لماذا كان لبنان على الطاولة وغزة خارجها

لماذا كان لبنان على الطاولة وغزة خارجها

24-06-2026 03:32 PM

ما إن أُعلن عن التفاهمات الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران حتى ارتفعت أصوات تتهم طهران بأنها فاوضت على لبنان وتركت غزة تواجه مصيرها وحدها. وقد يبدو هذا الاتهام منطقياً لمن ينظر إلى السياسة بعين العاطفة، لكنه يفقد كثيراً من وجاهته عندما يُقرأ بمنطق المصالح وموازين القوى، وهي اللغة الوحيدة التي تحكم العلاقات الدولية.
فالدول لا تدخل المفاوضات وهي تحمل أحلام الآخرين، وإنما تدخلها وهي تحمل مصالحها الوطنية. هذه ليست فضيلة ولا رذيلة، بل هي القاعدة التي قامت عليها السياسة الدولية منذ نشأة الدولة الحديثة.
ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا تفاوضت إيران على لبنان؟ وإنما: لماذا لم يكن للعرب مشروع قادر على فرض غزة على طاولة المفاوضات؟
لقد قدمت إيران، منذ عام 1979، دعماً سياسياً وعسكرياً ومالياً لفصائل المقاومة الفلسطينية بدرجات متفاوتة، في ظل حصار وعقوبات وضغوط دولية متواصلة. ويمكن الاختلاف حول أهداف هذا الدعم أو حجمه أو دوافعه، لكن يصعب إنكار وجوده. وفي المقابل، فإن النظام العربي الرسمي، على امتداد عقود، لم ينجح في بناء مشروع عربي موحد لتحرير فلسطين أو حتى لحماية الفلسطينيين، بل شهدنا انقسامات عربية، واتفاقيات سلام منفردة، ومسارات تطبيع، وتراجعاً تدريجياً لمركزية القضية الفلسطينية في أولويات عدد من الدول.
ومن غير الإنصاف تحميل إيران مسؤولية تحرير القدس، بينما الأمة العربية نفسها، بكل إمكاناتها البشرية والاقتصادية والعسكرية، لم تتفق حتى اليوم على استراتيجية مشتركة لتحقيق هذا الهدف. فالمطالبة بأن تقوم دولة غير عربية بما عجز عنه العرب جميعاً، تعكس خللاً في تشخيص المشكلة أكثر مما تعكس نقداً لإيران.
أما لبنان، فله حسابات مختلفة. فإيران تنظر إلى حلفائها هناك بوصفهم جزءاً من منظومة أمنها الإقليمي، ولذلك يصبح الملف اللبناني جزءاً من أي تفاوض يتعلق بالأمن والاستقرار في المنطقة. والدول، في النهاية، تفاوض حيث تمتلك النفوذ، وتحمي حيث تمتلك أدوات التأثير..
لقد شهد العالم اتفاقات كثيرة انهارت بعد ساعات أو أيام لأنها لم تكن محمية بميزان قوة حقيقي. وشهدنا اتفاقات لوقف إطلاق النار في غزة تعثرت أو انهارت مع تجدد العمليات العسكرية، وهو ما يبرز حقيقة مؤلمة: الاتفاق الذي لا يستند إلى قدرة على ردع من يخرقه يبقى عرضة للانهيار..
إن التاريخ يعلمنا أن السلام لم يكن يوماً ثمرة النوايا الحسنة وحدها، بل ثمرة توازن القوة. فلم يمنع الحرب الباردة حب السلام، وإنما منعها الردع النووي. ولم تحافظ القوى الكبرى على استقرارها النسبي إلا لأنها أدركت أن كلفة المواجهة المباشرة أكبر من مكاسبها.
ولهذا قال المفكرون في العلاقات الدولية إن "القوة هي اللغة التي تُكتب بها السياسة، أما الاتفاقات فهي مجرد ترجمة لهذه اللغة".
واليوم، إذا نظرنا إلى الواقع العربي، نجد مفارقة تستحق التأمل. فالعالم العربي يمتلك أكثر من أربعة مئة مليون نسمة، وثروات هائلة، وناتجاً محلياً يفوق بأضعاف الناتج المحلي الإيراني، ومساحة جغرافية تمتد عبر قارتين، ومع ذلك ما زال عاجزاً عن تشكيل قوة ردع عربية موحدة، أو بناء مشروع استراتيجي يجعل صوته مسموعاً في القضايا المصيرية.
وفي المقابل، استطاعت إيران، رغم العقوبات والعزلة والضغوط، أن تفرض نفسها لاعباً إقليمياً رئيسياً لا يمكن تجاوز مصالحه عند مناقشة ملفات المنطقة.
ليست القضية هنا تمجيداً لإيران، ولا تبرئةً لسياساتها، فلكل دولة حساباتها وأخطاؤها ومصالحها. وإنما القضية هي أن الأمم تُقاس بما تملك من مشروع، لا بما ترفعه من شعارات، وبما تملك من أدوات تأثير، لا بما تصدره من بيانات.
لقد آن الأوان لأن يتوقف العرب عن البحث الدائم عن شماعة يعلقون عليها إخفاقاتهم. فالمشكلة ليست أن لإيران مشروعاً، وإنما أن العرب لم يبنوا مشروعاً عربياً جامعاً يوازيه أو ينافسه. والفراغ الاستراتيجي لا يبقى فراغاً؛ فسرعان ما يملؤه الآخرون.
إن الحقيقة التي تؤكدها وقائع التاريخ هي أن الاتفاقات لا يحميها الحبر، ولا البيانات، ولا الأمنيات، وإنما تحميها القوة. والقوة ليست دعوة إلى الحرب، بل هي الضمانة التي تمنع الحرب، وتجعل السلام ممكناً، وتجبر الخصوم على احترام العهود.
"وفي السياسة، كما في التاريخ، لا تُوزَّع الحقوق على قدر عدالتها، بل على قدر القوة القادرة على حمايتها. لذلك فإن الأمة التي لا تمتلك مشروعاً وقوةً تحميه، ستظل تكتب بيانات الاحتجاج، بينما يكتب الآخرون خرائط المنطقة."



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

سفيرة إيرلندا تشيد بأداء النشامى والجماهير الأردنية في مونديال 2026

الصفدي يؤكد أهمية دعم الأونروا لضمان استمرار خدماتها للاجئين الفلسطينيين

عبد الله نصيب يودّع جماهير الأردن برسالة مؤثرة بعد الخروج من مونديال 2026

السفيرة الإيرلندية: الأردن قوة للاستقرار والاعتدال

عُمان وقطر تبحثان مسار مفاوضات واشنطن وطهران

الفايز يدعو إلى التفكير بتنفيذ مشروع يشابه الناقل الوطني

تعميم بتنظيم التصوير والمقابلات أمام قاعات امتحانات التوجيهي

لماذا كان لبنان على الطاولة وغزة خارجها

ولي العهد يلتقي بقادة تنفيذيين لشركات تكنولوجية أميركية

ضبط تعبئة مياه غير صالحة للشرب ومخالفات بإربد وعمان

انطلاق أولى جلسات التوجيهي الخميس

نائب سابق ينتقد الحركات النسوية ويؤكد: يشرّفني أن أكون متخلّفا

مهرجان صيف الأردن ينطلق الجمعة ودخول مجاني للمواطنين

عاصم سليمان الحنيطي .. مبروك الماجستير والدبلوم العالي

نائب يسأل الحكومة عن حادثة وزارة السياحة .. وثيقة

تنويه للمواطنين .. توقف مؤقت لضخ المياه بهذه المناطق

تحديد هوية الشاب المتوفي في تدافع مباراة الأردن والجزائر .. صورة

انخفاض كبير على أسعار الذهب محلياً الخميس

موظفة بالسياحة تتهجم على مكتب الوزير .. التفاصيل

على نفقته الخاصة .. الملك  يوجه دعوة خاصة لسيدة أردنية لزيارة المملكة

المدرج الروماني يفتح أبوابه للجماهير لمتابعة مباراة النشامى والجزائر

الزراعة: شحنة عجول كولومبية عابرة للعراق وليست للسوق الأردنية

تنفيذ الإعدام تباعاً بحق محكومين في السجون الأردنية

فرصة للمقبلين على الزواج .. هبوط أسعار الذهب محلياً اليوم

بحث إنشاء مجمع سفريات في النعيمة بإربد

الإدارية النيابية تبحث مع الأحزاب مسودة مشروع قانون الإدارة المحلية لسنة 2026

موعد التقديم للعمل على حساب التعليم الإضافي بالتربية

خبر طلاق نسرين طافش يتصدر المواقع

مهم لسكان هذه المناطق بشأن فصل الكهرباء الاثنين

وظائف حكومية شاغرة ومدعوون لاستكمال إجراءات التعيين .. تفاصيل