التلفزيون الصغير والتلفزيون الكبير: لمن الغلبة في الجزائر

التلفزيون الصغير والتلفزيون الكبير: لمن الغلبة في الجزائر

21-04-2026 10:02 AM

ولدت الصحافة المكتوبة في الجزائر بتنوّعها، فلم تقتصر على حيّز دون الآخر، بل ظهرت مطبوعات في الجزائر العاصمة وأخرى في قسنطينة، شرق البلاد، وغيرها في وهران غرب الجزائر، فقد كانت صحافة يقظة تصغي إلى المواطن وتتحاور معه، تتوجّه إليه ويطالع فيها صدى لما يجري من حوله، تتوزع بين مناطق الوطن من غير حرج، تغطي ما حصل فيه دون الإعلاء من شأن جهة دون غيرها، كانت متوازنة في نبرتها وفي سياق عملها، على العكس من التلفزيون، الذي عانى من عطب المركزية، بل يكاد يرتبط بالأذهان بمكان واحد، وهو عاصمة البلاد. يتجل خلل المركزية لا سيما في شهر رمضان، حيث البرامج تضبط على إيقاع وسط البلد وحسب مواعيده في ساعة الإفطار، بما يضطر النّاس إلى تعجيل الإفطار أو تأجيله بناءً على مواعيد العاصمة، كما أنه تلفزيون حكومي ومركزي تطغى عليه لهجة عاصمية إلى درجة نظنّ فيها أنها اللهجة الوحيدة في الوطن، وتلغي غيرها من اللهجات.
ومن المتغيّرات اللغوية الأخرى، فهو لم يبال بالتعدّد الذي تحيا فيه البلاد، نادرًا ما كان يبثّ برامج تتلفظ بلهجات أخرى، وإن أدرجها فإنما في صيغ الفكاهة، فهو تلفزيون وطني لكنه يختصر الوطن في جهة بعينها.
كما إن الصحافيين في أرجاء البلاد اقتنعوا أن من يود الالتحاق به فلا بدّ أن يقيم في العاصمة لا غيرها، أن يتعلم لهجة ساكنتها ويتخلّى عن ذاكرته، أن يصير أكثر عاصمية من العاصميين أنفسهم. لكن منذ سنين قليلة طرأت مغامرة جديدة في المشهد الإعلامي، وهي فضائية تلعب دورًا في كسر الهيمنة المركزية وفي إعادة النّظر في التوزيع الجغرافي للتلفزيون، نقصد منها: قناة الباهية. وهي قناة على الرّغم من صغر حجمها، بغض نظر على محدودية الوسائل المتاحة لها، فقد وجدت لنفسها موطئ قدم في مشهد إعلامي متحوّل ويتّسع في كلّ مرّة.
هذه القناة التي تتّخذ من وهران بيتًا لها أفلحت بأن تصير صوتًا لغرب البلاد، مستعينة بلهجة مشاهديها، في محلية لا تغفل عن الانفتاح على متلقٍ من خارج فضائها، تكيّف برامجها بما يريح العين وكذلك ذهن مشاهديها، لا تتماهى مع المركز بل تكسر منطق الاحتكار، تراهن على الخصوصية التي تعيش فيها، تستضيف أشخاصًا من بيئتها، وإن كانوا من خارجها فإنّها تضعهم في سياق كلام يتوجه إلى جمهور من غرب الجزائر، تهتم بما يدور من حولها من تراث ومن ثقافة، وتحوّلت إلى قاعدة في أرشفة موسيقى الرّاي، وهذه نقطة تحسب لها، فهذه الموسيقى التي تفتقد للأرشيف، إلى الحوارات المصوّرة وإلى الشهادات باتت لها قاعدة بيانات بفضل قناة الباهية، التي تنتج مسلسلات يتلاقى فيها ممثلون من خريجي المسرح الجهوي في وهران أو المناطق المجاورة لها، إنّها قناة تعيد الرّوح إلى الإعلام الجزائري، تخرجه من لهجته العاصمية، لا تغرق في الإثارة ولا تهتمّ بسباق الأرقام واعداد المشاهدين مثلما تفعل شقيقاتها، ليست معنية بمنافسة سلبية بل تنافس نفسها، بأن تصير محطة وطنية بثوب محليّ، وهذا ما يؤكد خصوصيتها، لا تنافس التلفزيون الحكومي، بل تحتل الفراغات التي يتركها هذا التلفزيون، لا تفتعل الصورة ولا الحديث، بل تكتفي بعفوية مذيعيها أمام الكاميرا، وحضورها صار أساسيًا، فقد انطلقت من ثيمات محلية، في التوجه إلى جمهور محدود، لكنها شيئًا فشيئًا وجدت نفسها في بؤرة اهتمام عامّ، فليس شرطًا أن يكون مشاهدًا من وهران كي يتلفت إليها، بل جمهورها يصل إلى أقصى غرب البلاد وشرقها، بما يحيل إلى أن قناة جهوية من شأنها أن تصير منافسا وطنيا في حال حافظت على منطقها، ولم تركض خلف التشبه بغيرها، لا تلبس ثوبًا أكبر من مقاسها.
هكذا تصير قناة محلية في نشأتها، ذات طابع يتوجه إلى المنطقة التي تنتمي إليها، تصير بسعة قناة وطنية في ملامسة القطر الجزائري بأكمله، فهي لا تنحو إلى الإلمام بكلّ شيء ولا تدّعي أنّها تغطي كلّ الأحداث، بل راهنت على بعدها القريب، وأن تكون بالقرب من المشاهدين في وهران وما جاورها في الغرب الجزائري، وهذا الأمر زاد من انتشارها، ومن توسع الإقبال عليها. إنّ قناة الباهية تمثل نموذجًا يستحق أن يقتدى به في الإعلام الوطني، فماذا يمنع أن تنشئ قناة مشابهة لها في قسنطينة تعنى بشؤون شرق البلاد؟
وأخرى في الجنوب تتوجّه إلى ساكنة الصحراء وما جاورها؟ هكذا يخرج الإعلام من الرّوتين ومن الرطانة، يتحرّر من قبضة مركزية دامت طويلًا، يتكرس كصوت للإنسان بغض النظر عن بيئته أو لهجته أو المنطقة التي يسكن فيها. لأن المنافسة حقّ للجميع، وقناة الباهية وعلى الرّغم من صغرها حجمها فقد تمكنت من دخول حيز المنافسة، تلفزيون صغير ينافس التلفزيون الكبير، يوسع النظر في جغرافيا البلد مترامية الأطراف، على الرّغم من قلّة الإمكانيات التي تتوافر عليها، على الرّغم من قلة الدّعم مقارنة بالقنوات التي تتخذ من عاصمة البلاد مقرا لها.
إن هذا التلفزيون الصغير، والذي أراد لنفسه مكان تحت الشمس قد بلغ ما يرجوه أو أكثر، بأن ينطلق من الهامش ثم يحتلّ موقعًا في مزاحمة المركز، من غير أن ينحرف عن هويته البصرية ولا يتنازل عن هويته في التحرير، لم يلتفت إلى الضجيج الذي يدور في المركز، مركزًا على منطقة بعينها، وهذا التوجه الضيق الذي بدأ منه أوصله إلى فضائية تحظى بمشاهدة من الجزائريين كلّهم.

٭كاتب من الجزائر



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد