هل تدخل طهران وعُمان صراعاً على إدارة مضيق هرمز

هل تدخل طهران وعُمان صراعاً على إدارة مضيق هرمز

26-06-2026 12:10 PM

لم يعد مضيق هرمز مجرد معبر بحري تنساب عبره ناقلات النفط والغاز إلى الأسواق العالمية، بل تحول إلى إحدى أكثر ساحات الصراع الجيوسياسي تعقيداً في الشرق الأوسط، حيث تتقاطع الحسابات العسكرية مع المصالح الاقتصادية، وتتداخل اعتبارات السيادة مع قواعد القانون الدولي، فيما تبدو كل خطوة ميدانية قابلة لإشعال أزمة إقليمية جديدة.. وأمسى المضيق خاضعاً لقواعد حرب تتحكم بها إيران، كونها صاحبة الذراع الطويلة التي لا تتردد في الرد.. على اعتبار أن التفاهمات الأخيرة في سويسرا بين أطراف النزاع تحتاج لشهرين حتى يتم فيها التوصل إلى اتفاق نهائي.
فالتطور الأخير، المتمثل في استخدام أكثر من خمسين سفينة تجارية مساراً ملاحيّاً يمر عبر المياه العمانية، متجاوزةً الممر الذي تعتمد عليه إيران لتنظيم حركة الملاحة، لا يمكن النظر إليه بوصفه مجرد تعديل فني في خطوط الإبحار، وإنما يمثل اختباراً مباشراً لمعادلة النفوذ التي كرستها طهران طوال السنوات الماضية في واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.
وتشير معطيات الملاحة الدولية إلى أن هذا المسار المؤقت جاء بالتنسيق بين سلطنة عُمان والمنظمة البحرية الدولية، بهدف تخفيف الازدحام وضمان انسيابية حركة السفن، غير أن إيران قرأت الخطوة من زاوية مختلفة تماماً؛ إذ رأت فيها محاولة عملية لتقليص دورها في إدارة المضيق، وانتزاع واحدة من أهم أوراق قوتها الاستراتيجية.
ولم تتأخر طهران في الرد، إذ أصدر الحرس الثوري بياناً شديد اللهجة أكد فيه رفض أي ممرات بحرية لا تخضع للإجراءات الإيرانية، محذراً من أن السفن التي تستخدم مسارات غير معتمدة قد تُعامل باعتبارها أهدافاً تهدد أمن الملاحة. كما شدد على ضرورة تواصل السفن مع بحرية الحرس الثوري عبر القناة البحرية الدولية (16) والحصول على إذن مسبق للعبور.
وتبع ذلك بيان آخر صادر عن هيئة مضيق هرمز الإيرانية، أكدت فيه أن السفن التي تستخدم مسارات لا تعتمدها طهران لن تحظى بضمانات "العبور الآمن"، وهي رسالة حملت، في نظر كثير من المراقبين، تهديداً مبطناً باستخدام القوة لفرض الأمر الواقع.
ولم يمض وقت طويل حتى تعرضت سفينة شحن إلى قصف جنوب أحد الموانئ العمانية، بينما أعلنت هيئة التجارة البحرية البريطانية أن الأضرار اقتصرت على الجانب المادي، دون وقوع إصابات، لكنها قررت تعليق عمليات إجلاء السفن والبحارة العالقين داخل المضيق حتى تتضح ملابسات الحادث.
وفي هذا السياق، نقلت صحيفة وول ستريت جورنال عن مسؤولين أمريكيين قولهم إن المؤشرات الأولية ترجح مسؤولية الحرس الثوري الإيراني عن استهداف السفينة، في حين أفادت وكالة بلومبرغ بأن أربع سفن، بينها ناقلتا نفط عملاقتان، اضطرت إلى التراجع عن عبور المضيق عبر المسار العماني الجديد بعد تصاعد التهديدات الإيرانية.
كما زاد من حدة الأزمة تصريح مسؤول إيراني اعتبر أن المبادرة العمانية تخالف مذكرة التفاهم الموقعة بين الجانبين في سويسرا بشأن تنظيم الملاحة في المضيق.
*لماذا جاء الرد الإيراني بهذه الحدة؟
في تقديري، لا يرتبط التصعيد الإيراني بالسفن التي غيرت مسارها بقدر ارتباطه بالرسالة السياسية الكامنة وراء الخطوة العمانية.
فطهران تدرك أن إنشاء ممر ملاحي بديل، بإشراف المنظمة البحرية الدولية، قد يتحول تدريجياً إلى نموذج دائم، الأمر الذي يحد من قدرتها على التحكم بحركة الملاحة، ويضعف إحدى أهم أوراق الضغط التي تستخدمها في مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها.
ومن هنا، تبدو الأزمة أكبر من مجرد خلاف تقني حول خطوط الملاحة؛ إنها صراع على من يمتلك سلطة إدارة المضيق، ومن يحدد قواعد المرور فيه، ومن يحتفظ بورقة تعطيل التجارة العالمية متى شاء.
ويزداد هذا القلق الإيراني في ظل غياب اتفاق سياسي شامل مع واشنطن، إذ لا تزال التفاهمات الحالية تقتصر على مذكرات تفاهم أولية، بينما تبقى الملفات الجوهرية، وفي مقدمتها العقوبات والدور الإقليمي الإيراني، معلقة دون تسوية نهائية.
في المقابل، تجد سلطنة عُمان نفسها أمام معادلة معقدة؛ فهي تسعى إلى الحفاظ على دورها التقليدي وسيطاً إقليمياً، وفي الوقت نفسه تتعرض لضغوط متزايدة من الولايات المتحدة ودول الخليج والمجتمع الدولي لضمان استمرار انسياب التجارة العالمية وعدم تحول مضيق هرمز إلى رهينة للتجاذبات السياسية.
ولذلك سارعت مسقط إلى التأكيد أن الممر المؤقت لا يهدف إلى فرض واقع جديد، وأنها لا تنوي فرض أي رسوم على السفن العابرة، بل تسعى فقط إلى معالجة أزمة السفن والبحارة العالقين.
*بين تدويل المضيق واحتكار إدارته
ما تخشاه إيران فعلياً هو أن يتحول التدخل الفني للمنظمة البحرية الدولية إلى مقدمة لإدارة دولية للمضيق، سواء عبر إشراف أممي أو من خلال وجود بحري متعدد الجنسيات، وهو سيناريو ترى فيه طهران تهديداً مباشراً لنفوذها الإقليمي.
ومن هنا، يمكن فهم التصعيد الإيراني باعتباره رسالة تفاوضية بقدر ما هو رسالة عسكرية، مفادها أن أمن الملاحة في مضيق هرمز لا يمكن أن يتحقق من دون موافقة إيران، وأن أي ترتيبات جديدة ستظل عرضة للاهتزاز ما لم تأخذ المصالح الإيرانية في الحسبان.
*كيف يتحول مضيق هرمز من ورقة ضغط إلى مشروع اقتصادي
اللافت أن صحيفة -وول ستريت جورنال- كشفت عن بعد آخر في الاستراتيجية الإيرانية، يتمثل في تحويل المضيق إلى مصدر دخل اقتصادي ضخم.
فالصحيفة أشارت إلى أن طهران تدرس الاستفادة من الثغرات التي تتيحها اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، والتي تمنع فرض رسوم على مجرد عبور السفن، لكنها تسمح بتحصيل مقابل مالي لقاء خدمات مثل الإرشاد الملاحي، وتشغيل المنارات، ومكافحة التلوث، والحماية البحرية.
وبحسب التقرير، تعتقد دوائر إيرانية أن تطبيق هذا النموذج قد يوفر ما يصل إلى أربعين مليار دولار سنوياً، وهو رقم يفوق بكثير العائدات السنوية لقناة السويس في أفضل سنواتها.
وتضيف الصحيفة أن طهران طرحت هذه الفكرة على عدد من دول الخليج والصين، في إطار تصور يقوم على إدارة مشتركة للمضيق وتقاسم العائدات المالية، مستندة إلى تجارب مشابهة، من بينها النظام المطبق في مضيق الدردنيل التركي، (بموجب اتفاقية مونترو (1936) في سويسرا، وهي الأساس القانوني والتاريخي الذي ينظم الملاحة في مضيقي الدردنيل والبوسفور) وإن كان الأخير يستند إلى اتفاقيات قانونية مختلفة.
*رفض خليجي... وتحفظ أمريكي
في المقابل، جاء الموقف الخليجي حاسماً. فقد أكد المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات، الدكتور أنور قرقاش، أن فرض وقائع جيوسياسية جديدة بالقوة لن يقود إلى الاستقرار، بل سيؤسس لمزيد من الصراعات.
من جهته شدد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، عقب اجتماعاته مع وزراء خارجية دول الخليج، على أن حرية الملاحة تمثل مصلحة دولية لا يجوز إخضاعها لإجراءات أحادية أو لرسوم تفرضها أي دولة منفردة، متناسياً السبب الرئيسي للأزمة المتمثل بالعدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران، بمشاركة قواعدها في الخليج، وارتباط ذلك بحل شامل غير منقوص.
*إلى أين تتجه الأزمة؟
المشهد الحالي يفتح الباب أمام احتمالين رئيسيين:
الأول:- أن تقدم الولايات المتحدة على رد عسكري ضد إيران إذا ثبتت مسؤوليتها عن استهداف السفينة، وهو ما قد يدفع طهران إلى تنفيذ تهديداتها بتعطيل الملاحة أو إغلاق المضيق بصورة جزئية.
الثاني:- وهو الأقرب في ضوء الحسابات السياسية الراهنة، فيتمثل في تجنب واشنطن المواجهة المباشرة، الأمر الذي سيجبر السفن على العودة إلى استخدام المسارات التي تفرضها إيران، بما يكرس نفوذها البحري ويمنحها ورقة تفاوض إضافية في أي مفاوضات مستقبلية.
وأخيراً، يبقى مضيق هرمز مرشحاً لأن يظل إحدى أكثر بؤر التوتر قابلية للاشتعال، حيث يكفي حادث بحري واحد أو قرار سياسي متسرع لإعادة العالم إلى حافة أزمة طاقة جديدة، قد تتجاوز آثارها حدود الشرق الأوسط إلى الاقتصاد الدولي بأسره.. وهذا يثبت أن طريق الحروب باتت قصيرة في عالم متغير ولا تتحكم بأزماته المعايير التقليدية.. ويبدو أن إيران صار بوسعا تنفس الصعداء بعد حصار فرض عليها منذ سبعة وأربعين عاما؛ لكن الرهانات أكثر تشعباً من ذي قبل.
26 يونيو 2026



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

لفتة للنشامى نالت إعجاب الجماهير العربية والجزائرية .. صورة

تراجع سوق الدواجن في الأردن يفتح ملف نظام الطيبات والمخاوف الصحية

الأردن يقترب من إنتاج 500 طن سنوياً من الكعكة الصفراء

تحديد هوية الشاب المتوفي في تدافع مباراة الأردن والجزائر .. صورة

موظفة بالسياحة تتهجم على مكتب الوزير .. التفاصيل

هبوط بأسعار الذهب محلياً اليوم

نداء للتعرف على هوية المتوفى بتدافع مباراة النشامى

على نفقته الخاصة .. الملك  يوجه دعوة خاصة لسيدة أردنية لزيارة المملكة

وظائف حكومية شاغرة ومدعوون لاستكمال إجراءات التعيين .. تفاصيل

المدرج الروماني يفتح أبوابه للجماهير لمتابعة مباراة النشامى والجزائر

نهر إسمنتي غامض في غزة .. ما حقيقة استخدامه في ترميم المنازل

تنفيذ الإعدام تباعاً بحق محكومين في السجون الأردنية

فرصة للمقبلين على الزواج .. هبوط أسعار الذهب محلياً اليوم

وفاة 40 شخصا غرقا في فرنسا خلال موجة الحر

عروض على الأرز والسكر والمواد الأساسية بالاستهلاكية المدنية