من هرمز إلى طهران .. هل بدأت حرب كسر العظم بين واشنطن وإيران

من هرمز إلى طهران ..  هل بدأت حرب كسر العظم بين واشنطن وإيران

20-07-2026 05:14 PM

منذ العدوان الأمريكي–الإسرائيلي الذي استهدف إيران وأدى، وفق الرواية الإيرانية، إلى مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي، دخلت المنطقة طورًا جديدًا من المواجهة، اتسم بتصعيد متبادل تجاوز حدود الاشتباك التقليدي. ولم يقتصر الأمر على الضربات العسكرية، بل امتد إلى حرب الروايات والدعاية، حيث باتت صناعة السرديات والتلاعب بالحقائق جزءًا من أدوات الصراع، في مقابل اتساع دور الإعلام الرقمي والمنصات المفتوحة في كشف كثير من الوقائع التي لم تعد الحكومات قادرة على احتكارها. وفي هذا السياق، تحولت أزمة مضيق هرمز من نزاع على حرية الملاحة إلى مواجهة شاملة تستهدف العمق العسكري والاقتصادي للطرفين، بما ينذر بانتقال الصراع من سياسة الردع المتبادل إلى مرحلة أقرب إلى كسر الإرادة قبل كسر القدرات.
استهداف العمق الإيراني
تشير تقارير غربية إلى أن العمليات الأمريكية لم تعد تقتصر على حماية الملاحة في مضيق هرمز، بل امتدت إلى قواعد للمسيّرات، ومراكز قيادة، ومنشآت تابعة للحرس الثوري، مع تداول تقديرات تتحدث عن احتمال توسيع بنك الأهداف ليشمل مرافق تصدير النفط، وفي مقدمتها جزيرة خارك، بهدف تقليص قدرة طهران على تمويل عملياتها العسكرية وإعادة صياغة ميزان التفاوض. ويرى خبراء في مؤسسة "راند" أن هذه المقاربة تمثل امتدادًا لاستراتيجية "الضغط الأقصى"، التي تمزج بين العقوبات والضغط العسكري لإجبار إيران على تقديم تنازلات استراتيجية.
في المقابل، تؤكد تقديرات عسكرية أن إيران بنت خلال العقدين الماضيين منظومة دفاعية معقدة في الخليج تضم الزوارق السريعة، والألغام البحرية، والطائرات المسيّرة، إلى جانب شبكة من الحلفاء الإقليميين، ما يجعل أي محاولة لفرض سيطرة عسكرية كاملة على مضيق هرمز خيارًا بالغ الكلفة.
رسائل الردع الإيرانية
ردّت طهران برفع سقف خطابها السياسي والعسكري، مؤكدة أن استهداف منشآتها النفطية سيقابله تهديد مباشر لأمن صادرات الطاقة في المنطقة، مع إعلانها تنفيذ ضربات ضد قواعد أمريكية في الأردن والكويت وقطر، ونشر صور قالت إنها توثق نتائج تلك الهجمات، بينما امتنعت واشنطن عن تقديم رواية تفصيلية حول حجم الأضرار.
كما أعلنت إيران إسقاط طائرة أمريكية مسيّرة من طراز MQ-9 ريبر، وهو تطور، إن ثبتت صحته، يمثل خسارة استخباراتية وعملياتية مهمة للولايات المتحدة. وفي السياق نفسه، وأفادت بيانات لوزارة الدفاع الأمريكية بسقوط 13 عسكريًا أمريكيًا بين قتيل وجريح ومفقود، نتيجة الهجمات الأخيرة التي استهدفت قواعد أمريكية في المنطقة... وفق أسوشيتد برس.
انقسام داخل واشنطن
بالتوازي مع التصعيد، برزت مؤشرات على تباين داخل الإدارة الأمريكية بشأن إدارة المواجهة. فقد أكد نائب الرئيس جي دي فانس أن واشنطن لا تعتزم الانخراط في حرب برية لإسقاط النظام الإيراني، مشددًا على أن المسار التفاوضي سيظل جزءًا من أي تسوية محتملة، ومقرًا بأن الطائرات المسيّرة منخفضة الكلفة ستظل قادرة على تهديد الملاحة حتى بعد الضربات العسكرية، بما يعكس إدراكًا متزايدًا لحدود القوة العسكرية في حسم الصراع. وفي المقابل، يرى عدد من المراقبين أن تصريحات فانس تحمل بعدًا سياسيًا داخليًا، إذ تستهدف طمأنة القاعدة الانتخابية الرافضة لانخراط الولايات المتحدة في حروب برية جديدة، في محاولة لإعادة التأكيد على الخطاب الذي رفعه الرئيس دونالد ترامب خلال حملاته الانتخابية والقائم على تقليص التدخلات العسكرية الخارجية، وذلك مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة. غير أن منتقدي الإدارة الأمريكية يرون أن هذا الخطاب يتناقض مع الواقع الميداني، معتبرين أن ترامب ابتعد عن شعاراته الأصلية، بينما تثير تحركاته وتصريحاته المتكررة تقلبات في الأسواق المالية يستفيد منها كبار المستثمرين، وهو ما دفع بعض الأوساط السياسية والإعلامية إلى المطالبة بفتح تحقيقات حول ما إذا كانت هذه التقلبات قد أفضت إلى مكاسب غير مشروعة لشركات أو دوائر مالية مقربة منه، دون صدور أدلة قضائية قاطعة تثبت ذلك حتى الآن.
نتنياهو وواشنطن... خلاف يتجاوز البروتوكول
وفي خضم هذا المشهد، كشفت صحيفة يديعوت أحرونوت أن تأجيل زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن لم يكن مرتبطًا فقط بتأجيل مراسم تأبين السيناتور ليندسي غراهام، بل جاء أيضًا في ظل اتساع الخلافات مع إدارة الرئيس دونالد ترامب. وبحسب الصحيفة، تخشى دوائر إسرائيلية أن يتعرض نتنياهو لإحراج سياسي داخل البيت الأبيض بسبب التباين في المواقف حيال إيران وسوريا ولبنان، إضافة إلى الخلاف بشأن تزويد تركيا بمقاتلات F-35. كما أسهمت تصريحات نائب الرئيس جي دي فانس، التي اتهم فيها إسرائيل بمحاولة التأثير في توجهات السياسة الخارجية الأمريكية، في تعميق حالة الفتور بين الجانبين.
ويأتي ذلك في وقت تتصاعد فيه الضغوط الداخلية على الإدارة الأمريكية، مع تنامي الأصوات الرافضة لما تعتبره انحيازًا مفرطًا للمواقف الإسرائيلية، واستمرار الدعم الأمريكي للحرب على غزة بالتزامن مع الانخراط في أزمة مضيق هرمز. وفي هذا السياق، أثارت تصريحات عمدة نيويورك زهران ممداني جدلًا واسعًا بعدما أعلن عزمه التعاون مع السلطات المختصة لتنفيذ مذكرة التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بحق نتنياهو إذا زار المدينة للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وهو ما يعكس اتساع دائرة الضغوط السياسية والقانونية التي يواجهها رئيس الوزراء الإسرائيلي داخل الولايات المتحدة.
قراءة غربية للمشهد
يرى الكاتب البريطاني سايمون تيسدال في صحيفة الغارديان أن الخطر الأكبر لا يكمن في القدرات الإيرانية وحدها، بل في غياب استراتيجية أمريكية واضحة لإدارة الأزمة. ويعتبر أن إدارة ترامب تراهن على استعراض القوة أكثر من اعتماد رؤية سياسية متماسكة، محذرًا من أن الحرب قد تتحول إلى استنزاف طويل، فيما تبدو أهداف مثل القضاء على البرنامج النووي الإيراني أو تغيير النظام أكثر صعوبة من أي وقت مضى.
المنطقة أمام مرحلة جديدة
تكشف التطورات أن المواجهة لم تعد تقتصر على الضربات العسكرية، بل امتدت إلى الطاقة، والبنية التحتية، والاقتصاد، والحرب الإلكترونية والإعلامية، بما ينذر بمرحلة أكثر خطورة إذا استمر التصعيد. وفي المقابل، تواصل قوى إقليمية، وفي مقدمتها باكستان، الدعوة إلى العودة للمسار الدبلوماسي، خشية انزلاق المنطقة إلى حرب واسعة تهدد أمن الطاقة والاستقرار الدولي.
وفي المحصلة، يتجه الصراع الأمريكي–الإيراني إلى مرحلة عنوانها كسر الإرادة قبل كسر القدرات؛ فواشنطن تراهن على الضغط العسكري والاقتصادي لفرض وقائع سياسية جديدة، بينما تعمل طهران على رفع كلفة المواجهة وتحويلها إلى استنزاف إقليمي يحدّ من قدرة خصومها على تحقيق أهدافهم. وفي المقابل، تكشف الخلافات المتصاعدة بين واشنطن وتل أبيب، والتي تجلت في تأجيل زيارة نتنياهو، أن إدارة الحرب نفسها أصبحت موضع خلاف داخل المعسكر الحليف. ويبقى السؤال مفتوحًا: هل يفرض الإكراه العسكري تسويةً بشروط واشنطن، أم أن النهاية ستكون، كما في صراعات سابقة، عودةً إلى المفاوضات بعد استنزاف الجميع؟


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

«الجنرال» يشعل فضول الأردنيين .. هل صنعت قيود الإعلام نجومية الحسابات المجهولة؟

لماذا أثارت المادة (21) من قانون الجامعات الجدل؟ .. قراءة في مخاوف آلاف العاملين

فيديو .. حادث سير مروع في الزرقاء

البوتاس والفوسفات توقعان اتفاقية لإنشاء مجمع صناعي

بيان مهم صادر عن القوات المسلحة الأردنية

الاعتداء على الجنرال The General Inspector .. حين تصبح كرامة المواطن الأردني قضية وطن

تنقلات بين كبار ضباط الأمن العام .. أسماء

حقيقة التصريحات المنسوبة للصفدي حول مقتل جنديين أمريكيين بالأردن

مشروع قانون الملكية العقارية .. 15 تغييرًا قد يؤثر في كل مالك أرض بالأردن

السعودية : تأشيرة عمرة متعددة الدخول .. تفاصيل

بحضور جو جيوهيغان .. ملتقى أردنيون في إيرلندا يؤكد تعزيز التواصل ويدين مقتل الأميركية جيمي كارني

بعد التطورات الأمنية الأخيرة .. مهم من موانئ العقبة

وزير الإدارة المحلية يوجّه بالتحقيق في شبهة اختلاسات ببلدية في المفرق

إيران تستهدف الأردن .. والجيش يسقط صواريخ

إرادة ملكية بالموافقة على إجراء تعديل على حكومة حسان