلسة عائلية بريئة إلى غرفة عمليات مصغّرة؛ فالعالم اليوم يُدار أحيانًا بكبسة زر، وتُحسم فيه النقاشات بعبارات بسيطة مثل: "اسمعي يا خيتي"، وكأن الخرائط تُرسم على مسطبة العقد لا في أروقة السياسة.

قبل أيام، جاءت خالتي أم حسين لزيارة والدتي في الدار الفلاحية بالعقد. جلست خالتي على الكرسي بجانب تخت الحجّة قرب الصوبة. بادرتُ إلى صبّ القهوة السادة، فقالت: "أنا صائمة يا خالتي، زي ما بتعرفي، بصوم كل الاثنين والخميس."

وبعد تبادل السؤال عن الأحوال والأبناء والأحفاد، وكل من تربطه صلة قرابة بالعائلة، انتقل الحديث إلى الصحة ومشاكل الركب والمفاصل، مع استعراض "عبلة الماكنتوش" المليئة بالأدوية والمسكنات.

فجأة، انخفضت الأصوات، وتحول الحديث إلى همس. سمعت الحجّة تقول: "هيه الحرب مطوّلة يا خيتي بين هظول وهظولاك؟ والله صرت إذا بسمع صوت الغسالة أفكّره صاروخ، وكمان بطلنا نميّز بين صوت الرعد والصاروخ."

كانت خالتي تستمع باهتمام، كأنها محلل عسكري من الطراز الأول، يفوق تحليل "أبو زيد والدويري"، ثم نظرت إلى الحجّة بثبات وقالت بصوت خافت وواثق: "اسمعي يا خيتي، إحنا بخير، وبلدنا بخير. قيادتنا حكيمة، ومواقفنا ثابتة، وإحنا مش طرف بهاي الحرب ومحميين. وبتذكّر، يا خيتي، شيخ جامع العيزرية بحرب رمضان سنة ٧٣ قال: إحنا محميين، ومحوطين بمقامات الأنبياء والصحابة والأولياء." هنا فعلاً أدركت أن الأردن بلد مبارك، تحتضنه أرض مباركة، تحرسها ذكرى الأنبياء والصحابة والشهداء،في بلد الهاشمين.

وهنا تبدأ الكوميديا الحقيقية؛ فبين "صوت الغسالة" الذي قد يتحول إلى صاروخ في خيال الحجّة، وبين "التحليل الاستراتيجي" لخالتي، نجد أنفسنا أمام مدرسة جديدة في فهم الجغرافيا السياسية: مدرسة العقد.

مدرسة لا تحتاج إلى أقمار صناعية، بل يكفيها أذن مرهفة، وقلب قلق، وذاكرة تختلط فيها حروب الأمس بأصوات اليوم.

أما المقارنة بين صوت الرعد والصاروخ، فليست مجرد طرفة، بل تلخيص لحالة الإنسان حين تتداخل عليه الأخبار، فيصبح الطقس نشرة عسكرية، والنشرة العسكرية نشرة طقس.

ثم تأتي لحظة الحسم؛ لحظة "التحليل العميق" التي تتفوق فيها خالتي—بكل بساطة وثقة—على كبار المحللين. فبينما ينشغل الخبراء بالأرقام والخرائط، تحسم هي المشهد بجملة واحدة: "بلدنا بخير."

وفي ختام هذا المشهد، لا يسعنا إلا أن نقف أمام هذا اليقين الشعبي الذي لا تهزه العواصف؛ ذلك الإيمان الراسخ بأن الأردن سيبقى بخير، وأن قيادته تمضي بحكمة وثبات، تستند إلى تاريخ عريق وجذور ضاربة في عمق الأمة.

وهكذا، بين دعابة الحجّة وثقة خالتي، تتجلى حقيقة أكبر: أن في هذا البلد روحًا لا تُقهر، وأن الطمأنينة فيه ليست مجرد شعور، بل عقيدة متوارثة، تحرسها الحكمة ووعي المواطن، وتباركها الأرض بما تحتضنه من تاريخ وقداسة.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

البوتاس العربية تنعى رئيس مجلس إدارتها ومديرها العام الأسبق المهندس عيسى أيوب

ترامب: قرار استئناف الحرب أو الاتفاق مع إيران قد يُحسم الأحد

106 مليون استثمارات في 92 مشروعًا خلال الربع الأول

المناطق التنموية: 3 دنانير تذكرة دخول شاطئ البحر الميت للأردنيين

العيسوي: الأردن يستمد قوته من حكمة الملك ووعي شعبه وبسالة جيشه

الهاشمية تحصد إنجازًا نوعيًا في IEEE بتميّز بحثي في الروبوتات الجراحية الذكية

القبض على 3 متورطين بالاعتداء على أب وأبنائه في إربد والأمن يلاحق آخرين

صدور النظام المعدل لنظام إجازة المصنفات المرئية والمسموعة لسنة 2026

إيران تقول إنها في مرحلة إنجاز إطار تفاهم مع الولايات المتحدة

وزير الأشغال: تقنيات حديثة لرصد مخالفات الحمولات المحورية على الطرق

حزب الله: تلقينا رسالة من عراقجي تؤكد عدم توقف دعم طهران

ترامب ينشر صورة لخريطة إيران بعلم الولايات المتحدة

وزير الأوقاف: نبذل كل جهد ممكن لخدمة الحجاج وتذليل العقبات

روبيو يتحدث عن فرصة لقبول إيران ابرام اتفاق مع الولايات المتحدة

أولويات ترامب تهزّ صفوف الجمهوريين في مجلس الشيوخ

تصريح الأميرة رحمة عن “أني أولادي من إربد” يشعل التفاعل ويحقق انتشاراً واسعاً .. شاهد الفيديو

الأردنيون العائدون من الكونغو وأوغندا يخضعون لحجر 21 يوما

سعر الذهب محلياً الجمعة

أسعار الأضاحي ترتفع والروماني يتجاوز البلدي لأول مرة

تحذير للأردنيين من صور وفيديوهات تهدف إلى ابتزازهم

مع الزيادة السنوية .. موعد صرف رواتب متقاعدي الضمان

لاول مرة دينا تفضح كواليس زيجاتها وتعلن الحياة اجمل بدون رجل

توحيد ودمج المؤسسة الاستهلاكية المدنية بالمؤسسة الاستهلاكية العسكرية

بيان من هيئة النزاهة حول تصريحات النائب العماوي

بعد انتشار إيبولا .. مهم بشأن إدخال العاملات للمملكة

عرض مسرحي تربوي في ماركا يدعم التعليم الدامج وتمكين الطلبة

أميركا : استنفار أمني عقب مجزرة بمركز إسلامي .. تفاصيل

إعلان نتائج انتخابات اتحاد طلبة جامعة العلوم والتكنولوجيا .. أسماء

أضرار طفيفة في عدة منازل جراء سقوط مسيّرة بجرش

حسام السيلاوي يعلن اعتزال الغناء نهائياً بعد إصدار ألبومين أخيرين