لبنان: حيث تصبح الزيارة الأخيرة بلا موعد والموت بلا قصد

لبنان: حيث تصبح الزيارة الأخيرة بلا موعد والموت بلا قصد

09-04-2026 12:48 AM

في لبنان، لا تحتاج المآسي إلى مقدمات طويلة. يكفي أن تتقاطع حياة بسيطة مع لحظة غير محسوبة، حتى تنقلب كل المعادلات. في عين سعادة، لم تكن العمارة التي استهدفت مجرّد مبنى سكني عادي، إنما كانت مساحة لحياة يومية، تتشكّل بهدوء، بعيداً عن صخب البيانات السياسية.
الغارة لم تكن عشوائية. كانت ضربة مقصودة، ضمن سياق أمني أكبر، هدفها شخص محدد. لكن، كما يحدث كثيراً في الحروب، لم تتوقف النتائج عند حدود الهدف.
بيار معوض، المسؤول في حزب القوات اللبنانية، لم يكن هو المقصود بهذه الضربة. لم يكن اسمه في حساباتها، ولا في بنك أهدافها. ومع ذلك، أصبح في قلبها. قتل ومعه زوجته وجارتهما.
ثلاثة أشخاص، لم يكونوا جزءاً من الهدف المعلن، لكنهم أصبحوا ضحاياه. ما لا تقوله الروايات العسكرية، وما لا تختصره الأخبار السريعة، هو أن هذه الحكاية بدأت بلحظة إنسانية بسيطة. زيارة معايدة. جارة دخلت البيت لتقول كلمة طيبة، لتشارك لحظة عادية جداً، لا تحمل أي ثقل، ولا أي دلالة خارج إطارها الإنساني. لكن في هذا البلد، حتى اللحظات العادية لم تعد محمية.
حين سقط الصاروخ، لم يكن يميّز بين من كان هدفاً ومن كان قريباً من الهدف. لم ير أن هناك امرأة جاءت لزيارة، ولا أن هناك بيتاً كان يعيش تفاصيله اليومية قبل دقائق. لم ير سوى نقطة على الخريطة.
وهنا، تتكثّف المأساة. ليست فقط في أن يقتل إنسان، بل في أن يقتل لأنه كان في المكان نفسه. لأن حياته تقاطعت، صدفة، مع لحظة قرار لا علاقة له بها.
في الحروب الحديثة، يقال الكثير عن «الدقّة». تستخدم هذه الكلمة كأنها ضمانة، كأنها وعد بأن الأذى يمكن احتواؤه. لكن الواقع، في كل مرة، يثبت عكس ذلك.
لأن الخطأ هنا ليس في الإصابة، إنما في المعنى.
حين تستهدف عمارة، ويقال إن الهدف لم يكن هذا الشخص أو ذاك، لا يخفّف ذلك من وطأة الفقد. إنما يجعل السؤال أكثر إلحاحاً…. ماذا يعني أن تكون حياتك قابلة لأن تمحى، فقط لأنك كنت قريباً من شيء لم تكن جزءاً منه؟
في لبنان، هذا السؤال لم يعد نظرياً.
مع كل تصعيد، تتقلّص المسافات بين الهدف والحياة اليومية. لم يعد هناك خط واضح يفصل بين الاثنين. فالبلد بأكمله أصبح مساحة رمادية، يمكن أن تتحوّل في أي لحظة إلى نقطة استهداف. وهذا ما يجعل الخسارة أكثر قسوة.
لأنها لا تكون نتيجة خيار، ولا نتيجة انخراط مباشر، بل نتيجة قرب. قرب جغرافي، أو اجتماعي، أو حتى صدفة زمنية.
بيار معوض لم يكن هدفاً. لكن موته لا يقلّ ثقلاً عن أي هدف. زوجته لم تكن جزءاً من أي حساب. لكن غيابها يكسر حياة كاملة. والجارة، لم تكن سوى زائرة. لكن حضورها في تلك اللحظة كان كافياً ليصبح آخر حضور.
في هذا البلد، تتكرّر هذه الحكايات بطرق مختلفة، لكن الجوهر يبقى واحداً. الإنسان هو الحلقة الأضعف في كل معادلة لأنه خارج الحسابات.
السياسة تحدّد الأهداف، والحروب تنفّذها. لكن الحياة، هي التي تدفع الثمن.
وربما، ما يجعل هذه المأساة أكثر إيلاماً، هو بساطتها. لم يكن هناك مشهد درامي معقّد. لم يكن هناك سياق استثنائي. فقط بيت، وزيارة، ولحظة عادية جداً، تحوّلت إلى نهاية.
في لبنان، اعتاد الناس أن يكملوا حياتهم رغم كل شيء. أن يذهبوا إلى بعضهم، أن يحافظوا على عاداتهم، أن يتمسّكوا بتفاصيلهم الصغيرة كنوع من المقاومة. لكن في كل مرة يحدث شيء كهذا، يتسلّل الشكّ إلى هذه التفاصيل.
لكن ما يبقى، دائماً، هو الذاكرة. ألا يتحوّل بيار معوض إلى مجرّد اسم في خبر. ولا زوجته إلى رقم. ولا جارتهما إلى تفصيل عابر.
أن تبقى الحكاية كما هي، ثلاثة أشخاص، وثلاث حيوات، وثلاث نهايات لم تكن مقصودة… لكنها حدثت.
وفي بلد يشبه لبنان، يبدو أن ما لا يكون مقصوداً، هو ما يحدث أكثر من غيره.

في ظلال الموت

في بيروت، المدينة التي اعتادت أن تخفي جراحها تحت ضجيجها، يأبى الموت أن يرفع ظلاله عنها. أحياناً، يمرّ كظلّ عابر، كخبر يقرأ سريعاً بين قهوتين، أو كصورة تبهت في زحمة الأخبار. لكن خلف كل ظل، هناك حياة كاملة، كانت تمشي على قدميها، تضحك، تنتظر، وتؤمن، ولو قليلاً، أن الغد قد يكون أقل قسوة.
في منطقة الجناح، حيث تتجاور الأبنية كأنها تتكئ على بعضها من شدّة التعب، لم يكن محمد أحمد الحاج وعلي محمد نور سوى شابين يبحثان عن شيء بسيط… عن حياة قابلة للعيش. سبع سنوات في لبنان لم تكن بالنسبة لهما مجرد إقامة مؤقتة، إنما محاولة جادّة لخلق معنى في مكان لا يشبه البدايات، لكنه قد يمنح فرصة للاستمرار.
تركا السودان، لا حباً بالرحيل، إنما هرباً من واقع يضيق بأهله. الحرب هناك لم تترك لهم خياراً، كما لم تترك لهم الوقت ليتساءلوا كثيراً. في مثل هذه اللحظات، يصبح الرحيل فعلاً غريزياً، أشبه بمحاولة إنقاذ ما تبقّى من الذات. يصل الإنسان إلى بلد جديد وهو يحمل معه خوفاً قديماً، حنيناً ثقيلاً، وأملاً صغيراً، عنيداً.
في بيروت، وجدا ما وجده كثيرون قبلهما…عملاً متعباً، حياةً محدودة، وواقعاً لا يَعِد كثيراً. ومع ذلك، استقرا. تعلّما الشوارع، حفظا الوجوه، وصار لهما مكاناً، وإن كان هشّاً، في هذه المدينة. كانا مثل آلاف العمال الأجانب الذين يمرون في حياة المدن دون أن تلتفت إليهم العيون طويلاً. وجودهم ضروري، لكن حكاياتهم غالباً ما تبقى على الهامش. ثم، في لحظة واحدة، تغيّر كل شيء.
الغارة التي استهدفت المنطقة لم تفرّق بين من جاء من بعيد ومن ولد هنا. الموت، في مثل هذه اللحظات، لا يسأل عن الجنسيات ولا عن الأسباب التي دفعت الناس إلى هذا المكان. خمسة أشخاص قتلوا، وخمسون جرحوا. أرقام تضاف إلى أرشيف طويل من الألم. لكن بين هذه الأرقام، كان هناك اسمان… محمد وعلي.
ربما لم يعرفهما كثيرون، ولم يكتب عنهما قبل هذا الخبر. لكن هذا لا ينقص شيئاً من ثقل الغياب. لأن الغياب لا يقاس بعدد من يعرفك، إنما بحجم الحياة التي كنت تحملها داخلك.
أصدقاؤهما الذين شيعوهما لم يتحدثوا بلغة السياسة. لم يناقشوا خلفيات الصراع ولا توازنات القوى. كانوا فقط يحاولون أن يفهموا كيف يمكن لحياة نجت من حرب أن تنتهي في حرب أخرى. كيف يمكن لإنسان أن يهرب من الموت، ليجده ينتظره في مكان ظنّه آمناً، أو على الأقل، أقل خطراً. هنا، تتكثّف المأساة.
ليست فقط في الموت، بل في تكراره. في كونه يلاحق نفس الأشخاص، بأسماء مختلفة وأماكن مختلفة، لكن بالقسوة نفسها. كأن بعض الناس محكومون بأن يعيشوا على هامش الأمان دائماً، وأن يبقوا أقرب إلى الخطر من غيرهم، مهما ابتعدوا.
العمال السودانيون في لبنان ليسوا رقماً صغيراً. هم جزء من نسيج يومي غير مرئي. يعملون في الظل، في البناء، في الخدمات، في الأماكن التي لا تذكر كثيراً. يعيشون في مناطق مكتظة، في ظروف لا تحتمل الكثير من الصدمات. ومع ذلك، يستمرون لأنهم لا يملكون ترف التوقّف.
ما حدث في الجناح لم يكن حادثة معزولة. هو انعكاس لعالم يزداد قسوة على الفئات الأكثر هشاشة. عالم تصبح فيه النجاة مسألة حظ أكثر منها حقّاً. وحيث يطلب من البعض أن يبدأوا من الصفر مراراً، دون أن يمنحوا الوقت الكافي ليقفوا بثبات.
في مثل هذه القصص، هناك دائماً سؤال مؤلم: ماذا كان يمكن أن يحدث لو؟
لو لم يغادرا السودان؟ لو لم تستهدف الغارة تلك المنطقة؟ لو كانا في مكان آخر، في وقت آخر؟ أسئلة لا تغيّر شيئاً، لكنها تكشف هشاشة الواقع الذي نعيش فيه. واقع يمكن أن ينقلب في لحظة، دون إنذار، ودون عدالة واضحة.
ومع ذلك، يبقى هناك شيء يقاوم هذا العبث: الذاكرة.
أن نكتب عن محمد وعلي، ليس فقط لنحصي خسارة، بل لنمنحها معنى. أن نقول إنهما لم يكونا مجرد ضحيتين، كان لهما اسم، ووجه، وحياة. أن نحاول، ولو بالكلمات، أن نعيد لهما جزءاً من الحضور الذي سلب منهما.

٭ كاتبة لبنانيّة



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

لبنان: حيث تصبح الزيارة الأخيرة بلا موعد والموت بلا قصد

تمارين لا بدّ منها لاكتمال الهزيمة

العالم بحاجة إلى أمثال «دون كيشوت»

يا لها من مباراة .. ويا له من بايرن

أتلتيكو يصعق برشلونة في الكامب نو بثنائية قاتلة في دوري الأبطال

182 شهيداً في حصيلة غير نهائية لأعنف غارات إسرائيلية على بيروت .. فيديو

ترامب يعلن فرض رسوم جمركية 50% على أي دولة تمد إيران بالسلاح

توقيف نحو 200 شخص في تركيا بعد الهجوم على القنصلية الإسرائيلية

إيران تغلق مضيق هرمز بالكامل وناقلات النفط تعود أدراجها

حسان يؤكد تضامنه مع لبنان ورفض العدوان الإسرائيلي

ترامب يهشم صورة أميركا : جيوسياسية "هرمز" .. والدول الوسطاء تفرض كلمتها

البيت الأبيض: ترامب يضغط لمعاودة فتح مضيق هرمز دون رسوم

الإمارات تطالب بـمساءلة إيران وتعويض عن الأضرار والخسائر

قاليباف: ثلاثة انتهاكات لمقترح النقاط العشر تقوّض وقف إطلاق النار

إعادة فتح الأماكن المقدسة في القدس اعتبارًا من الخميس