واه بياه يا يابه

واه بياه يا يابه

18-08-2026 04:51 PM

الفضيلة لا تحتاج إلى استعراض، والذي يبالغ في إظهارها تحكم عليه أفعاله لا كلامه، فليس كل من أكثر الحديث عن القيم كان من أهلها، وليس كل من رفع صوته بالحق كان نصيرا له، فالفضيلة حين تسكن النفس تظهر في المواقف، وتتكلم الأفعال حين يصمت الكلام
وفي مجاهل الطريق، وأثناء سير الإنسان في طريق لا نهاية لاحتياجاته وآماله، يقف صارخا حين تناله من سياط الحياة ما يؤجج في صدره الفقد، وليس ثمة فقد أكبر من فقدان السند الحقيقي الذي يتأوه قبل شعورك بالألم، وغالبا لا يكون هذا السند إلا الوالد إن فُقد وغادر، "وهناك قلة من الآباء ليسوا ممن أعنيهم"
وهنا، في خضم الحسرات التي تملأ نفس الفاقد لأبيه، لا يسمع إلا صدى صراخه في فضاء أصم، ينادي فلا مجيب، ويستغيث فلا مغيث، ويمد يده إلى حيث كان يظن أن السند لا يسقط، فإذا به يجد مكانه فراغا لا يمسك يده فيه أحد
ذات زمن، قالت امرأة مستنجدة بمن كان مقامه مقام الأب للأمة، وصرخت، وامعتصماه، فتردد صدى صوتها حتى بلغ المعتصم، وكان منه ما كان، إذ سيّر جيشه الجرار، وانتصر لها، وزاد على ذلك أن فتح عمورية، لأن صرخة المظلوم في زمن كان لها من يسمعها، وكان لها من يهب لنجدتها، وكان للكرامة رجال يعرفون أن نصرة المستغيث ليست كلاما يقال، وإنما فعل يترجم في الميدان
واه بياه يا يابه
صرخات تملأ أركان سمعنا وبصرنا، من أمة نالها من الحسرات ما نالها، بفقد الآباء، وفقد السند، وفقد من ينتصر لصرخاتها، حتى أصبحت الصرخة نفسها عادة من عادات الوجع، نسمعها في كل مكان، ثم نمضي كأننا لم نسمع شيئا
واه بياه يا يابه
لا جواب إلا ممن لا يملكون حولا ولا قوة، وهم أيضا يملؤون المدى صراخا واستنجادا، ولا مغيث، كل واحد منهم ينظر إلى الآخر، وكل واحد ينتظر يدا تمتد إليه، حتى صار المستغيث يبحث عن مستغيث مثله، وصار الضعيف يواسي الضعيف، ولا أحد يملك أن يكون ذلك الأب الذي يحتمي به الخائف، أو ذلك السند الذي يستند إليه المنكسر
واه بياه يا يابه
صداها يأتي ممن يشمت فيما نالك من فقد وحسرات، وعلى سيرة حياة آلت أحوالها إلى موت المعتصم، وموت الأب، وموت الضمير، وطغيان حاقد لا تسمع منه إلا استعراضات ضخمة للفضيلة والقيم، ولا ترى منه إلا عكس ما يقول، يتحدث عن الرحمة وقلبه لا يعرفها، ويتحدث عن الوفاء وهو أول من يغدر، ويتحدث عن القيم وهو أول من يدوسها حين تتعارض مع هواه
واه بياه يا يابه
ما أقسى أن يفقد الإنسان أباه، وما أقسى أن يفقد بعد أبيه معنى الأبوة فيمن حوله، وما أقسى أن يرى من كان ينتظر منهم الرحمة يمرون على وجعه دون أن يلتفتوا، بل ربما وقف بعضهم يتلذذ بانكساره، ويحسب أن سقوطه انتصار، وأن وجعه غنيمة
واه بياه يا يابه
ليست كل صرخة تبحث عن نجدة، بعضها يبحث فقط عن قلب يسمعها، وعن روح تشعر بها، وعن إنسان يقول للمنكسر لا تخف، أنا هنا، لكن حين تموت هذه المعاني في الناس، يصبح العالم واسعا في عيون الأقوياء، وضيقاً حد الاختناق في صدور الضعفاء
واه بياه يا يابه
ومع ذلك يبقى للإنسان رب لا يغيب، ويسمع ما لا يسمعه الناس، ويرى ما لا يرونه، ويعلم موضع الألم حين يعجز صاحبه عن وصفه، فكم من صرخة لم يسمعها بشر، فسمعها الله، وكم من مظلوم ظن أن صمته ضياع، فإذا بصمته عند الله شهادة، وكم من قلب انكسر بين أيدي الناس، فكان جبره عند من لا يضيع عنده شيء
واه بياه يا يابه
فيا من تستعرضون الفضيلة، اتركوا للفضيلة أن تتحدث عنكم، ويا من ترفعون رايات القيم، دعوا أفعالكم تحملها عنكم، فليس الإنسان بما يقول عن نفسه، وإنما بما يتركه من أثر في نفوس من مروا به، وليس الأب من حمل الاسم وحده، ولا السند من وقف إلى جوارك حين كنت قويا، وإنما الأب من بقي أبا حين انكسرت، والسند من بقي سندا حين لم يعد في يدك ما تقدمه له
واه بياه يا يابه
وما بين صرخة امرأة قالت وامعتصماه، وصرخات أمة تقول اليوم واه بياه يا يابه، مسافة طويلة من الزمن، لكنها قصيرة جدا في معنى الوجع، فالموجوع هو الموجوع، والمستغيث هو المستغيث، والفرق أن هناك من كان يسمع، وهناك من ماتت في داخله حاسة السمع قبل أن يموت جسده
واه بياه يا يابه



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد