اللامركزية تحت سقف المركز: قصة مدينة واحدة

اللامركزية تحت سقف المركز: قصة مدينة واحدة

18-08-2026 02:30 PM




يناقش مجلس النواب قانون الإدارة المحلية، وسيحسم، بطريقة أو بأخرى، توزيع الصلاحيات بين المجالس والوزارة. لكن السؤال الهيكلي الأكبر سيظل معلقاً خارج النص: لماذا فشل الأردن، حتى اللحظة، في صناعة مدينة ثانية؟

قبل خمسة عشر عاماً، وأثناء رئاستي لغرفة صناعة إربد وعضويتي في بلديتها، كتبت مقالاً بعنوان «قصة مدينة واحدة». كان السؤال حينها: لماذا تتقاسم مدينتان أو أكثر أثقال الاقتصاد والتنمية في معظم الدول، بينما نحشرها في الأردن داخل مدينة واحدة؟ دمشق وحلب، القاهرة والإسكندرية، الدار البيضاء والرباط، بغداد والبصرة، الرياض وجدة؛ أما الأردن فيصرّ على الوقوف على ساق واحدة: عمّان.

مضت خمسة عشر عاماً، وما نزال نكرر القصة ذاتها.

ولكي ندرك كلفة هذا الاختلال، يكفي أن نغادر صويلح شمالاً. سنقطع أكثر من مئة وعشرين كيلومتراً عبر جرش وإربد وصولاً إلى أم قيس، من دون أن نجد فندقاً واحداً من فئة الخمس نجوم، بقاعات تؤهله لاستضافة مؤتمر اقتصادي، أو مكاناً يقيم فيه سائح يرهقه عناء العودة ليلاً إلى عمّان.

غياب الفندق ليس المشكلة؛ إنه الدليل على أن الشمال بأكمله عجز عن خلق مركز جذب يحتفظ بالزائر والمؤتمر والاستثمار.

وإربد هي النموذج الصارخ لهذا الخلل. عاصمة إقليم يضم أكثر من ثلاثة ملايين نسمة، وتحتضن أكثر من ستين ألف طالب جامعي؛ مقومات كان يفترض أن تجعلها عاصمة الموارد البشرية في المملكة، وقاعدة لاستثمارات ذات قيمة مضافة في التكنولوجيا والبحث والصناعات المتقدمة. لكنها لم تتجاوز حتى الآن كونها مدينة جامعية متضخمة، تستهلك طاقتها بلا أفق. وما إن يتخرج الطالب من جامعاتها حتى يحزم حقائبه بحثاً عن فرصة في عمّان أو خارج البلاد.

وتضم قاعدتها الصناعية مصانع محلية مهمة، لكنها، في مجموعها، لم تنتج بعد قيمة محلية توازي حجم المدينة؛ فالثقل التصديري ما يزال متركزاً في صناعة الألبسة، ويأتي جانب كبير منه من مصانع مملوكة لمستثمرين أجانب تعتمد على مدخلات وعمالة وافدة. أما اقتصاد المدينة اليومي فما يزال خدمياً استهلاكياً يقتات على الكتلة البشرية ذاتها: شقق تؤجَّر، ووجبات تُباع، ومقاهٍ تزدحم. اقتصاد يعيد تدوير إنفاق السكان والطلبة، ولا يحول العلم والمهارات إلى إنتاج واستثمار ووظائف نوعية. والنتيجة: إربد تحمل ثقلاً بشرياً هائلاً كمّاً ونوعاً، فيما تحتكر عمّان ثقل الاقتصاد والسياسة؛ وهذا، في أحسن أحواله، تشوّه بنيوي في الخريطة التنموية .

هذه حصيلة مركزية متصلبة أبقت المال والقرار والاستثمار والجاذبية في بؤرة واحدة، تحرسها سقوف سياسية واقتصادية ومصالح تخشى أن تفقد شيئاً من وزنها. ولعل هناك أسباباً أعمق لا أدركها؛ فأفيدوني.

من هذا المأزق، تبدو فكرة إنشاء مطار تجاري زراعي في إربد، التي طرحها النائب خالد أبو حسان، خطوة عملية في الاتجاه الصحيح، متى أثبتت الدراسات جدواها. فالأمر لا يتعلق بمدرج للطائرات، وإنما بمنفذ جوي يربط الشمال بالتجارة والسياحة والتصدير والاستثمار، ويبدأ بتحويل فعلي للحركة والفرص نحو الشمال.

ولعل وزير الإدارة المحلية وليد المصري، الذي شكلت اللامركزية شغفاً مهنياً له منذ بدايات مسيرته، من أكثر المسؤولين إدراكاً أن هذا الحلم لن يصنعه نص قانون، ولن يتحقق بين ليلة وضحاها. إنه يحتاج إلى خارطة طريق تبدأ بتوزيع الأحمال والجاذبية، وتتقدم درجة تلو أخرى.

سيحسم مجلس النواب مواد القانون. أما التحدي الحقيقي فهو أن نتحول من دولة المدينة الواحدة إلى دولة المدينتين، وأن يقف الأردن أخيراً على ساقين. وهنا يبدأ بناء اللامركزية الحقيقية.


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد