تمرد المولدين وتأثيره على استقرار الأندلس
01-06-2026 01:30 AM
مع انتقال مقاليد الحكم في الأندلس إلى الأمير عبد الله بن محمد الأموي، واستقرار البيعة له في قرطبة، واجهت الدولة تحدياً سياسياً وعسكرياً بارزاً تمثل في اندلاع حركة تمرد واسعة انطلقت من المرتفعات الجنوبية، وتزعمها عمر بن حفصون - وهو نصراني سابق من المولدين [1] -؛ الذي اتسمت تحركاته بالمناورة والمراوغة السياسية. ونظراً لإدراك ابن حفصون أن الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة مع السلطة المركزية في بداية حركته قد يؤدي إلى تقويض مشروعه، فقد فضّل التحصّن في معقله بمدينة "بربشتر"، متهرباً من المواجهة عبر إظهار الولاء الشكلي والعودة إلى مظلة الجماعة، في حين كان يضمر أهدافاً ومواقف مغايرة.
وفي إطار مساعيه للمناورة وكسب الوقت، أوفد ابن حفصون ابنه "حفصاً" في بعثة دبلوماسية إلى قرطبة بهدف استمالة الأمير، وطلب عقد صلح رسمي يضمن له البقاء حَاكماً محلياً على "بربشتر" تحت السيادة الاسمية للدولة. ورغبةً من الأمير عبد الله في تجنب الصدام العسكري وحقن الدماء، استجاب لطلب الصلح، وبالغ في إكرام الوفد عبر تقديم عطايا وصلات واسعة. ولم تقتصر سياسة الأمير على الجانب الدبلوماسي، بل أرسل معهم "عبد الوهاب بن عبد الرؤوف" ليكون شريكاً في إدارة المنطقة، وممثلاً للسلطة المركزية في كورة "ريّة"؛ يشرف على إنفاذ القرارات ومراقبة التحركات المحلية.
بيد أن هذا الاستقرار المؤقت لم يدم طويلاً نتيجة عدم التزام ابن حفصون بالعهود المبرمة؛ فبمجرد ترتيب أوضاعه الداخلية وانقشاع الخطر عنه، انقلب على الاتفاق وعزل شريكه عبد الوهاب وطَرده، معلناً التمرد الصريح على قرطبة. وشنت قواته غارات واسعة أدت إلى اضطراب الأمن في المناطق المحيطة، وهجر السكان لقرى بأكملها نتيجة لعمليات السلب والاضطهاد. وتوسعت رقعة هذا التمرد ميدانياً حتى سقطت مدينتا "إستجة" و"أرجذونة" في قبضة قواته، وتحولت طلائع فرسانه الجبلية إلى تهديد مباشر لأمن العاصمة قرطبة ذاتها.
إزاء هذا التهديد المحدق بمركز الدولة، أدرك الأمير عبد الله أن سياسة المهادنة لم تعد مجدية، فأمر بنصب "السرادق السلطاني" في حي الربض بشقندة، معلناً التعبئة العامة لإنهاء هذا التمرد. وفي محاولة عسكرية مباغتة، سعى ابن حفصون إلى السيطرة على السرادق واقتحام العاصمة بواسطة قوة من الفرسان تسللت سراً، إلا أن القوات الأميرية نجحت في التصدي للمحاولة ودحر المهاجمين وملاحقتهم إلى خارج حدود قرطبة. وتراجع ابن حفصون على إثر ذلك إلى "حصن بلبي"، حيث سير إليه الأمير جيشاً قُدّر بنحو أربعة عشر ألف مقاتل من نخبة قوات العاصمة، في مواجهة جيش التمرد الذي حشد له الطاغية زهاء ثلاثين ألفاً من أتباعه.
التقى الطرفان في مواجهة عسكرية عنيفة، أظهرت فيها القوات الأموية ثباتاً ميدانياً كبيراً، مما أدى في نهاية المطاف إلى تصدع جبهة ابن حفصون وتشتت صفوف جيشه. وتعقبت خيالة الدولة فلول المتمردين، الأمر الذي أسفر عن خسائر بشرية فادحة في صفوفهم، وتمكن الأمير على إثر ذلك من استعادة السيطرة على المعاقل الثائرة تباعاً، وإعادتها إلى سلطة الدولة المركزية.
ومع ذلك، لم تكن هذه النتيجة نهاية للمواجهة؛ إذ سرعان ما عاد ابن حفصون إلى معقله في "بربشتر" ليعيد تنظيم صفوفه، موجهاً تحركاته العسكرية نحو "إلبيرة"، حيث شن عليها هجوماً واسعاً انتهى بوقوع عاملها في الأسر. وردّاً على هذا التصعيد، سير الأمير عبد الله حملة عسكرية ضخمة بقيادة القائد "ابن أبي عبدة". وبمجرد التقاء الجيشين، حققت قوات الدولة انتصاراً حاسماً، وألحقت بابن حفصون هزيمة ثقيلة أُصيب فيها بجراح بالغة، مما اضطره إلى الفرار بما تبقى من قواته للاحتماء بالتضاريس الجبلية الوعرة.
وقد تكرر هذا النمط من المواجهات مراراً، حيث كانت تحركات ابن حفصون تبوء بالفشل أمام الحملات الأموية المتتابعة، مما دفع الكثير من حلفائه إلى الانفضاض عنه جراء التبعات الاقتصادية والعسكرية لحروبه المستمرة. وعقب وفاة الأمير عبد الله وتولي حفيده عبد الرحمن الناصر مقاليد الحكم، سارع ابن حفصون إلى طلب الأمان مجدداً، لكنه سرعان ما نكث عهده، واستمر في حالة من التأرجح العسكري والسياسي حتى وافته المنية، لتنتهي بذلك مرحلة طويلة من الاضطراب الذي أحدثه في البلاد.
وفي سياق التحليل التاريخي لخلفية هذا التمرد، تجدر الإشارة إلى أن ابن حفصون كان ينحدر من أصول نصرانية، وقد اتخذ من إظهار الإسلام غطاءً لتحركاته السياسية، كما وظف الفكر الخارجي كمسوغ أيديولوجي للخروج على السلطة الشرعية وشق عصا الطاعة. ولم يقتصر نشاطه على الجانب العسكري فحسب، بل عمد إلى إثارة النعرات الطائفية والعرقية، محفزاً المولدين والعجم على خلع الطاعة، ومستخدماً خطابه السياسي لتأليب العامة، مما أسهم في اشتعال الاضطرابات في مختلف أرجاء الأندلس.
ونتيجة لهذه الفتن، وصلت البلاد إلى حالة من التمزق السياسي والانفلات الأمني؛ حيث تساقطت الحصون، وانقطعت طرق التجارة والاتصال، وتقلصت سلطة بني أمية الفعلية حتى كادت تنحصر في العاصمة قرطبة، في وقت كانت فيه الغارات والتمردات تنهش أطراف الدولة. واستمر هذا الوضع المتردي حتى آل أمر البلاد إلى الخليفة عبد الرحمن الناصر، الذي تولى سدة الحكم والأندلس تموج في بحر من الانقسامات والحروب الأهلية.
وقد انتهج الناصر سياسة حازمة جمعت بين الدبلوماسية والقوة العسكرية لإعادة فرض هيبة الدولة، واضعاً القضاء على حركة ابن حفصون في مقدمة أولوياته. وبلغت هذه المواجهة ذروتها في معركة فاصلة بـ "وادي التفاح" من أعمال جيان، وكان ابن حفصون قد حشد لها قوة قدرت بعشرين ألف فارس من نخبة مقاتليه.
ودارت في الوادي معركة طاحنة، نجحت فيها خيالة الناصر في اختراق خطوط المتمردين وتشتيت شملهم. وأسفرت معركة وادي التفاح عن هزيمة ساحقة لابن حفصون قوضت قوته العسكرية بشكل نهائي، حيث قضت قوات الخلافة على معظم جيشه بين قتيل وأسير. ووفقاً للروايات التاريخية الراجحة، شكلت هذه المعركة المحطة الأخيرة في الصراع، حيث انتهت بالقضاء على رمز التمرد وطوي صفحة حركته، مما مكن الناصر من إخماد أعنف الفتن التي هددت الوجود الأموي، واستعادة وحدة البلاد وهيبة الخلافة تحت راية واحدة. [2]
ومما يسهم في توضيح أبعاد هذه الحركة، ويقدم دليلاً ملموساً على التوجهات العقائدية الحقيقية لعمر بن حفصون ونزوعه نحو دينه الأول "النصرانية"، تلك الحادثة التي وقعت عندما قرر الأمير عبد الله حسم الموقف عسكرياً؛ فجهز حملة ضخمة بقيادة ابنه المطرف، ووجهها لإنهاء التمرد في معقل الحركة الحصين بمدينة "بربشتر".
وتقدمت قوات الأمير المطرف نحو الهدف، وفرضت حصاراً محكماً على المعقل، وركزت هجومها على مقر إقامة ابن حفصون في منطقة "اللوقات"، مما أسفر عن تدمير المقر وهدم أركانه بالكامل. وفي غمرة هذا الهجوم والتدمير الذي لحق بالدار، برز موقف لافت؛ إذ خرج ابن حفصون من تحصيناته، لا بهدف الدفاع عن خطوطه العسكرية أو حماية مقره السكني، بل ركّز جهوده باستماتة واضحة للذود عن كنيسة كانت تقع بالقرب من دار إقامته.
ودارت عند محيط الكنيسة مواجهات ضارية، بذل فيها ابن حفصون جهوداً استثنائية لحمايتها، إلا أن التفوق العسكري لقوات الأمير المطرف حسم المعركة لصالحها، فتمكنت من اقتحام الموقع وتدمير الكنيسة وتسويتها بالأرض إثر هدم الدار. وشكل هذا الإجراء العسكري رسالة سياسية وعقائدية صارمة لابن حفصون وأنصاره، كما مثل مؤشراً ميدانياً كشف للعيان أن الصراع في عمقه تجاوز الأبعاد السياسية المجرّدة، ليرتبط بمسائل الهوية والعقيدة التي توارت خلف شعارات التمرد والعصيان. [3]
الباحث في التاريخ الأندلسي
___________________________
[1] المولدون: هم نسل القوط النصارى الذين اعتنقوا الإسلام بعد فتح الأندلس وأصبحوا جزءًا من الأمة الأندلسية.
[2] البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب / الجزء ٢ / ص ١٢٠ – ١٣٣، سير أعلام النبلاء / الجزء ٧ / ص ٢٨٦، نهاية الأرب في فنون الأدب / الجزء ٢٣ / ص ٣٩٨.
[3] الأنوار ونزهة البصائر والأبصار / ص ٣٢٥.
تمرد المولدين وتأثيره على استقرار الأندلس
فايز الدويري ينعى نجله ووحيده بكلمات مؤثرة : لقد أوجعت قلبي وكسرت ظهري
محكمة أردنية تقضي بحبس مؤثرة مشهورة
بـ 10 دقائق فقط .. خطوات بسيطة لتوفير مساحات تخزين على آيفون
البحرين تعلن تفاصيل صادمة عن تنظيم موال للحرس الثوري الإيراني داخل البلاد
مدرب المنتخب الوطني يؤكد أهمية الاستفادة من المباريات الودية
دائرة الإفتاء توضح أحكام "الإقالة" وإعادة المصوغات الذهبية للبائع
الإثنين .. بداية الصيف أرصادياً في الأردن
فيفي عبده تكشف إصابتها بكسر في ساقها .. صور
عباس النوري يكشف تفاصيل دعوى نسب غريبة ويؤكد أنها مفبركة
زائر يسرق موزة من عمل فني بمتحف بومبيدو في فرنسا
موسكو تعلن مقتل طفل بهجوم لكييف في جنوب أوكرانيا
استشهاد فلسطيني برصاص الاحتلال عقب عملية دهس في بيت لحم
فيديو لوزارة البيئة يفجر غضب الاردنيين .. شاهد
وفاة نجم قناة كراميش تهز مواقع التواصل بالأردن
إربد: طفل يتعرض لـ7 طعنات خلال احتفالات عيد الاستقلال
الخروف البلدي يسجل رقماً قياسياً وسعراً نادراً .. تفاصيل
إغلاق 32 فندقا في إقليم البترا وتسريح أكثر من ألف موظف
صيام يوم عرفة .. الحكم والفضائل وأفضل الأعمال المستحبة
موعد صلاة عيد الأضحى والمصلى الأقرب لك .. تفاصيل
دراسة: عدد سكان العالم يتجاوز مستوى استيعاب الأرض
الأمانة تحذّر .. غرامة تصل إلى 500 دينار لمرتكب هذه المخالفة
الغذاء والدواء: حبوب مونجارو المتداولة غير مجازة في الأردن
فاجعة في إربد .. 3 وفيات وإصابتان بحادث تصادم
القناة الرياضية الأردنية تنقل مباريات النشامى في نهائيات كأس العالم
حين تحوّل وزارة البيئة منصاتها إلى ساحة سجال ..


