حين نقاتل في الفراغ: كيف يُدار الانقسام وتُهدر القوة في العالم العربي.

حين نقاتل في الفراغ: كيف يُدار الانقسام وتُهدر القوة في العالم العربي.

11-04-2026 09:55 PM


دعونا نعترف بصدق مؤلم: نحن نقاتل في الفراغ، لم تتحرر فلسطين، ولم نستطع حماية غزة كما ينبغي، ولم نتفاوض أو نكسر قيد الأسرى الذي يتجاوز عددهم 10,000 أسير، ولم تتحول لحظات الصمود إلى إنجازات استراتيجية تراكمية، صحيح أن روح المقاومة حاضرة، وأن الصمود بطولة لا يمكن إنكارها، لكن البطولة حين تُعزل عن مشروع جامع، تتحول إلى فعل معلق في الهواء، بلا أثر حاسم، كقوة تُستنزف دون أن تُستثمر.

لماذا نقاتل في الفراغ؟ لأننا منقسمون على أنفسنا، لا كحالة طارئة، بل كنمط مُدار ومُعاد إنتاجه. في لبنان، تتآكل الدولة تحت وطأة تعدد مراكز القرار، وفي سوريا، لم تستعد الدولة وحدتها الوظيفية وفي اليمن، تحولت الجغرافيا إلى خطوط تماس، وفي العراق، تتقاطع الدولة مع قوى موازية، وفي السودان وليبيا، ما تزال السلطة مشروع صراع لا مشروع بنا،، هذا ليس مجرد ضعف داخلي، بل نتيجة تفاعل معقد بين البنية الهشة والتدخلات الإقليمية.

وهنا يجب أن نقول الحقيقة بوضوح: إن أدوار إقليمية، وعلى رأسها إيران، أسهمت—رغم خطابها الداعم لقضايا المواجهة—في تعميق الانقسامات داخل عدد من هذه الدول عبر بناء نفوذ مواز للدولة، قائم على منطق الجماعات لا منطق المؤسسات، والنتيجة لم تكن تحرير ولا استقرار، بل “توازن هش” يُبقي الجميع في حالة اشتباك منخفض الحسم، عالي الكلفة.

هذا النمط من “إدارة الانقسام” يخلق بيئة مثالية لما يمكن تسميته بالفراغ الاستراتيجي: قتال بلا مركز، وقرار بلا سيادة مكتملة، وتحالفات ظرفية لا تُنتج قوة مستدامة، في مثل هذه البيئة، تُستنزف الطاقات في صراعات داخلية أو بالوكالة، بينما تتآكل القدرة على تحقيق أهداف كبرى.

لكن المأزق لا يتوقف عند السياسة، فمن ناحية اقتصادية، أُهدرنا فرص تاريخية كان يمكن أن تعيد تشكيل ميزان القوة في المنطقة، خلال العقود الماضية، راكمت دول الخليج صناديق سيادية تتجاوز قيمتها 5 تريليونات دولار، كان بالإمكان توجيه جزء من هذه الموارد—حتى 10% فقط—نحو استثمارات إنتاجية في بلاد الشام ومصر، بما يعادل 500 مليار دولار، كفيلة بخلق ملايين الوظائف وخفض بطالة الشباب التي تتجاوز 25% في بعض الدول.

لو تحقق ذلك، لكانت المنطقة اليوم تمتلك بنية تحتية مختلفة تماما: عبر ممرات لوجستية برية تربط الخليج بالمتوسط، وشبكات سكك حديد حديثة، وموانئ متكاملة، وسلاسل إمداد إقليمية تقلل الاعتماد على نقاط الاختناق مثل مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية، هذا ليس افتراض نظري؛ بل نموذج رأيناه في تجارب دولية أعادت بناء نفوذها عبر الاقتصاد قبل السياسة.

إن أخطر ما نواجهه اليوم ليس الفقر في الموارد، بل سوء توظيفها، لقد تعاملنا مع الجغرافيا كقدر ثابت، لا كأداة قوة قابلة لإعادة التشكيل، ومع الاقتصاد كملف داخلي، لا كذراع استراتيجية للأمن القومي، وهنا يتقاطع الفشل الاقتصادي مع العجز السياسي ليُنتجا معا هذا “الفراغ” الذي نقاتل فيه.

أزمة الثقة التي تضرب المنطقة—بين المواطن والدولة، وبين الدول بعضها ببعض—ليست عرض جانبي، بل نتيجة مباشرة لهذا المسار. فحين تغيب الرؤية المشتركة، ويُستبدل التنسيق بالتنافس، يتحول كل طرف إلى جزيرة معزولة، حتى لو كان الثمن إضعاف الجميع أمام تحديات مشتركة.

ومع ذلك، فإن الاعتراف بأننا نقاتل في الفراغ ليس دعوة لليأس، بل لحظة وعي حاسمة، فالمشكلة ليست أننا نقاتل، بل أننا لم نبنِ بعد شروط النصر: وهذه الشروط تقوم على دولة متماسكة، واقتصاد متكامل، وقرار مستقل، ورؤية تتجاوز ردود الفعل إلى صناعة الفعل، حينها فقط، يمكن أن يتحول الصمود من بطولة معزولة إلى قوة تغيير حقيقية، وأن يصبح القتال فعل ممتلئ بالمعنى، لا صدى يتردد في الفراغ.


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

الصفدي يبحث مع مسؤولين إستونيين توسيع التعاون في التكنولوجيا والاستثمار

الاتحاد الأردني: السميري أجرى عملية جراحية ناجحة في وتر العرقوب

اتحاد كرة القدم: طرح تيشيرت المنتخب الوطني بالأسواق في 23 أيار

بحث سير العمل في المشاريع الزراعية بالكرك

ميسي ورونالدو يستعدان للرقصة الأخيرة في كأس العالم 2026

بني مصطفى ترعى احتفال جمعيتي قلقيلية وتلاع العلي بعيد الاستقلال

من الاجتهاد إلى القمة .. أنس الرواشدة ينال الدكتوراه في جراحة القلب والشرايين

العيسوي: رؤية الملك رسخت مكانة الأردن صوتاً للحكمة والاعتدال بالمنطقة والعالم

سلسلة غارات إسرائيلية على جنوب لبنان غداة تمديد الهدنة

أعضاء مؤتمر فتح يدلون بأصواتهم لانتخاب قيادة جديدة للحركة

ترامب: الرئيس الصيني متفق معي في ضرورة فتح مضيق هرمز

إيران على تواصل مع دول أوروبية بشأن مرور سفنها عبر هرمز

حسن سالم يحرز فضية في منافسات بطولة آسيا للملاكمة للناشئين

وزارة الثقافة تعلن عن فعاليات احتفالات عيد الاستقلال الـ80

الأردن يحرز فضية بكرة الطاولة في بطولة سلوفينيا البارالمبية