سقوط الأندلس وانعكاساته على نشأة الهيمنة الأمريكية
12-07-2026 10:55 PM
تضمنت الذاكرة التاريخية للإنسانية سجلاً حافلاً بالنكبات التي صاغتها القوى الكبرى، ومن الصعب على أي قارئ لصفحات التاريخ أن يتغافل عن المجازر المروعة التي ارتكبها المستعمرون الأوروبيون البيض بحق ملايين الهنود الحمر، السكان الأصليين لأرض ماركان التي تُعرف بـ "الولايات الأمريكية" ، حيث أُبيدت شعوب بأكملها، ونُهبت حواضرهم وثرواتهم تحت لافتات الاكتشاف والتمدن الزائفة لتأسيس كينونة سياسية جديدة على أشلاء الضحايا.
ولم تقف العجلة الدموية عند حدود النشأة؛ إذ تجسدت ذروة التوحش البشري فيما ألحقته آلة الحرب الأمريكية بمدينتي هيروشيما وناجازاكي اليابانيتين، في جريمة يندى لها جبين البشرية وتظل وصمة عار أبدية في جدار التاريخ الحديث، حين ألقت الطائرات الأمريكية قنبلتين نوويتين حصدتا في لمحة بصر أرواح مئات الآلاف من المدنيين العزل، مخلفةً دماراً بيئياً وبشرياً امتدت آثاره المؤلمة عبر الأجيال.
وقد تكرر المشهد ذاته في الألفية الجديدة بأساليب لا تقل بربرية، حيث شهدت أرض الرافدين مجازر يندى لها الوجدان، أسفرت عن مقتل أكثر من مليون ونصف المليون عراقي هُدرت دماؤهم بدم بارد تحت ذريعة نشر الديمقراطية الموهومة، فضلاً عن حملات التنكيل والتهجير القسري والقتل الممنهج التي طالت آلاف الأفغان، مخلّفةً وراءها بلاداً ممزقة غارقة في الفوضى والدمار. ولم تنجُ إيران هي الأخرى من حبائل تلك السياسة الاستعمارية التي عاثت في مقدراتها تخريباً وحصاراً واغتيالاً، تلبيةً وإذعاناً للمصالح الصهيونية التي باتت تقود بوصلة الإدارات الأمريكية المتعاقبة.
إن هذه السلسلة المتصلة من الجرائم المروعة بحق الإنسانية باتت حقيقة جلية لا تماري فيها البصائر، لكن السؤال المركزي الذي يفرض نفسه بوجاهة على عقول المفكرين والمؤرخين يكمن في كيفية بروز هذه الدولة العظمى، والظروف التاريخية التي مهدت لصعودها لتعتلي عرش الهيمنة العالمية، وتقود المجتمع الدولي اليوم بمنطق الغطرسة والبلطجة السياسية وسياسة لَي الذراع، مستبدلةً القانون الدولي بشريعة الغاب والطغيان السافر.
وعند تتبع الجذور العميقة لهذه الكينونة الشيطانية، تلفت وثائق التاريخ النظر إلى الدور المحوري والأساسي الذي لعبته مملكة قشتالة في ميلاد هذا العصر الأمريكي الجديد. ففي أواخر القرن الخامس عشر الميلادي، تلاحمت القوى النصرانية في شبه الجزيرة الإيبيرية عبر اندماج مملكتي قشتالة وأراغون بزواج الملكين الكاثوليكيين "فرديناندو وإيزابيلا".
وقد أثمر هذا الاتحاد العسكري والسياسي سقوط مملكة غرناطة في عام اثنين وتسعين وأربعمائة ليتسلم الإسبان آخر معاقل الحضارة الإسلامية في الأندلس. وبسقوط هذا الحصن العتيد، تصدع السد العالي والدرع الحصين الذي طالما حال لقرون طويلة بين الهمجية الأوروبية المتربصة والقلب النابض للعالم الإسلامي؛ حيث كان ذلك السد المنيع متمثلاً في دولة الإسلام في الأندلس وحضارتها الشامخة، والتي بانهيارها فُتحت بوابات المحيطات، وانطلقت السفن القشتالية لتبني على الجانب الآخر من العالم إمبراطورية هجينة ورثت الروح الصليبية الهمجية ذاتها لتصيغ بها ملامح الهيمنة الأمريكية المعاصرة.
يلتفت التأريخ الإسلامي في رصده للتحولات الكونية الكبرى إلى ذلك التزامن المفصلي الذي شهده أواخر القرن الخامس عشر الميلادي، حيث ارتبط أفول نجم الإسلام في الأندلس ببزوغ فجر الاكتشافات الجغرافية الغربية. وفي هذا السياق، يوثق المؤرخ ابن الناصري في مصنفه الحافل "الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى" هذه المفارقة التاريخية؛ إذ يسجل أنه في ذات السنة التي سقطت فيها غرناطة واستولى فيها الإسبان على آخر حواضر المسلمين، انقشع الستار عن أراضي القارة الأمريكية التي كانت مجهولة تماماً لدى الأمم السابقة، لتتغير بموجب هذا الحدث الخارطة الجغرافية والسياسية للعالم بأسره.
لقد ظل الوعي الإنساني لقرون طويلة أسيراً لمقررات الفلسفة اليونانية القديمة وآراء حكماء الأقدمين، الذين أجمعوا على كروية الأرض، وافتقرت تصوراتهم إلى الإحاطة بنصفها الآخر. فقد ساد الاعتقاد الراسخ بأن المياه غمرت جانباً كاملاً من الكوكب، بحيث بدت اليابسة أشبه ببيضة مستقرة في طست من الماء، رسب معظمها وبرز أقلها. وكان ذلك الجزء البارز المحدود هو المعمور وحده ببني البشر وسائر الكائنات الحية، وهو الذي قسّمه الجغرافيون الأوائل إلى الأقاليم السبعة المعروفة. وبناءً على هذا التصور القاصر، جزم الأقدمون بأن النصف الآخر من الأرض ليس سوى مساحة مائية مصمتة لا حياة فيها، وأطلقوا عليه "البحر المحيط"، وهو الوهم الذي تناقله الخلف عن السلف وتناغمت فيه المصنفات الجغرافية القديمة.
بيد أن هذا الجمود المعرفي تحطم تماماً في سنة سبع وتسعين وثمانمائة للهجرة، وهي الحقبة التاريخية الحرجة التي شهدت تصفية الوجود الإسلامي في الأندلس. ففي غمرة تلك الأحداث، برز رجل من فرنجة جنوة يُدعى عند العرب "كلنب الجنوزي" وعند العجم "كريستوفر كولومبوس"، كان قد امتهن الملاحة وركوب البحار، وعُرف بين أقرانه ببعد الهمة، والولع الشديد بالشهرة، والشغف الدائم بحفر اسمه في ذاكرة الأيام. وبدافع من هذه الجسارة الفكرية، داخلته الظنون في صوابية ما ذهب إليه فلاسفة اليونان، واختمرت في عقله الفرضية الثورية بأن ذلك الجانب المغيب من الأرض، والذي زعم الأوائل أنه بحر صرف لا غاية وراءه، قد يكون أهلاً للحياة وموطناً لأمم وشعوب لم تطأها أقدام أهل الحضارات القديمة.
وفي تلك الأثناء، كانت الساحة البحرية تشهد حراكاً برتغالياً محموماً، حيث تكاثرت رحلاتهم في لُجج المحيط، وبسطوا سيادتهم على أجزاء واسعة من جزر (الكاناري)، الأمر الذي أثار في نفس الملاح الجُنوي "كولومبوس" روح المنافسة وجمرة الغيرة؛ إذ طمحت همته إلى اجتراح مأثرة ما أنجزه البرتغاليون، وعقد العزم على التوغل في غياهب البحر المحيط، رجاء أن يظفر بمرامه المعرفي والسياسي. وبدافع من هذا الإصرار، عرض مشروعه الطموح على ملك البرتغال آنذاك، "يوحنا الثاني"، مستمطراً دَعمه ومُطالباً بمدّه بالوسائل والكفايات التي تعينه على بلوغ مقصده، بيد أن البلاط البرتغالي قابله بالرفض والإعراض، ولم يلتفت لعرضه أو يعرج على رأيه، تماماً كما كان أهل جلدته في جنوة يسفهون أحلامه وينسبونه إلى التهور والجنون جراء هذه الطموحات الكبيرة.
ولما استيقن كولومبوس من يأس المطلب عند البرتغاليين، يمّم وجهه شطر بلاط قشتالة، متطارحاً بين يدي ملكة الإسبان الشهيرة الذكر "إيزابيلا"، فوجد عندها أذناً صاغية وعزيمة مستجيبة؛ إذ أسعفته بإجابة طلبه، وهيأت له ثلاث سفن حربية، وشحنتها بالرجال، والسلاح، والزاد، والمال الوفير. وانطلق كولومبوس بهذه الحملة في جوف البحر المحيط، متخذاً سمت المغرب وجهة له، حتى أرسى بجزر الخالدات (الكاناري) ليتزود وينال من الراحة أياماً، ثم تابع إبحاره ملججاً في عمق المجهول زهاء شهرين كاملين. ولمّا تطاولت الشُّقة على أصحابه وتملّكهم اليأس والذعر، همّوا بقتله والفتك به، وفي غمرة ذلك المخاض العسير، انقشعت حجب الأفق عن تضاريس أرض "ماركان" (أمريكا)، فسار بسفنه حتى أرسى بها على ساحلها في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة لسنة سبع وتسعين وثمانمائة للهجرة.
وقع كولومبوس هناك على قارة شاسعة الأرجاء، متباعدة الأقطار، تكتنز من الجبال والأنهار ما يفوت الحصر والعد، حتى قُدّرت مساحتها بنصف الأرض المعمورة أو تزيد. ووجد فيها أمماً غفيرة وخلقاً كثيراً من بني آدم، إلا أنهم كانوا في عزلة معرفية تامة، فلا هؤلاء يفقهون لغة الوافدين، ولا الوافدون يفقهون لسانهم. وعاد كولومبوس إلى ملكة الإسبان بعد أن شاد هناك حصناً عسكرياً ترك فيه مفرزة من جنده، وساق معه من تلك الأصقاع غرائب الحيوان والنبات ومستطرفات الثمار إثباتاً لمدعاه ويقيناً لفتحه. فلما مثل بين يدي الملكة بعد غياب دام سبعة أشهر وأحد عشر يوماً، أعظمت قَدْره، ونوّهت باسمه في الآفاق، واعتبرت هذا الاكتشاف المذهل ذروة سعادتها وطالع يمنها المتمم لظفرها الأكبر بالاستيلاء على بلاد الأندلس الإسلامية.
حينئذ، تبددت أوهام الفلسفة القديمة لدى الفرنجة، واستيقنوا أن الأرض معمورة من كلا جانبيها، فتسارعت أمم أوروبا وأجناسها المتناحرة صوب أرض ماركان، واقتسموا أقطارها، وعنوا بعمرانها واستغلال مقدراتها، وأطلقوا عليها اسم "الدنيا الجديدة". فكانت هذه القارة المستباحة من أعظم أسباب انتعاش أوروبا، ومصدر قوتها، وضخامة دولها، واتساع خطط ممالكها في التاريخ الحديث. ومن عجيب ما سُجل في تلك البقاع، أن أرض ماركان كانت خالية تماماً من الخيل وسائر الحيوانات الأهلية المستأنسة، فلما عاين سكانها الأصليون الفارس الأوروبي راكباً على جواده مسرجاً ملجماً، تملكتهم الدهشة، وظنوا الراكب والمركوب قطعة واحدة، وأن هذا الكائن حيوان أسطوري خُلق على تلك الهيئة؛ لتظل قصة اكتشاف أمريكا والتردد إليها فصلاً طويلاً ومحورياً من فصول التحول في المسيرة الإنسانية.
الباحث في التاريخ الأندلسي
____________
المصدر: كتاب الاستقصاء لأخبار دول المغرب الأقصى/ الجزء ٤ / ص ١٠٧ - ١٠٨.
الجامعة الأردنية تحصد تَصنيف الجامعة العالميّة النّخبويّة – خمس نجوم
نسبة الإنجاز في قطاع الآثار بجرش
رئيس الموساد السابق يدعي التجول بمنشأة نووية إيرانية
الملك يستقبل وفدا من مساعدي أعضاء في الكونغرس
حلّ مجالس إدارة الغرف الصناعية إلى حين إجراء الانتخابات
قرابة نصف مليون راكب استخدموا خط جرش-عمّان
قبول استقالة الشَّواربة وتعيين الملكاوي خلفاً له
الحكومة تعيد تشكيل لجانها الوزارية .. التفاصيل
البلقاء التطبيقية تستقبل طلبة من الجامعات الفلسطينية
42078 مخالفة إلقاء عشوائي للنفايات بالنصف الأول من العام
الأهل والأصدقاء يهنئون مجد أحمد الشيخ ذيب بنجاحه في الثانوية العامة
مهم من القبول الموحد بشأن طلبات الالتحاق بالجامعات
إدانات عقب اعتراف كولومبيا بسيادة إسرائيل على الجولان
لجنة فلسطين في الأعيان تلتقي السفير الإسباني
الحسين إربد يواجه باختاكور الأوزبكي بملحق دوري أبطال آسيا للنخبة
منع مواطن من السلام على العيسوي .. وما فعله رئيس الديوان يشعل التفاعل
بعد انتشار فيديو مؤثر لها .. آخر تطورات قضية نور برغل
122 موقعاً مزيفاً تنتحل مؤسسات أردنية .. تقرير رسمي يكشف أخطر أبواب الاختراق
موجة حر قوية تضرب المنطقة بحرارة تلامس 50 مئوية .. ماذا عن الأردن؟
نتائج التوجيهي 2026 في الأردن اليوم .. رابط الاستعلام الرسمي
احتراق 3206 مركبات في الأردن خلال عامين
الحيصة: أراضي مشروع سكة العقبة ستسجل باسم خزينة الدولة
التربية تحدد موعد إعلان نتائج التوجيهي
الأمن السيبراني يحذر من رسائل واتساب احتيالية باسم الضمان الاجتماعي
اسرار تكشف لاول مرة .. لماذا انسحبت ياسمين صبري من مسلسل الشادر
الأردن يستقبل 3.15 مليون زائر ويحقق 2.47 مليار دينار دخلاً سياحياً
الأردنيون يترقبون عطلة رسمية في آب
مقتل مدنيين وعسكرين بهجمات للحوثيين في اليمن
مفاجأة منة شلبي واحمد الجنايني تشعل مواقع التواصل
مات قبل تخرجه بشهر .. فيديو مؤثر لأم تتسلم شهادة ابنها الراحل

