العقل وحده لا يضمن الهداية
29-05-2026 11:47 AM
ليس أخطر على الإنسان من عقلٍ يظنّ أنه مكتفٍ بذاته. فالعقل، رغم عظمته، يبقى أداةً للتمييز والتحليل والاستنباط، لكنه لا يحمل في داخله معيار الخير والشر بصورةٍ مطلقة. إنه يشبه سفينةً متطورة تمتلك القدرة على الإبحار، لكنها لا تعرف وجهتها إن غاب عنها النجم الذي يهديها. ولهذا لم يكن السؤال الحقيقي عبر التاريخ: هل الإنسان عاقل؟ بل: أيُّ مرجعيةٍ تُحيط بعقله وتوجّه حركته؟ لأن العقل قد يبني حضارة، لكنه قد يبني معها آلةَ طغيانٍ أيضًا، وقد يفتح أبواب العلم، لكنه قد يفتح معها أبواب الهيمنة والغرور إذا انفصل عن ميزانٍ أعلى يضبطه.
ولهذا كانت قصة إبليس من أعمق القصص القرآنية في كشف حدود المنطق العقلي حين ينفصل عن الحكمة الإلهية. فإبليس لم يكن جاهلًا بوجود الله، ولم يكن فاقدًا للقدرة على التفكير؛ بل جادل بمنطقٍ ظاهره متماسك: ﴿خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾. لقد بنى موقفه على معيار التفوق المادي والأقدمية والتميّز، لكنه أخطأ في "الميزان" نفسه. هنا تظهر المعضلة الكبرى: ليس كل استدلالٍ عقلي يقود إلى الحقيقة، لأن العقل قد يُحسن الحساب ويُخطئ البوصلة. ولذلك لم يكن سقوط إبليس سقوط جهل، بل سقوط تكبّرٍ واستقلالٍ عن الحكمة التي تعلو على إدراكه المحدود.
وقد أدرك كثير من الفلاسفة هذه الأزمة، حتى وإن اختلفت لغاتهم ومناهجهم. إيمانويل كانط رأى أن العقل البشري عظيم، لكنه محدود، وأنه حين يحاول تجاوز حدوده والدخول في المطلقات يقع في التناقض. أما سورين كيركغارد فكان يرى أن الإنسان لا يستطيع النجاة بالعقل وحده، لأن هناك قفزةً وجودية لا تتم إلا بالإيمان. بينما ذهب فريدريك نيتشه إلى تمجيد الإنسان المتجاوز الذي يصنع قيمه بنفسه، لكن التجربة الإنسانية الحديثة أظهرت أن الإنسان حين يؤلّه ذاته قد يتحول إلى مركزٍ للعنف والاستعلاء بدل التحرر. كأن التاريخ كان يختبر السؤال ذاته مرارًا: ماذا يحدث حين يتحول العقل من أداةٍ إلى إله؟
وفي التراث الإسلامي، لم يكن الصراع بين العقل والإيمان صراع إلغاء، بل صراع ترتيب. أبو حامد الغزالي لم يرفض العقل، بل رفض غروره حين يظن أنه قادر على الإحاطة بكل شيء. أما ابن رشد فحاول التوفيق بين الحكمة والشريعة، معتبرًا أن الحقيقة لا تتناقض مع العقل السليم، لكن العقل نفسه يحتاج إلى أخلاقٍ وغايةٍ تمنعه من الانحراف. وهكذا ظل السؤال حاضرًا: كيف نستخدم العقل دون أن يتحول إلى أداة تبرر الهوى أو القوة أو الاستكبار؟
ولعل الحضارة الحديثة تقدّم المثال الأوضح على هذه الإشكالية. فقد استطاع الإنسان أن يبلغ ذروة التقدم العلمي والتقني، لكنه في الوقت ذاته صنع أكثر الحروب دموية، وأنتج أدوات إبادة لم يعرفها التاريخ من قبل. العلم منح الإنسان قدرةً هائلة على السيطرة، لكنه لم يمنحه بالضرورة حكمة استخدام هذه القدرة. ولهذا لم تكن أزمة العصر الحديث أزمة نقص معرفة، بل أزمة فقدان ميزان. ومع ذلك، فإن هذا لا يلغي ما قدمته الحضارة الحديثة من إنجازات عظيمة في الطب والعلوم وحقوق الإنسان؛ فالمشكلة ليست في العقل أو التقدم ذاته، بل في اللحظة التي ينفصل فيها التقدم عن البعد الأخلاقي والإنساني، فيتحول من وسيلة عمران إلى أداة هيمنة.
وإذا أردنا مثالًا معاصرًا مفصلاً، فلنتأمل تطوّر الذكاء الاصطناعي. فاليوم، نصنع عقولًا اصطناعية قادرة على التعلّم، والتحليل، واتخاذ قرارات شبه مستقلة. لكن السؤال الأخلاقي الأكبر لا يزال مفتوحًا: بأي قيم نبرمجها؟ هل نعلّمها احترام الحياة، أم نعلّمها كفاءة الإبادة في الحروب؟ هل نوجّهها نحو العدالة في توزيع الثروات، أم نحو تعظيم أرباح الشركات على حساب الفقراء؟ إن أنظمة الذكاء الاصطناعي تُظهر، بكل وضوح، أن "القوة الحسابية" وحدها لا تكفي؛ فهي أداة كالعقل البشري، تحتاج إلى "مرجعية أخلاقية" تسبق تشغيلها. فحين انفصلت بعض الشركات التقنية الكبرى عن أي اعتبار أخلاقي أو روحي، تحولت خوارزمياتها إلى أدوات تضخيم للكراهية، والتلاعب بالرغبات، وانتهاك الخصوصية. وكأن العقل – سواء كان بيولوجيًا أم اصطناعيًا – حين يُترك دون ميزانٍ أعلى، يتحول من نعمة إلى نقمة.
ومن هنا تتجلى عظمة التصور القرآني حين يربط بين العلم والإيمان لا بوصفهما ضدين، بل بوصف أحدهما موجّهًا للآخر: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾. فالآية لا تُلغي العلم، بل تضعه داخل أفقٍ أخلاقي وروحي يحفظه من التحول إلى أداة فساد. إن المشكلة ليست في العقل ذاته، بل في المرجعية التي تحيط به.
لكن هل يمكن للعقل، وحده، أن يجد مرجعية أخلاقية من خارج النص الديني؟ هنا لا بد من الإنصاف: لقد حاول الفلاسفة ذلك. إيمانويل كانط، مثلاً، أسس الأخلاق على "الإرادة الخيرة" و"الواجب" المستمد من العقل العملي الخالص، دون حاجة إلى إله، عبر قاعدة "اعمل بحيث يمكن لتعظيمك أن يصبح قانونًا كونيًا". كما نادى جان جاك روسو بوجود "صوت داخلي" للضمير يسبق النصوص. هذه المحاولات مشرفة، وتثبت أن العقل ليس عاجزًا تمامًا عن تأسيس بعض المبادئ العالمية كالعدل والصدق واحترام الحياة. بل إن كثيرًا من البشر قد يصلون إلى قيم سامية عبر الفطرة والتجربة الإنسانية والضمير الأخلاقي، حتى وإن اختلفت منطلقاتهم الدينية أو الفلسفية. بيد أن معضلتين تظلان قائمتين:
النسبية والاختلاف: العقول تختلف فيما تراه "واجبًا"؛ فكانط نفسه اعتبر الكذب محرمًا مطلقًا، بينما رأى آخرون جواز الكذب في الحرب. أما الضمير الإنساني، فهو نتاج تربية وثقافة متغيرة، فكم من جرائم ارتُكبت باسم "الضمير الجمعي" للشعب أو الحزب!
الدافع الذاتي: من يضمن أن الإنسان سيلتزم بما يمليه عليه عقله العملي عندما يتعارض مع مصلحته الفورية؟ المرجعية الدينية – في أعمق صورها – لا تقدم فقط "المعرفة" بالخير، بل تقدم "الدافع" (الرقابة الذاتية، الإيمان بالثواب والعقاب، والحضور الإلهي الدائم) الذي يضعف عنده ميل العقل إلى التبرير والانحياز لصالح الذات.
لذلك، ليس القول بأن العقل يحتاج إلى مرجعيةٍ أعلى إلغاءً لقدرات العقل، بل هو إقرار بأن العقل، كأداة، لا يمكنه أن يكون حكمًا في قضيته الخاصة. إنه يشبه عينًا ترى كل شيء، لكنها لا ترى نفسها إلا بمرآة. الدين – بأوسع معانيه، وليس بصورته النمطية المتصلبة – هو تلك المرآة التي تمنح العقل وعيًا بحدوده وغايةً تسمو به على مجرد الحساب والمصلحة.
ولهذا كانت شخصيتا قارون وذي القرنين صورتين متقابلتين للعقل الإنساني. قارون قال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي﴾، فجعل العلم ملكيةً ذاتية منفصلة عن الله، فتحول علمه إلى باب استعلاءٍ وانغلاق. أما ذو القرنين فاتبع الأسباب واستخدم القوة والمعرفة، لكنه ظل يرى نفسه عبدًا ضمن نظامٍ أكبر من ذاته، فلم يتحول إلى طاغية رغم امتلاكه أسباب الهيمنة. الفرق بين الرجلين لم يكن في امتلاك العقل، بل في "النقطة المرجعية" التي أحاطت بالعقل ووجهته.
إن الإنسان حين يفقد هذه الإحاطة العليا يبدأ تدريجيًا بتقديس ذاته، ثم تقديس أفكاره، ثم تحويل رؤيته الخاصة إلى معيارٍ مطلق للحقيقة. وهنا تبدأ الكوارث الفكرية والسياسية والأخلاقية. فالطغيان لا يبدأ دائمًا بالسلاح، بل يبدأ أحيانًا بفكرةٍ تعتقد أنها مكتفية بنفسها. ولهذا كان التواضع المعرفي أحد أعظم القيم التي يحتاجها الإنسان؛ أن يدرك أن عقله، مهما بلغ، يبقى محدودًا أمام اتساع الحقيقة، وأن الحكمة ليست في إلغاء التفكير، بل في توجيهه داخل ميزانٍ يحفظ إنسانية الإنسان.
وفي النهاية، لم تكن معركة الإنسان الكبرى يومًا بين العقل والجهل فقط، بل بين العقل المتواضع والعقل المتكبر؛ بين عقلٍ يرى نفسه جزءًا من حكمةٍ أكبر، وعقلٍ يظن أنه قادر على أن يكون مركز الكون وحده. ولذلك فإن الهداية ليست إلغاءً للعقل، بل إنقاذٌ له من العمى الذي قد يصيبه حين يسير بلا نور. فالعقل وحده قد يفتح الطريق، لكنه لا يضمن أن يكون الطريق صحيحًا؛ لأن الأداة، مهما بلغت دقتها، تحتاج دائمًا إلى ميزانٍ أعلى يوجّهها نحو الحق والخير والرحمة، فكلُّ حضارةٍ تفقد ميزانها الأخلاقي، قد يتحول عقلها من نورٍ يهدي الإنسان إلى نارٍ تلتهمه دون أن تشعر.
نتنياهو: الجيش الإسرائيلي عبر نهر الليطاني في جنوب لبنان
تشكيل الأرجنتين في كأس العالم .. ميسي يقود المنتخب
مونديال 2026: تطبيق من أجل سلامة المشجعين في نيويورك
قاليباف: إيران لا تثق بالأقوال .. والأفعال وحدها هي المقياس
رومانيا تطرد القنصل الروسي عقب حادثة الطائرة المسيرة
ذكرى فتح إسطنبول .. أردوغان يصلي الجمعة في آيا صوفيا
حملات نظافة ورقابة مشددة يومية تنفذها كوادر بلدية الكفارات في بني كنانة
يونيسف: مقتل وإصابة 11 طفلا في المتوسط كل 24 ساعة في لبنان
منظمة الصحة تسجّل أول حالة شفاء من إيبولا في الكونغو الديموقراطية
وزير البيئة: لهجة قاسية مقصودة لمواجهة الإلقاء العشوائي للنفايات
فلسطين تحذر من تفاقم الكارثة الإنسانية بغزة جراء الإبادة والحصار
اتفاق لمذكرة تفاهم؛ وقف الحرب : ماذا يريد الرئيس ترامب؟!
الأندية بين القانون وغياب التكامل
حجّاج بيت الله الحرام يرمون الجمرات الثلاث في ثاني أيام التشريق
بدء بيع أسطوانات الغاز البلاستيكية في عمّان وهذا سعرها
فيديو لوزارة البيئة يفجر غضب الاردنيين .. شاهد
إربد: طفل يتعرض لـ7 طعنات خلال احتفالات عيد الاستقلال
إغلاق 32 فندقا في إقليم البترا وتسريح أكثر من ألف موظف
وفاة نجم قناة كراميش تهز مواقع التواصل بالأردن
الخروف البلدي يسجل رقماً قياسياً وسعراً نادراً .. تفاصيل
صيام يوم عرفة .. الحكم والفضائل وأفضل الأعمال المستحبة
موعد صلاة عيد الأضحى والمصلى الأقرب لك .. تفاصيل
الغذاء والدواء: حبوب مونجارو المتداولة غير مجازة في الأردن
توقعات بتحسن حركة الشراء .. أسعار الذهب محلياً اليوم
القبض على 3 متورطين بالاعتداء على أب وأبنائه في إربد والأمن يلاحق آخرين
الأردن يتجاوز 12 مليون نسمة: نصفهم دون العشرين
ترامب يوجه تحذيرا للسعودية وقطر
اتحاد المزارع السياحية: المزرعة المتورطة ليست عضواً لدينا
الكلية الجامعية العربية للتكنولوجيا تحتفي بعيد الاستقلال الثمانين للمملكة