قراءة في أخلاقيات المخاطرة وتأثيرها على الأجيال

قراءة في أخلاقيات المخاطرة وتأثيرها على الأجيال

19-08-2026 12:34 AM

هذه أفكاري المشتتة تبحث عن مكان بين عقول الباحثين والدراسين، أعرضها بحثاً عن الحقيقة التي تلفها الأكاذيب. لا تغامر بحياتِكَ في مهب الريح. ربما تظنها نصيحة عابرة، لكنها عندي حقيقة مقرّرة. فكم من مغامرٍ ظنَّ نفسَه بطلاً، فإذا هو مجردُ رهينةٍ في لعبةِ الألفاظِ المتشابهة.

قد تسمع عن المغامرات، وعن المخاطرين، وقد تسمع عن المقامرين، هي عندي أسماء لمعانٍ واحدة. قد تتبين ألفاظ الكلمات لكن مدلولها واحد. فالمغامرةُ في جوهرها ليست فعلاً جسدياً بقدر ما هي حالةٌ من التّيه المعرفي، حيث تختلطُ التضحيةُ بالتهوُّر، وتتشابهُ نوايا الفعلِ في عينِ من يفتقدُ البصيرة. ليس المهمُّ ما تسمعُه، بل المهمُّ متى تُدرِكُ حقيقَتَه، وقبلَ أيِّ شيء، كيف تُحصِّنُ نفسَكَ قبلَ أن تَخوضَ غمارَهُ.

وجدت أن الكثير يُجرَكَ إلى هذه الحقائق في وقت متأخر، بعد أن يكون الثمن قد دُفع، والجراح قد التحمت. وهناك المحظوظ من يرزقهم الله الوعي المسبق، أو يرافقهم التحصين المبكر، وهؤلاء محظوظون. إنهم أولئك الذين مُنحوا نافذةً على العواقب قبل خوضِ المُقدّمات، فكانت لهم وقايةٌ من زلّات الطريق. لكن في كثير من الأحيان نفقد هذه المعجزات والمُحصنات، فيكون لهوامش المغامرة مساحة احتواءٍ واسعة، تبتلعُ الأرواحَ قبلَ أن تنضج، وتُفقِدُ العقولَ صوابَها قبلَ أن ترتوي.

وهنا تبرزُ الأسئلةُ الجوهريةُ التي لا مفرَّ منها: ما المغامرة التي نحذر منها؟ ما لونها؟ ما درجة خطورتها على النشء؟ وهل يمكن أن تؤثر تلك المغامرة غير المحسوبة على التنمية المستدامة للأجيال؟

وما أشدَّ حاجتنا اليوم إلى الإجابة، حين نرى بأم أعيننا شباناً يغامرون بحياتهم في بعض فضاءات الانحراف الاجتماعي، يبحثون عن المجد في تحدٍّ ينتهي بجروح، أو في سفرٍ بلا تخطيط يتحول إلى مأساة، أو في تيارات فكرية هدامة تُلبسُهم ثوبَ التحرر وهي تسلبُهم عقولَهم. تلك المغامرات لم تعد حكاياتٍ في الكتب، بل هي مشاهد يومية تطرق أبواب بيوتنا، وتسرق أجمل ما نملك قبل أن ننتبه. فكيف لنا إذن أن نصنفها، ونقيس خطرها، ونحمي منها فلذات أكبادنا؟

أحسب أن إجابتي ستكون واضحة محسوبة المخارج. فليس الخطرُ في سطوةِ المجهولِ بقدرِ ما هو في غيابِ الضوابطِ التي تمنحُ الفعلَ معنىً، وتجعلُ للعواقبِ حساباً. لونُها ليس أبيضَ ناصعاً ولا أسودَ حالكاً، بل هو رماديّ مُلتبس، تتخفّى فيه النوايا، وتتشكّلُ فيه الهُويّاتُ على عجل. أما خطورتها على النشء، فهي أن تخطفَ منهم أدواتِ التمييز، وتزرعَ فيهم اعتقاداً بأنّ كلَّ خروجٍ عن المألوف هو بطولة، وكلَّ تجاوزٍ للحدود هو تحرّر. وما أقسى أن يكبرَ جيلٌ يجهلُ الفرقَ بين الشجاعةِ والتهوّر!

والأخطر من هذا كلِّه، أن تلك المغامرة غير المحسوبة لا تقفُ عند حدودِ الفردِ ووعيه، بل تتعدّاها إلى مستقبل الأمة بأكمله. فالخارج في هذه المغامرة - كما أحسبُ - هو كائن حي، كائن يفترض أن يكون عضواً نافعاً في هذه الحياة. يكون فرداً صالحاً في مجتمعه، يكون عضواً يحمل رسالة التأشيرة لعالم السعادة، يكون فرداً صالحاً في ذاته. لكن هذه المغامرة التي لا تحسبُ عواقبها، تحوّله إلى كائنٍ مشوّه، يرهقُ مؤسساتِ الرعايةِ بدلاً من أن يبنيَ مؤسساتِ العمران. كيف نؤسسُ تنميةً مستدامةً، إذا كان الفردُ الذي نُخرّجهُ للعملِ والبناءِ يعيشُ في شرنقةِ مغامراتٍ فارغةٍ، تستهلكُ طاقتَه وتُضيّعُ مستقبلَه؟

تلك الرؤى ومثلها تبحث لها عن إجابة محكمة في الشرع وقوانين البشر، وتحمل لها عن الخلاص في برامج الرعاية والتأهيل في قوانين البشر. هي رؤى ترصد بصيص الأمل عند العقلاء. فالشرعُ يمنحنا البوصلةَ الأخلاقيّةَ الثابتة، وهي تلك المحصناتُ التي تحمي الفردَ قبلَ السقوط، بينما تفتح قوانينُ البشرُ أبوابَ برامجِ التأهيلِ لمن غرقوا في هوامشِ المغامرة، ليكونَ لهم جسرُ عبورٍ لا وصمةُ إقصاء. إنّها رؤيةٌ متكاملة، تدركُ أنَّ الخلاصَ ليس في رجمِ المخطئين، بل في تهيئةِ الأسبابِ التي تجعلُ منهم، بعدَ العثرةِ، أعضاءً صالحينَ في جسدِ المجتمعِ مجدّداً.

وهكذا، تفتحُ هذه الرؤى هوامشَ السطورِ لفكّ الألغاز المعشّشة في عقول من تستهويهم مغامرة الشاهدين عن الشرائع وقوانين البشر الموضوعة. إنهم أولئك الذين يقفونَ على الحيادِ الواهم، يظنّونَ أنفسهم حكماءَ، وهم في الحقيقةِ تائهونَ بينَ لُججِ التساؤلِ دونَ مرسىً من يقينٍ أو رحمةٍ من تشريع. لكنّ العقلاءَ - وهم قلّةٌ - هم وحدهم من يدركون أنَّ الحقيقةَ لا تُستوعَبُ قراءةً، بل تُستكمَلُ تأمّلاً، وأنَّ المغامرةَ الكبرى ليست في تجاوزِ الثوابتِ، بل في العودةِ إليها بحكمةِ من عرفَ طريقَ العودةِ قبلَ أن يضلَّ.

هي خلاصةُ القولِ: لا تغامرْ بحياتِكَ في مهبِّ الريح، فالحياةُ ليست لعبةَ ألفاظٍ، بل مسؤوليةُ وجودٍ. احفظْ تحصينَكَ، وابحثْ عن حقيقتِكَ بينَ نصوصِ الشرعِ ورحمةِ القوانين، وكنْ ذلك العضوَ النافعَ الذي تحملُ الأجيالُ القادمةُ ذكراهُ، لا ذلك المغامرَ الذي يندثرُ اسمُه في زوابعِ النسيان.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

غزة: شهيد ومصابون بقصف للاحتلال على جباليا

7 إصابات بحادث اصطدام شاحنة بعدة مركبات على طريق الحزام الدائري بعمان

الوزراء يقر مشروع قانون التصديق على اتفاقية تسليم الأشخاص مع المغرب

إدراج موقع المغطس ضمن الشبكة الوطنية للمناطق المحمية

مشروع نظام جديد يُعيد تنظيم مديريات دائرة الإفتاء .. تفاصيل

نظام حكومي لتنظيم إدارة وصلاحيات الكليات الرسمية والخاصة

الحكومة تحيل معدل نظام الاتحادات إلى ديوان التشريع والرأي

تحديث البنية التحتية وتعزيز الوقاية .. إطلاق استراتيجية وزارة الصحة للأعوام (2026-2030)

نظام جديد لتنظيم شركات تزويد المنازل بعاملات التنظيف في الأردن

واشنطن تؤكد انهيار الاقتصاد الإيراني .. ونتنياهو يكشف عن نقاشات مع ترامب بشأن طهران

رسالة انتخابية من الحدود الشمالية .. نتنياهو يتعهد بتدمير إيران

غارات إسرائيلية تستهدف بلدات بالجنوب اللبناني وتحليق حربي في أجواء البقاع

مجلس الوزراء يقر استراتيجية توطين الطائرات المسيرة

الخدمات الطبية والجامعة الهاشمية توقعان ملحق اتفاقية تعاون تدريبي وأكاديمي

خبراء: الذكاء الاصطناعي أسهم بتحسين جودة الحياة اليومية للإنسان

خبير اقتصادي يحذر الأردنيين .. استعدوا لسيناريوهات صعبة

17 ألف تنكة زيت فارغة تثير الشبهات في إربد .. ما القصة؟

التربية توضح للسوسنة السبب وراء حذف صور طالبات مدرسة جرش

خدمة جديدة من الضمان الاجتماعي للمشتركين والمتقاعدين .. تفاصيل

عطلة الـ3 أيام لموظفي الحكومة .. ما حقيقة تطبيقها نهاية الشهر

ترفيع وإحالات إلى التقاعد في الحكومة .. أسماء

اعتداء جماعي على طفل في إربد .. تفاصيل

لا تسلم مركبتك لغير المرخصين .. الأمن العام يوضح العقوبات

الأمن العام يفتح باب التجنيد للذكور والإناث في الأردن .. تفاصيل

زيادة 30 دينارا لرواتب الموظفين والمتقاعدين .. تفاصيل موازنة 2027.

مقاطعة أربع جهات تأمينية الأحد .. ماذا ينتظر المرضى؟

تصريح عن تصفيق الأردنيين لصواريخ إيران يشعل ردود الفعل

خبر هز الوسط الفني .. وفاة نجم أردني كبير .. صورة

عرّوه وصوّروه وكسروا جمجمته .. تفاصيل صادمة عن خطف طالب إعلام في إربد

عنوان رقمي مرتبط بهويتك .. تعديل جديد على التبليغات القضائية في الأردن