حصاد الدموع

حصاد الدموع

04-07-2026 11:20 PM






شخصيات المسرحية
الأسير
المرأة / أم علي لاحقا
الأسير الآخر
مرام / ابنة أم علي
علي / شقيق مرام
عجوز شمطاء
ممرضتان
ثلاثة جنود وضابط
السجان
رجل
طفل
طفلة

مدخل
(عجوز شمطاء على رأسها قبعة غريبة، تحمل في يدها جمجمة بشرية، تلبس لباسا زاهي الألوان، لا يتناسب مع شكلها الدميم. تجلس على مقعد وثير في قاعة خالية من الأثاث عدا ذلك المقعد الذي تجلس عليه. صوت تراشق رصاص بعيد. العجوز ترهف السمع بسرور، الرصاص يتوقف. العجوز تعبس... لحظة ثم ترهف السمع من جديد)
العجوز : (بشراهة) هل من مزيد؟ أنا أتلهف لسماع تلك الموسيقى، موسيقى الدمار.
(صوت انفجار بعيد)
العجوز: (منتشية) نعم ... هكذا ... لتندلع النيران، وتحرق الأخضر واليابس هناك حيث يتكاثرون ويتناسلون (ساخرة) يقولون: الحب قوتهم الوحيد. (بلؤم)، ولكن آن الأوان لهذا الحب أن يموت. (صوت تراشق رصاص)
العجوز: (محمومة) سنسفك الدماء، ونصبها في دوارق من زجاج، ونقدمها قربانا لإلههم، سنسلخ الجلود لتتناثر العظام، وتتطاير الرؤوس. (ترفع الجمجمة إلى الأعلى)؛ لنصنع منها قلادة أمجادنا. (تتأمل الجمجمة بإعجاب) قلادة (حالمة) تلبسها العروس (مشيرة إلى نفسها) ليلة زفافها (تضحك) ستزين الجماجم صدري؛ فيعود إليه الألق. (ترمي الجمجمة أرضا وتصغي بشوق ثم تهمس) : تعالوا معي هناك، لنشهد عيد الهلاك.
(صوت رصاص وانفجارات. العجوز تضحك بهستيرية)
(تعتيم)

اللوحة الأولى

(في المستشفى. قاعة صغيرة، باب يؤدي إلى غرفة العمليات، تجلس امرأة حبلى، تقف إلى جانبها ممرضتان)
المرأة: (تئن) إنه يدق جدار بطني.
الممرضة الأولى: هكذا هم الأجنة دائما.
الممرضة الثانية: يستعجلون الخروج.
المرأة: لتسحقهم قسوة الحياة.
الممرضة الأولى: لا تكوني يائسة هكذا.
المرأة: سيسأل عن أبيه المفقود.
الممرضة الثانية : وماذا إذن؟
المرأة: على الجبهة …. قد لا يعود.
الممرضة الثانية: لا عليك ... سيدرك كيف ينشأ الأطفال دون آباء أحيانا.
(صوت تراشق رصاص)
الممرضة الأولى: هناك يرقد الموت في مهب الريح.
الممرضة الثانية: وهنا تكشف الحياة عن وجهها الصريح. (مشيرة إلى بطن المرأة)، وهذا الآتي يشهد صدق قولي.
الممرضة الأولى: حسنا اِبْقي معها هنا، وسأذهب بدوري لأساعد في التجهيز للعملية القيصرية. (تذهب)
المرأة: إن أنجبت غلاما، أسميته عليا.(تئن)
الممرضة الثانية: تجلدي.
الممرضة الأولى: (من خلف الباب) أحضريها.
(الممرضة الثانية تسحب المرأة إلى غرفة العمليات. لحظات ونسمع صوت دقات قلب تختلط بأصوات تراشق رصاص، لحظة ويتوقف الرصاص لنسمع دقات قلب فقط، ثم صوت بكاء المولود)
***
اللوحة الثانية

(في السجن. يبدو الأسير وهو شاب في الثلاثينيّات. الأسير مقيد بالأغلال التي تثقل قدميه، يداه مقيدتان إلى الخلف كذلك، ثلاثة جنود يضربون الأسير الذي يتأوه من الألم، يدخل الضابط)
الضابط: كفى.
(يتوقفون عن ضربه)
الضابط: فُكوا قيده... قدماه مُدميتان (بتعاطف مفتعل) أوه..!!.. مسكين.
(يفكون قيوده)
الضابط : (للأسير) عطشان؟ (لا ينتظر جوابا، ويأمر): اِسْقُوه.
(جندي يقدم الماء إلى الأسير الذي يشرب بنهم. الضابط يضحك، ثم يمد يده للأسير مصافحًا. الأسير يعبس بدوره، ويًشيح بوجهه جانبًا، ويهز كتفيه)
الضابط: (معاتبا) لماذا؟ (بلطف) ها أنا من جديد أطلب صداقتك.
الأسير: فأدلي بدلوي.
الضابط: (بحماس) مثلا، فَنَكُفَّ عنك، ألا يرضيك هذا؟
(الأسير يهز كتفيه، ويشيح بوجهه)
الضابط: لا تتعزّز كثيرا، فقد تكون هذه المرة الأخيرة التي أمدّ لك بها يدي.
(السجين يتراجع للخلف، ويهز كتفيه)
الضابط: (بحزم) لكنك ستضع يدك في يدي، يقينا ستفعل. إن فعلت (بإغراء) ستنام على فراش وثير (بلهجة أشد إغراءً) سنعيدك إلى بلدك... قلتَ :َ أنّ لك زوجة، وابنة تنتظرانك (يهمس) ستراهما قريبًا... قريبًا جدًّا.
(الأسير ينظر إليه بينما يتابع بحماس)
الضابط: ستهرع إليك النساء من كلّ حدَب وصوب يطلبن رضاكَ، أتدري لماذا؟ (بإغراء) المال يا صديقي، المال ... سيسيل المال بين يديك، كل ذلك مقابل معلومات بسيطة، وسيبقى هذا سرًّا بيننا.
السجين: (مشمئزا) الخيانة.
الضابط: (بلطف) أوه ..!!.. لا تستعمل كلمات كهذه، من ذكر الخيانة الآن؟ إنها مصالحة بيننا، وليست خيانة، هيا، ضع يدك في يدي.
(السجين ينفر ويشيح بوجهه جانبا، ويهز كتفيه)
الضابط: (غاضبًا) ذات الحركة، (يضربه على كتفه) لماذا تهز كتفيك أيها اللعين؟
جندي: (ساخرًا) يرقص.
الضابط: ليرقص تحت وابل عصيِّكم إذن.
(يهمون بضربه، يستوقفهم الضابط بحركة من يده)
الضابط: مهلًا (يمد يده للأسير الذي يهز كتفيه بنفور)
الضابط: لا فائدة، علموه الرقص إذن.
(تُعزف موسيقى إيقاعية راقصة، بينما يضربون السجين وهم يرقصون حوله، الضابط يضحك ثم يغادر الزنزانة. الضرب متواصل والموسيقى تتسارع بوحشية، وكذلك الضرب. السجين يصرخ من الألم، يتوقف كل ذلك فجأة)

***

اللوحة الثالثة
(في السجن. زنزانة تتسع لأسيرين. الزنزانة معتمة، لمبة شاحبة مشتعلة. نافذة صغيرة عالية جدا، قريبة من السقف. يرقد الأسير وقد ابْيضّ شعره، وانحنى ظهره، يرقد بجانبه أسير آخر متقدم في السن)
الأسير: أخبرني كم مضى علينا في هذه الزنزانة؟
الأسير الآخر: لا أدري، لعله شهرًا أو أكثر أو أقل.
الأسير: أنت جاهل... هو شهر فقط (ثم بشك) أظنه شهرًا.
الأسير الآخر: وكم مضى عليك في الأسر عموما؟
الأسير: مدة طويلة.
الأسير الآخر: لا تتهرب من الإجابة، حدد هذه المدة.
الأسير : أفعل لو تخبرني في أية سنة نحن؟
الأسير الآخر: (بحزن) نحن لم نعد نميز الزمن، فقدنا علاقتنا به.
الأسير: لم نفقدها تماما... نحن نشعر، وأن العمر تقدم بنا، وهذا يكفي.
الأسير الآخر: نعم، شعرك أبيض تماما، لا شعرة سوداء تتخلله.
الأسير: (بعجب) أنت ترى هذه التفاصيل الآن؟
الأسير الآخر: معك حق، فهذا الضوء الشاحب، المشتعل ليلا نهارا لا يساعد على الإبصار، لكني تأملتك أمس في ساعة التنفس.
الأسير: بالمناسبة، تأملتك بدوري، وكان شعرك أبيضًا.
الأسير الآخر: (بعجب) أنا أشْيَب؟
الأسير: شعرك يشتعل شيبا.
الأسير الآخر: لكنك أكبر مني سنا.
الأسير: عندما أُسِرْتُ كنت في الخامسة والثلاثين.
الأسير الآخر: الفرق بيننا ليس كبيرا، لكن أنت في مظهرك هذا تبدو طاعنا في السن.
الأسير: (بحزن) أنت لا زلت في عنفوانك.
الأسير الآخر: لهجتك حزينة.
الأسير: حزين على نفسي، أنظر انحناءة ظهري.
الأسير الآخر: (ممازحا) أنت جمل يا صديقي، جمل.
(ينظر الأسير إليه معاتبا)
الأسير الآخر: (مستدركا) أليس هذا هو لقب كبير القوم؟
الأسير: أتهزأ؟
الأسير الآخر: (بلطف) أنت تعرضت للتعذيب أكثر مني، وهذا هو سبب ضعفك الآن.
الأسير: نعم، كان نصيبي من التعذيب كبيرا.
الأسير الآخر: هذا لسوء حظك يا صديقي.
الأسير: أتعتقد أني سيء الحظ؟
الأسير الآخر: عجبًا، هل تشكُّ في ذلك؟ (لحظة ثم بحزن) كلانا سيء الحظ يا صديقي.
الأسير: أنا سعيد لسوء حظنا.
الأسير الآخر: (بعجب) سعيد؟
الأسير: تعاستنا توطد العلاقة بيننا.
الأسير الآخر: نعم، فأنا أحبك من كل قلبي، لكن هناك سبب آخر في ظني.
الأسير: ما هو؟
الأسير الآخر: العِشْرَة... الخبز والملح الذي يجمعنا في هذا القصر الشامخ.
الأسير: (هازئًا) تقصد خبز الشعير اليابس الذي يقدمونه لنا كل يوم؟.
الأسير الآخر: أوه..!!، مدة طويلة، ونحن نأكل هذا الخبز.
الأسير: نعم ، نعم. أتعتقد أن الحرب انتهت؟
الأسير الآخر: ها ... لا بد أنها انتهت.
الأسير: لصالح من؟
الأسير الآخر: لا أعرف.
الأسير : لو انتهت لصالحنا؛ لأفرجوا عنا.
الأسير الآخر: ربما هناك اعتبارات أخرى.
الأسير: لنفكر في حياتنا هنا، لا تشغل بالك بالعالم الخارجي الذي فقدنا صلتنا به.
الأسير الآخر: لكن كان لنا حياة في الخارج.(ساهمًا) هل سنعود للحياة من جديد؟
الأسير: ربما ، ربما.
الأسير الآخر: (حالمًا) أمي الآن تنتظر عودتي.
الأسير: نعم، نعم إنها في انتظارك.
الأسير الآخر: (حزينا) لا، لا بل هي تظنني قتلت في الحرب.
الأسير: (شاردا) زوجتي في انتظاري الآن.
الأسير الآخر: ربما تتصورك ميتا أيضا (مستدركا) أعني شهيدا.
الأسير: لا، قلبها سيدلُّها عليّ.
الأسير الآخر: أنت أفضل حال مني إذن.
الأسير: لماذا؟
الأسير الآخر: (ينظر إليه بحسد) هناك من ينتظرك.
الأسير: لا تفقد الأمل. أمك تنتظرك حتما.
الأسير الآخر: (بحزن) أعتقد أنها توفيت، لقد كانت طاعنة في السن عندما أُسِرتُ.
الأسير: الأعمار بيد الله، قد تكون على قيد الحياة ، من يدري؟
الأسير الآخر: بل توفيت دون أن تراني أو تطمئن علي.
الأسير: هون عليك، لا بد لهذا الليل أن ينجلي.
الأسير الآخر: قلت الليل؟ أعتقد أننا في الفجر الآن.
الأسير: أنا أحب الشفق، كنت أرقبه من نافذة بيتي... أعني قبل الأسر.
الأسير الآخر: ومن لا يحبه، دعني أصعد على كتفيك لأرى من النافذة المعلقة في السقف في أي وقت نحن. (حالما) قد أرى الشفق فأصفه لك.
الأسير: كتفاي لا يحملانك.
الأسير الآخر: إذن اصعد أنت على كتفي، وقم بهذه المهمة.
الأسير: لا أستطيع التسلق، ركبتاي لا تتحملان.
الأسير الآخر: حاول (بإغراء) سترى الشفق، هيا.
(الأسير يحاول دونما فائدة)
الأسير الآخر: (بخيبة) النافذة مرتفعة (مستدركا) لا عليك، لو نجحت وتسلقت لن تصل إليها... (بحزن) أنا فقط أردت أن أعرف الوقت.
الأسير: (بمرح مُفتعل) لا تبتئس... نحن في الصباح الآن.
الأسير الآخر: وكيف عرفت؟
الأسير: أحس هذا، قريبا سيُفتح الباب، ويُلقى إلينا برغيف الشعير اليابس.
الأسير الآخر: آمل هذا، فأنا أشعر بالجوع.
(يُفتح الباب ويدخل السجان، ينهض الأسيران بنشاط)
الأسير: (مبتهجا) ألم أقل لك؟
السجان: اٍخْرس أنت وهو، لماذا تتحدثان في هذا الوقت المبكر، قبل الشروق؟
الأسير: صوتنا خفيض.
السجان: الصوت ينتقل في هذا السكون، ولو كان همسًا.
الأسير الآخر: نحن نتسامر، هل هذا ممنوع أيضًا؟
السجان: اِخْرس... لا أريد أن أسمع حرفا. هل فهمت؟
(يجلس الأسيران بخيبة)
السجان: انهض أنت وهو، عليكما كنس الساحة قبل ساعة التنفس (ساخرا) ما دمتما لا تستطيعان النوم... هيا ... اِتَّبِعاني.
(يخرج. ينهضان بنشاط)
الأسير: (يهمس) سنرى الشفق.

***
اللوحة الرابعة

( في بيت أم علي، وهي المرأة في اللوحة الأولى. مرام ابنة أم علي، صبية في السابعة عشرة، علي (الوليد في اللوحة الأولى، هو الآن في الرابعة عشرة، مرام وعلي يجلسان في ركن، لحظات، علي يغادر. بعد قليل تدخل أم علي متهدلة، أم علي تبدو وقد تقدم بها العمر، شعرها أشيب، تجاعيد على وجهها)
مرام: ما بك يا أماه؟ متعبة؟
أم علي: أين علي؟
مرام: ذهب ليسري عن نفسه مع أترابه. (لحظة) أنت متعبة؟
أم علي: أظن هذا. (تجلس متهالكة)
مرام: في السنة القادمة أنهي دراستي الثانوية، وبعدها سوف أبحث عن عمل لتستريحي أنت.
أم علي: كنت أتمنى أن تكملي دراستك الجامعية، ولكن يبدو أنني لن أحقق لك هذا يا بنيتي.
مرام: نعم... أنا أدرك هذا جيدا، لقد تعبت، وآن الأوان لتستريحي... قريبا...
أم علي: كانت مواردنا أفضل في السابق.
مرام: نعم يا أمي، فيما مضى كنت تحصلين على بعض الهدايا فوق مرتبك.
أم علي: وكنت أشترط أن تكون هداياي مواد غذائية (بفخر) لم تكن زجاجات عطر... لا .
مرام: نعم ،نعم، أذكر جيدا، كانت أيام جميلة.
أم علي:(شاردة) الآن فقدت شبابي، وجمالي.
مرام: (بدهشة) جمالك؟ وما علاقة جمالك بالهدايا؟ (بِشَكٍّ) هل على الخادمة (مستدركة) أعني هل الجمال مطلوب في مهنتك؟
أم علي: (مرتبكة) تأخر علي.
مرام: (تنظر إليها بشك) لماذا الجمال مطلوب؟
أم علي: (مرتبكة) تأخر أخوك.
مرام: لم تجيبي يا أماه، لماذا؟ (شاردة وبشك) حقا... كانت مواردنا أفضل.
أم علي: (بخشونة) تحدثنا في هذا الأمر كفايتنا.
مرام: (بشرود) ثم انقطعت الهدايا في السنوات الأخيرة. (لحظة ثم بانفعال) لم انقطعت هداياك؟
أم علي:(بلطف) لا أدري يا بنيتي، لا أدري.
مرام: انقطعت مذ داهمتك الشيخوخة؟
أم علي: (مهددة) بنت.
مرام: مذ ذهب شبابك كما تقولين؟
أم علي: (بحزم) ماذا تعنين أيتها اللعينة؟
مرام: (تصرخ) أعني ما أعنيه.
أم علي: (تصرخ) لو لم أفعل ذلك لما وصلت للمرحلة الثانوية، ولما وجدت الطعام والكساء أنت وأخوك، كنت فقدت عملي... كنا تشردنا لو لم ... (تصمت مرتبكة)
مرام: (منهارة) أي أنك تعترفين؟
أم علي: (متمالكة وبقوة) أعترف بماذا يا بنت؟
مرام: (تصرخ) بأنك كنت تبيعين نفسك.
(أم علي تلطم مرام على وجهها)
مرام: اِضْربيني، لن أسكت. (تصرخ) لن أسكت ( بهدوء وحزن) الشك يمزقني ، أريد أن أعرف الحقيقة .
(أم علي صامتة، حائرة)
مرام: (بضعف) لم انقطعت الهدايا إذن؟ (تحدق بأمها التي تشيح بنظرها عنها) أقنعيني، قولي شيئا يبدد شُكوكي.
أم علي: (متمالكة) خارت قواي، لم أعد أعمل بهمة، ونشاط كما كنت أفعل فيما مضى، فلم أعد أستحقُّ الهدايا.
مرام: (تصرخ) كاذبة.
أم علي: (بلطف) كفى يا بنيتي، لا تنظري إلي هكذا. (تقترب من مرام ، تريد أن تحتضنها)
مرام: (تبتعد بشراسة) لا تقربيني.
(لحظة ثم تبكي)
أم علي: ولكني كنت أهدهد سريرك وأنت طفلة. (تقترب منها) وكنت أمسح دموعك عندما تبكين. (تمسح دموعها) هكذا.
مرام: (بضعف) أنا لا أصدقك يا أمي.
أم علي: (برقة) لا بد من التصديق يا بنيتي، لا بد من التصديق.
مرام: أنا أكرهك.
أم علي: (برقة) وأنا أحبك، ولن تمنعيني عن حبك ما حييت. (تحتضنها، بينما تنشج مرام بحرقة)

***
اللوحة الخامسة
المشهد الأول

(في بيت أم علي. أم علي جالسة في شرود. باب البيت مفتوح، لحظات ويظهر الأسيران بالباب، الأسير يتنحنح ليلفت انتباهها، لكنها مستغرقة في تفكير عميق، لا تشعر بهما)
الأسير: (للأسير الآخر) هذه عجوز صماء.
الأسير الآخر: قد تكون أخطأت العنوان!
الأسير: هذا بيتي ... أقصد كان بيتي، لكن ... (يتأمل أم علي بشك) هذه ليست زوجتي. (مترددا) أظنها ليست هي.
الأسير الآخر: الزمن يا صديقي... لعله الزمن.
الأسير: هل هذه زوجتي؟
الأسير الآخر: (حائرا) لا أدري يا صديقي... لا أدري.
(الأسير يتنحنح مرة أخرى ويقرع الباب، تلتفت أم علي إليهما بدهشة، ثم تقترب منهما)
أم علي: من أنتما؟
الأسير: (يتأملها) أنت لست أنت ، أعني...
أم علي: ومن أنت؟
الأسير: أنا زوج امرأة كانت تعيش في هذا البيت.
أم علي: (ساخرة) معتوه... هذا الذي ينقصني.
الأسير الآخر: مهلا أيتها الطيبة، اُنْظري إلى هذا الرجل جيدا .
أم علي: ولماذا أفعل هذا؟
الأسير الآخر: قد تتعرفين إليه.
أم علي: (ساخرة) اليوم حفلة تعارف للبهاليل على ما يبدو. (تصرخ) هيا من أمامي...
الأسير: (للأسير الآخر بمرح) طبعها الحاد لم يتغير.
الأسير الآخر: تعني أنها هي.
(أم علي تنظر إليهما بدهشة)
الأسير: وكذلك صوتها لم يتغير، إنها هي... هي.
الأسير الآخر: آمل هذا يا عزيزي، آمل هذا.
(أم علي تتأمل الأسير باهتمام)
أم علي: (بِشَكٍّ) من أنت يا رجل؟
الأسير: (مبتهجا) هي، هي ... (للمرأة) أنا زوجك يا امرأة، اُنْظري إلي جيدا.
أم علي: (تتأمله) عجوز أحدب... (ساهمة) لكن العينان هما عيناه (منفعلة) لكنك مِتَّ يا رجل.
الأسير: (منفعلا) بل حي أرزق.
(الأسير الآخر يتأملهما بحسد. أم علي تنظر للأسير نظرات متفحصة، بينما يقترب منها بحرارة، يتعانقان. لحظة، أم علي تبتعد عنه فجأة)
أم علي: (بعنف) أين كنت طيلة هذه السنين؟
الأسير: في الأسر.
(تنظر للأسير الآخر)
الأسير: هذا صديقي، كنا أسيرين معا، لم يعد له أحد… عرجنا إلى بيته، لم نجد له أثرا.
أم علي: (بفتور) أهلا.
الأسير الآخر: (بمرح مفتعل وارتباك) أهنئك إذ عاد إليك زوجك.
أم علي: (بفتور) شكرا. (لحظة) ومتى ستجد زوجتك أنت؟
(الأسير الاخر يبدو محرجا)
الأسير: ليس له زوجة، أمه ماتت وهو في الأسر، عرفنا ذلك لتونا.
أم علي: أقدر حزنك.
الأسير: سنبحث له عن أقربائه في الأيام القادمة.
أم علي: (برعب) في الأيام القادمة؟
(الأسيران يتبادلان النظرات)
الأسير: (مستدركا) نعم، سيمكث في ضيافتنا الآن ...
أم علي: في ضيافتنا ؟!
(الأسير الآخر يبدو محرجا، بينما يمسك الأسير به في حركة عفوية)
الأسير: (جانبا لأم علي) لقد استضافني عامين كاملين.
أم علي: (بدهشة) أنت طليق منذ عامين يا رجل؟
الأسير: (بذعر) لا، لا.
أم علي: أين استضافك إذن؟
الأسير: في زنزانته يا امرأة.
أم علي: (ساخرة) والله؟
الأسير: نزلت عليه في الزنزانة، وشاركته مأواه، تصوري.
(أم علي تنظر إليه شزرا، يصمت مرتبكا، ويتشبث بالأسير الآخر، وكأنه يمنعه من الخروج)
الأسير الآخر: قد أذهب الآن؟
الأسير: بل ستبقى (ينظر لأم علي) أليس كذلك؟
أم علي: (مرتبكة) طبعا، طبعا. (للأسير على حِدَة) ومن سيطعمه؟
الأسير: لن نكلفك شيئا، سأقاسمه رغيفي، أعني ... حصتي. لك أن تفرزي لي حصة واحدة فأقاسمه.(بلطف) رحبي به من أجلي.
أم علي: (بفتور) أهلا.
(يتبادل الأسيران النظرات بحزن)
الأسير: (بمرح مفتعل) اِجْلس ، إنها طيبة، ولكن ظهورنا المفاجئ، وقسوة الحياة، و ... (يصمت مرتبكا. الأسير الآخر يقف مترددا أمام المقعد؛ فيجذبه الأسير ويجلسه، ويجلس قربه على مقعد آخر)
الأسير: أين ابنتي؟ أنا أتلهف لرؤيتها.
( يدخل علي)
علي: في بيتنا ضيوف؟ (للأسيرين) مرحبا بكما.
الأسير: (ينظر إليه بدهشة) من أنت؟ ( ساهما) تقول بيتنا؟
(أم علي تبدو مرتبكة)
علي: من هذا يا أماه؟
الأسير: (بدهشة) أماه... أنت أمه؟
(أم علي تومئ برأسها إيجابا)
الأسير: تزوجت؟!
أم علي: (لعلي) هذا والدك..
(علي ينظر إليه مندهشا مصدوما)
الأسير: (منفعلا) ابني؟ (ينظر إليه باهتمام) متى وكيف؟
(تدخل مرام، لا أحد يلتفت إليها أو يحس بوجودها. مرام مندهشة تنظر للجميع باستغراب)
مرام: ماذا يجري هنا؟
(تتوجه الأنظار إليها)
***


















اللوحة الخامسة
المشهد الثاني

(نفس مكان المشهد السابق. أم علي والأسير يجلسان متقابلين، مرام وعلي يقفان في ناحية، وفي ناحية أخرى يقف الأسير الآخر، صمت يخيم على الجميع. يتناول علي من جيبه صورة فوتوغرافية قديمة، ويمدها لأبيه)
علي: هذه صورتك، كنا دائما ننظر إليها في غيابك، لقد انطبعت في أذهاننا صورتك يا أبي.
(يجفل الأسير لدى سماعه الكلمة الأخيرة)
علي: هناك شبه بيننا يا أبي، اُنظر.
(الأسير يتناول الصورة منه، يتأملها)
الأسير: أراه يا ولدي، أراه.
(الأسير الآخر ينظر إليهما نظرات لا تدل على السرور الحقيقي، مرام متسمرة في مكانها، تنظر لأمها باحتقار، يلحظ ذلك الأسير)
الأسير: نظرات أختك يا بني تضع غشاوة أمام عيني فلا أعود أراك كما أنت.
علي: لست أفهمك يا أبي.
الأسير: ( لمرام) اِقْتربي يا بنيتي، تعالي.
(تقترب مرام منه)
الأسير: اُنظري إلى الصورة جيدا (يناولها الصورة، مرام تنظر إليها، بينما يتابع الأسير) هل أنا وسيم في هذه الصورة يا ابنتي؟
مرام: نعم يا أبي.
الأسير: هل نحن متشابهان؟
(مرام صامتة، تنظر إلى أمها نظرات حاقدة)
الأسير: نظراتك تحمل من المعاني الشيء الكثير...
مرام: أنا أحبك يا أبي، لكني لا أرى الشبه بينكما.
الأسير: لماذا تفسدين كل شيء؟ (مترددا) أنا أرى الشبه واضحا، اُنظري.
مرام: (مرتبكة) هناك شبه، أجل هناك شبه . (تبكي)
الأسير: نظراتك يا بنيتي تقول شيئا آخر. (لحظة) هل تعرفين شيئا أجهله؟
مرام: (بعصبية) لا أعرف شيئا.(تلقي الصورة جانبا وتصرخ) دعوني وشأني .(تغادر الى الداخل، الجميع يتبادلون النظرات بحيرة)
أم علي: لكنها ترى الشبه، لا بد أنها تراه.
الأسير: إنها ترى منعطفات أخرى أنا أخمنها.
أم علي: ماذا تعني؟
الأسير: (حزينا) لا شيء... لا شيء.
علي: (منكسرا، ضعيفا) الشبه واضح يا أبي.
الأسير: نعم، عرفت هذا من الوهلة الأولى يا بني.
أم علي: لم افتعلت الشك إذن؟
الأسير: لأراكِ جيدا من خلاله.
أم علي: وماذا رأيت؟
(الأسير ينظر إليها نظرات نافذة، أم علي ترتبك، لحظة)
أم علي: (متمالكة بعض الشيء) لقد انتهى الموضوع، ما دمت قد رأيت كل شيء.
الأسير الآخر: أقترح أن نحتفل بِلَمّ شمل أسرتكم.
الأسير: ليس قبل أن نفتح قلوبنا. (ينظر لأم علي نظرات خاصة. الأسير الآخر وعلي يتبادلان النظرات وينسحبان إلى داخل الشقة. الأسير وأم علي يتبادلان النظرات بصمت) (لحظة)
أم علي: قلبي مفتوح لك دائما.
الأسير: استقبلتني بفتور.
أم علي: كنت ميتا في ذاكرتي.
الأسير: لم تبتهجي بعودتي للحياة.
أم علي: ظهورك كان مفاجئا.
الأسير: أجمل لحظات السعادة تأتينا بغتة، وقد باغتك (بحزن) ولم أر ألق السعادة في عينيك.
أم حسام: قسوة الحياة تحول بيني وبينها.
الأسير: عانيت كثيرا في غيابي على ما يبدو.
أم علي: الجوع فتاك.
الأسير: أتدرين... هناك على الجبهة، حيث الجوع والمرض، والجندي منا بعيد عن أسرته، والأعداء يتربصون بنا، والطائرات تقصف فوق رؤوسنا، وفي ركن ما، يقف جندي هزيل، يشعر بالجوع... والقصف متواصل، والجوع أيضا متواصل، وفجأة يلمح الجندي كسرة خبز يابس، أسوأ مما كان يُقدم لنا في الأسر، يلمح هذه الكسرة في حزام جندي جريح (ساهما) هذه الكسرة هي الجسر الوحيد الذي يصلني بالحياة...
أم علي: تتحدث عن نفسك الآن؟
الأسير: (مسترسلا) أتدرين إذ رأيت أمامي هذا الجريح، وكسرة خبزه ما فعلت؟
أم علي: ماذا؟
الأسير: (منفعلا) سرقتها منه.
أم علي: أتخيل هذا.
الأسير: (أشد انفعالا) سرقتها (نادما) مع أنها كانت قد تعيد إليه الحياة.
أم علي: يا إلهي، هل حقا ما تقول؟
الأسير: كان جريحا فقط، كان بحاجة للطعام. (لحظة) هل أنا مذنب إذ فعلت ذلك؟
أم علي: (حائرة) لا أدري...
الأسير: مع أني دافعت عن حياتي فقط.
أم علي: خطيئتك مبررة.
الأسير: الحد الفاصل بين القداسة والرذيلة يتلاشى، فلم نعُد نفرق بينهما في تلك الظروف.
أم علي: مسكين أنت إذ تتعذب، لكن خطأك مبرر، أقول هذا بصدق.
الأسير: قد أوهم نفسي إذ فعلت ذلك أني حرصت على حياتي في سبيل مواصلة القتال، والدفاع عن شرف الأمة.
أم علي: منطق مقبول.
الأسير: لكني حينذاك لم أفكر بشيء من هذا القبيل.
أم علي: اِنْس الأمر.
الأسير: (بمكر) أتعتقدين أني أفضل حالا من امرأة تبيع نفسها في سبيل تحصيل قوت أبنائها فتتعذب هي الأخرى؟
(تجفل أم علي، ينظر إليها بثبات ويواصل)
الأسير: هل تتعذبين إذ فعلت ذلك؟
أم علي: (محتدة) لم أفعل ذلك.
الأسير: لو فعلت ذلك...
أم علي: (مقاطعة) أقول لك لم أفعل.
الأسير: أنا أفترض فقط.
(تريد أن تعترض، يشير لها بالسكوت ويواصل)
الأسير: لو كنت فعلت ذلك، تكونين أفضل من ذلك الجندي؛ لأنه كان يحرص على حياته فقط، سرق حياة جندي آخر، ومضى تاركا إياه في العراء بين الحياة والموت، أما أنت فقد فعلت ذلك من أجل ولديك، ولم تؤذِ أحدا سوى نفسك.
(أم علي تنشج)
الأسير(ينظر إليها نظرات مبهمة ويتابع) تضحيتك تنأى بك عن الرذيلة. (بمكر) إنها تقترب بك من القداسة.
(أم علي تبدو منهارة، تبكي بحرقة، الأسير يبعدها عنه بعنف ثم ينظر إليها باستنكار شديد)
الأسير: (مصدوما) هل أصبت كبد الحقيقة؟
أم علي: (متمالكة قليلا) لا ... لا .
الأسير: فات الأوان، لم يعد لإنكارك أي تأثير بعد أن اعترفت.
أم علي: لا... لم أعترف بشيء...
الأسي: الكذب أحيانا يكون بَلْسمًا يعالج جروحنا؛ فتندمل القروح ولا نعود نراها (منفعلا) لكنك نَكَأْت جروحك (تنظر إليه بضعف)
الأسير: (بهدوء وحزن) كان عليك الإنكار، دموعك سبقتك بكشف الحقيقة.
أم علي: هل هي النهاية إذن؟
(تحاول الإقتراب منه يبعدها عنه بخشونة، ينظر إليها عابسا، كئيبا، محطما. أم علي تبدو منهارة)
***

اللوحة السادسة
(ساحة واسعة. دائرتا ضوء، تكشف الدائرة الأولى عن أم علي والأسير الآخر، وفي الدائرة الأخرى يقف الأسير، مرام تدور بين الدائرتين بحركات راقصة، موسيقى حزينة. أم علي والأسير الآخر يتحدثان).
أم علي: لماذا تمكث هنا بعد أن ...
الأسير الآخر: أنت بحاجة لمن يقف قربك، وقد أصبحت وحيدة.
أم علي: هل حقا رحل؟
الأسير الآخر: نعم، لقد رحل.
أم علي: (معاتبة) ولم تمنعه؟
الأسير الآخر: فكري بنفسك يا سيدتي. أنت بحاجتي الآن بعد أن تخلى عنك.
أم علي: أنا بحاجته هو .
الأسير الآخر: لقد كنت تعيشين بهدوء من غيره قبل قليل.
أم علي: اختلف الأمر بعد أن وجدته.
الأسير الآخر: (برقة) سيدتي... هدئي من روعك.
(تبدو مأخوذة بلهجته الرقيقة)
الأسير الآخر: كفاك حزنا.
أم علي: تعجبني مناداتك لي سيدتي.
الأسير: أنت وادعة رقيقة، لقد أخطأ بهجرك من كل بد.
أم علي: أنت ترى هذا؟
الأسير: أنا أرى امرأة تتعذب؛ فيزيدها الألم روعة.
أم علي: (بعجب) كيف؟
الأسير الآخر: الانفعال يُكسب وجنتيك لونا زاهيا؛ فيظهر حسنك المستتر.
أم علي: حديثك عذب لمن كانت في سني.
الأسير الآخر: سأُسمعك من حديثي الشيء الكثير لو كان هذا يسرّي عنك.
(تبتسم)
الأسير الآخر: ابتسامتك خلابة.
أم علي: لكنها قد تُظهر التجاعيد في وجهي.
الأسير الآخر: التجاعيد تبدو غمازات في عين المفتون.
أم علي: ( بعجب) المفتون؟! أين تعلمت هذا؟
الأسير الآخر: دعيني أتتلمذ على يديك.
أم علي: ومن تظنني؟
الأسير الآخر: امرأة فاتنة.
أم علي: لقد هرمت.
(ينظر إليها نظرات معجَبة)
أم علي: هذا والله غزل.
الأسير الآخر: ولم لا؟
أم علي: أنا زوجة صديقك.
الأسير الآخر: أمام الحب تُلغى الحواجز.
أم علي: هذا لو كان حبا.
الأسير الآخر: سيدتي...
أم علي: إني آمل بعفوه.
الأسير الآخر: (مُتَخابِثًا) لو كان يحبك حقا؛ لصفح عنك لكن...
أم علي: أوه..!!.
الأسير الآخر: أنا أقول الصدق.
أم علي: لا مكان للحب في قلوبنا الآن وقد بلغنا من العمر ما بلغناه.
الأسير الآخر: لا يتوقف الحب عند عمر معين.
أم علي: إذن، أراني أحبه هو .
الأسير الآخر: بعد أن تخلى عنك؟
أم علي: سوف ألحق به.
الأسير الآخر: لا فائدة... لقد رحل.
أم علي: كنت أظنك ستسعى للصلح!
الأسير الآخر: إنه عنيد، لن يصفح عنك.
أم علي: (مفكرة) وأنت لم ترحل معه، أليس هذا غريبا؟
الأسير الاخر: إني أؤثر مساعدتك في هذه الظروف.
أم علي: لكنك تتقرب مني بأسلوب مريب.
الأسير الآخر: دعيني أتصرف على سجيتي.
أم علي: لن يغويني لسانك المعسول.
السير الآخر: وأنا لا أحاول غوايتك.
أم علي: أنت خبيث يا سيدي، خبيث.
الأسير الآخر: أنت تخطئين في حقي دون مبرر.
أم علي: ولا مكان لك في بيتي بعد رحيله.
الأسير الآخر: وتطرديني كذلك؟
أم علي : نعم، فورا.
الأسير الآخر: (مهددا) سأسبقك إليه إذن.
(تعتيم . لحظة ويضاء المكان عن الأسيرين فقط. مرام تختفي وكذلك أم علي. الأسيران يتحدثان)
الأسير: لماذا تبعتني؟
الأسير الآخر: سؤالك غريب.
الأسير: مكثت بعدي بعض الوقت!
الأسير الآخر: كنت في انتظارك، ظننتك ستعود، ولما أبطأت وافيتك لـ... لنعود معا.
الأسير: لن يكون هذا أبدا.
(الارتياح واضح في تعابير الأسير الآخر)
الأسير الآخر: أتفُرِّط في مأواك بعد أن وجدته؟
الأسير: أوثر البقاء وحدي الآن، هل تفهم؟
الأسير الآخر: تطلب الخلوة؟
الأسير: نعم.
الأسير الآخر: في هذا العراء؟
الأسير: هذا العراء أفضل من الزنزانة.
الأسير الآخر: على رأيك، حسبنا أننا طليقان.
(لحظة صمت)
الأسير: (مترددا) كيف تركتها؟
الأسير الآخر: (بخبث) بخير.
الأسير: ألم تكن حزينة؟
الأسير الآخر: انتبه لنفسك يا صديقي الآن.
الأسير: (بحزن) لم تأسف لرحيلي إذن؟
الأسير الآخر: لكنها لم تفرح بلقائك، أليس كذلك؟
الأسير: صدقت، إنها لا تحبني، أدرك هذا الآن.
الأسير الآخر: تتكلم عن الحب، وكأنك فتى يافعًا.
الأسير: معك حق، أنا عجوز أحدب، لم أعُد ذلك الشاب الذي أحبته سابقا.
(تظهر أم علي شابة، تحمل علي طفلا في الثانية من عمره، وتمسك بيد مرام، وهي في الخامسة من عمرها)
أم علي: لا زلت في ريعان شبابي.
(ينظران إليها بعجب)
الأسير: كيف هذا؟
أم علي: وهذان ولداك، مرام وعلي، هكذا كانا (مشيرة إلى ركن حيث يوجد موقد مشتعل) اُنظر ، هذا بيتك، أعني كان بيتك.
الأسير: (ينظر حيث أشارت) صدقت... هكذا كان بيتي ...
(يسمع صوت رعد)
الأسير: ما هذا الرعد في فصل الصيف؟
أم علي: هناك ... حينئذ كان الجو باردا (تهمس) شديد البرودة، والموقد مشتعل... وأنا .. (تتجه مع الطفلين حيث موقد النار، يجلسون حوله)
مرام: جوعانة.
أم علي: كفاك ترديدا لهذه العبارة.
مرام: جوعانة، جوعانة.
أم علي: (بخشونة) كفى (ثم برفق) سنأكل بعد قليل يا بنيتي، اصبري.
(أم علي تطفئ الموقد)
مرام: الآن، أريد الأكل الآن.
أم علي: حسنا ، اصبري قليلا، قليلا.
مرام: برد (تقترب من الموقد) أين النار؟
أم علي: مسكينة يا بنتي، الكاز شحيح... ماذا أفعل؟
مرام: (باكية) أنا بردانة.
أم علي: (تحضن الطفلة) سأدفئك بذراعي يا بنيتي.
مرام: أنا أريد النار.
(أم علي تنظر إليها حائرة)
مرام: أنا جوعانة.
(أم علي تهم بالبكاء بينما يدخل رجل، يحمل بيده سلة مليئة بالخبز، أم علي تتماسك لدى رؤيتها له، تنظر إليه بخشونة، مرام تهرع إلى السلة، تمسك أم علي بها وتعيدها إلى جانبها بحزم. الطفلة مذهولة)
الرجل: (بلطف) دعيها. (للطفلة) تعالي... كلي.
(الطفلة تحاول التملُّص من قبضة أمها. الأم ممسكة بها بقوة)
الرجل: دعيها تأكل، لا تكوني قاسية.
(تُرْخي أم علي يديها عن الطفلة، الطفلة تتحرك نحو السلة، فتسرع أم علي وتسحب الطفلة إليها بعزم جديد، علي يذهب للسلة بدوره، فتمسك أم علي به وهي لا تزال متشبثة بأخته)
أم علي: (للرجل) كفى أرجوك، إذهب بسلتك من هنا.
الرجل: (ينظر للمرأة بوقاحة) أريدك يا امرأة، أريدك... ألا تفهمين؟
(الأسير يهم بأن يهجم على الرجل، يظهر علي الشاب فجأة، ويقترب من أبيه)
علي: تذكر أنك سجين الآن... أنت لا تراه، دعها تتصرف.
أم علي: (للرجل) لعنك الله، أخرج. (تصرخ) اُخرج.
الرجل: أنت تعذبين طفليك، ألا تدركين هذا؟
أم علي: (بخشونة) أدركه (لحظة ثم بضعف) أدركه.
الرجل: لا تكوني أنانية إذن، عليك بالتضحية من أجلهما.
(يضع السلة على الأرض، ويقترب من أم علي، فتتراجع للخلف مع الطفلين)
أم علي: (متماسكة) إياك والاقتراب.
الرجل: (ينظر إليها بتحد) مجنونا إن فعلت (مهددا) سأذهب. (يحمل السلة) ولن آتي إليك مرة أخرى، ستموتين وطفلاك من الجوع. (يستدير ليذهب ثم يتوقف وينظر إليها)
الرجل: لا تنسي أجرة المنزل غدا.
أم علي: (تصرخ) عليك اللعنة.
(الرجل يضحك ثم يخرج. الطفلان يبكيان والمرأة ممسكة بهما، ثم تفلتهما، وتجلس منهارة)
(تعتيم، لحظة ويضاء المكان بعد أن يكون الطفلان قد اختفيا لتظهر أم علي كما هي الآن، متقدمة بالسن، ويقف بجانبها كل من علي ومرام الشابان)
الأسير الآخر: لكنك لم تصمدي كثيرا (بلؤم) تهاويت.
الأسير: (بحزن) نعم، أتخيل هذا.
علي: والمشهد يتكرر الآن عندما يحاول مغازلتها عجوز متشرد لتؤويه مكانك. (ينظر للأسير الاخر نظرات خاصة) (الأسيران يتبادلان النظرات، الأسير الآخر يبدو مرتبكا، لحظة ثم يتمالك)
الأسير: (للأسير الآخر) أنت المعني بكلامه!
الأسير الآخر: لا، إطلاقا.
(أم علي تضحك بسخرية، الأسير الاخر يبدو مرتبكا، الأسير يحدجه بنظرات مستريبة)
الأسير الآخر: (متمالكا) لا تسيء فهمي يا صديقي، لقد حاولت أن أكشف حقيقة شعورها نحوك ليس إلا.
علي: (ساخرا) فعلت ذلك بحسن نية .
الأسير الآخر: تماما.
علي: وهكذا لا تتلطخ صداقتكما!
الأسير الآخر: بتاتا (للأسير) أليس كذلك؟
(الأسير ينظر اليه بحزن وصمت)
مرام: (تقترب من أمها) أنا أصدقك يا أمي.
أم علي: أخيرا تصدقينني يا بنتي؟ ( تدمع عيناها)
مرام: وأحبك كذلك.
(تتعانقان)
الأسير: هكذا أكون قد غادرتكم مرتاح البال.
أم علي: لكنك ستعود معنا، ألن تفعل؟
(يشيح بوجهه جانبا، الأسير الآخر يلحظ ذلك بارتياح محاولا إخفاء مشاعره)
علي: لماذا يا أبي ؟ نحن نريدك بيننا.
الأسير: لقد عشت حياتك من غيري يا ولدي.
علي: لكني عرفتك الآن.
الأسير الآخر: أنت شاب، ستعتني بأمك وأختك.
(ينظرون إليه باستغراب)
الأسير الاخر: (للأسير) نعم، سنواصل حياتنا معا، أنا وأنت، لن يتخلى أحدنا عن الآخر.
علي: إنه يحثك على هجرنا يا أبي، لا تنصت إليه.
الأسير: سأكون عالة عليكم يا ولدي.
علي: لا تقل هذا، نحن نحبك.
الأسير الآخر: سيتكئ أحدنا على الآخر (يمسك بذراع الأسير) سنسير معا ، لن يكون أحدنا عالة على الآخر.
مرام: لا تنصت إليه يا أبي. (برقة) نحن نحبك.
(الأسير يبدو متأثرا، الأسير الآخر يبدو مُغتمًّا)
الأسير الآخر: الحب لا يكفي، ها هي أمك أحبته، ومع ذلك لم ...
(ينظرون إليه باحتقار) (يصمت مرتبكا)
الأسير الآخر: هيا يا صديقي، لنغادر فورا ونواصل طريقنا، طريق الخلاص، لنذهب بعيدا حيث لا غدر ولا خيانة، بقاؤك معها سيعذبك، سيذكرك بماض تؤثر نسيانه. ا
(الأسير يتخلص من قبضته ويقترب من أسرته، يبدو الارتياح عليهم، علي ومرام يحيطان به بسرور)
الأسير الآخر: (بهلع) إلى أين؟
(ينظرون إليه بصمت)
الأسير الآخر: لا تتركني وحيدا (مستعطفا) تذكر كيف كنا نرقب الشفق معا، ونحن نكنس الساحة للمساجين.
(الأسير ينظر إليه بعطف)
الأسير الآخر: (مسترسلا) وكنا نأكل رغيف الشعير، ونشرب من كوز واحد.
(الأسير يبدو متأثرا)
علي: هيا يا أبي، لنعود إلي بيتنا.
(يبتعدون ويسحبون الأسير معهم)
الأسير الآخر: (يصرخ) لا ... لا تذهب.
(تعتيم بطيء، أثناء ذلك يواصلون الابتعاد بينما يتهاوى الأسير الآخر على الأرض، الأسير ينظر إليه بانفعال)

***
النهايــــــــــــــــــة






***


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

موعد مباراة المغرب وكندا في كأس العالم 2026 .. التوقيت في الدول العربية والقنوات الناقلة والبث المباشر

ذهب وملابس داخلية ذهبية تهز العراق .. ماذا يحدث؟

حادث مأساوي يودي بحياة شاب أردني في الولايات المتحدة

الصحافة الأجنبية تعلق على مباراة الأردن والأرجنتين .. ماذا قالت عن أبو ليلى وهدف ميسي

ماذا حدث لمتّبعي نظام الطيبات؟ أطباء يحسمون الجدل والأرقام تكشف المفاجأة

توقعات الذكاء الاصطناعي لبطل مونديال 2026 .. المرشح الصادم

هبة مجدي تكشف أزمتها الصحية وتخوض رحلة علاجية ضد السرطان

رحيل بطل مسرحية 'شاهد ما شفش حاجة'

أفضل سيارة كهربائية في الأردن 2026 .. مفاجأة صينية تتفوق على المنافسين بالسعر والمواصفات

موعد مباراة مصر وأستراليا في كأس العالم 2026 .. التوقيت والقنوات الناقلة والبث المباشر

استقالة خالد البكار .. هل تؤسس أول استقالة بسبب تضارب المصالح لمرحلة جديدة من المساءلة الحكومية؟

السجن خمس سنوات لمحاسب في الجمعية العلمية الملكية بتهمة الاختلاس

سيادة لبنان حاجة سورية إقليمية

غرامات تصل 3000 دينار لمخالفي تعليمات إخفاء السجائر

انخفاض الذهب محلياً بالتسعيرة الثانية