إيران بعد لارَك .. من الردع التقليدي إلى العتبة النووية؟

إيران بعد لارَك ..  من الردع التقليدي إلى العتبة النووية؟

31-08-2026 07:07 PM

بعد تكرار الضربات على إيران، باتت الأسئلة أكثر تماسًا مع الخيار النووي؛ إذ لا يستطيع أي طرف دفع الآخر إلى الزاوية بلا نهاية، خصوصًا في مواجهة بين الولايات المتحدة و"إسرائيل" بما تملكانه من ترسانات نووية، وإيران بما تملكه من قدرات صاروخية وأوراق استراتيجية، في مقدمتها مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 20 مليون برميل يوميًا من النفط، أي قرابة ربع تجارة النفط المنقولة بحرًا عالميًا.
ولم يعد النقاش داخل إيران بشأن السلاح النووي مجرد ورقة تفاوضية أو شعار ترفعه الأصوات المتشددة؛ فبعد أشهر من الحرب والضربات المتبادلة، أعادت ضربة الأحد الملف إلى صميم الحسابات الأمنية. فقد استهدفت القوات الأميركية قاذفَي صواريخ إيرانيين في جزيرة لارك، في أول ضربة مباشرة لإيران منذ أواخر يوليو، قبل أن ترد طهران بصواريخ باليستية على قاعدتين أمريكييتين في الأردن.

لكن أهمية الجولة لا تكمن في حجم الخسائر بقدر ما تكشفه من تآكل في معادلة الردع التقليدية القائمة على أن اشنطن تستطيع ضرب أهداف إيرانية حساسة في هرمز، في المقابل تستطيع طهران نقل كلفة الرد إلى الوجود العسكري الأميركي في الإقليم. فالولايات المتحدة بررت ضربة لارك بأنها إجراء "محدود ودقيق" لمنع قوات إيرانية من زرع ألغام تهدد الملاحة، بينما اعتبرتها طهران عدوانًا يستوجب الرد.

ومن هنا يبرز السؤال الأخطر: ما الخيار الرادع القادر على وقف أي عدوان أميركي ـ إسرائيلي محتمل؟
عند هذه النقطة قد يتحول الخيار النووي من ورقة مساومة إلى ردع استراتيجي وضمانة بقاء؛ ليس بالضرورة عبر تصنيع القنبلة فورًا، وإنما عبر الاقتراب من العتبة النووية، أي امتلاك القدرة التقنية والمادية التي تجعل الانتقال إلى السلاح ممكنًا خلال فترة قصيرة إذا صدر القرار السياسي. وقد بدأ بالفعل داخل إيران نقاش علني حول إعادة النظر في العقيدة النووية، في ضوء ما تعتبره طهران تجربةً أثبتت أن الالتزام بالرقابة والاتفاقات لم يَحُلْ دون تعرضها للهجوم.
ولنبدأ بالتحول من "البرنامج السلمي" إلى "عقيدة الردع النووي". فقد تمسكت طهران طويلًا بسلمية برنامجها النووي، وخضع لرقابة وتفتيش دوليين واسعين. لكن الحرب أعادت صياغة المسألة، فلم يعد السؤال مقتصرًا على إثبات سلمية البرنامج، بل على مدى قدرة الترتيبات الدولية على حماية إيران من الحرب في الوقت الذي تهيمن فيه أمريكا على العالم.
وتكتسب تصريحات محسن رضائي، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، أهمية خاصة في هذا السياق؛ إذ اعتبر أن التجربة أظهرت أن إيران خضعت لسنوات من الرقابة دون أن يمنع ذلك الهجوم عليها، وهو ما يعكس انتقال النقاش من "كيف نثبت سلمية البرنامج؟" إلى "كيف نضمن الردع؟".
وهنا تكمن المفارقة في أن الضغط الهادف إلى منع إيران من امتلاك السلاح النووي قد يصبح، إذا تجاوز حدودًا معينة، حافزًا استراتيجيًا لامتلاكه.
ولا يعني ذلك أن طهران اتخذت قرارًا نهائيًا بصناعة القنبلة؛ فالفارق كبير بين قرار التسلح وامتلاك قدرة نووية كامنة تسمح بالانتقال السريع إلى السلاح عند الضرورة.
ويبقى استهداف القيادة الإيرانية العامل الأكثر حساسية في الحساب النووي.
فالضربات على المنشآت العسكرية يمكن أن تنتهي بتسوية، أما إذا ترسخت لدى القيادة الإيرانية قناعة بأن الحرب تستهدف رأس النظام وبنية الدولة، فقد يتغير تعريف الأمن القومي نفسه؛ وعندها قد يصبح الردع النووي، في نظر بعض صناع القرار، وسيلة لمنع إسقاط الدولة والقيادة لا لخوض الحرب.
وهذا المنطق ليس مستحدثًا في النقاش الإيراني؛ فقد أعادت الضربات التي أضعفت قدرات إيران العسكرية إحياء الدعوات داخل طهران إلى إعادة بناء الردع عبر الخيار النووي، وفق تحليل للمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS).
من جهته، يكرر ترامب أن إيران لا يمكن أن تمتلك سلاحًا نوويًا، ويجعل منعها من ذلك محورًا أساسيًا في سياسته تجاه طهران. لكن الضغط العسكري قد ينتج عكس ما يريده ترامب؛ فإذا استمرت الضربات، واستُهدفت القدرات الاستراتيجية والقيادة، وتواصل الضغط الاقتصادي، وتراجعت فرص التفاوض، فقد تنتقل طهران من سؤال: كيف نتجنب القنبلة؟ إلى سؤال أكثر إلحاحًا: كيف نمنع الحرب المقبلة؟
وعندها قد يصبح امتلاك القدرة النووية أو الاقتراب من عتبتها جزءًا من الإجابة.
ويواجه ترامب في المقابل ضغوطًا سياسية داخل معسكره الجمهوري بشأن استمرار الحرب؛ إذ اتسع الانقسام بين جمهوريين انعزاليين يدفعون نحو إنهائها، وآخرين يؤيدون مواصلة الضغط العسكري على طهران، فيما تراجعت شعبية الحرب حتى داخل القاعدة الجمهورية، من 77% إلى 69%، وفق تقرير لرويترز استند إلى استطلاع رويترز/إبسوس. لكن هذا الانقسام لا يرقى، حتى الآن، إلى وجود سياسة جمهورية معلنة تتبنى الخيار النووي ضد إيران.
أما "إسرائيل"، التي جعلت منع إيران من امتلاك السلاح النووي هدفًا استراتيجيًا ثابتًا، فتواجه معضلة الضربة الاستباقية، فيما لو تضرب قبل بلوغ طهران العتبة النووية، أم تراهن على أن الضغط سيجبرها على التراجع؟ والمفارقة أن الضربة قد تأتي بنتيجة معاكسة، فتدفع إيران إلى تسريع انتقالها من القدرة النووية الكامنة إلى القدرة العسكرية؛ وهو ما حذّر منه تحليل للمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS)، معتبرًا أن إضعاف القدرات الإيرانية قد يعزز جاذبية الخيار النووي بوصفه أداة لإعادة بناء الردع.
إذا اقتربت طهران من العتبة النووية، فقد لا تبدأ بإعلان السلاح، بل بإعادة بناء القدرة الكامنة من خلال: توسيع الخبرة والبنية التقنية، تقليص القيود، وإعادة تعريف علاقتها بمنظومة الرقابة الدولية بما يسمح بالانتقال السريع إذا اتخذ القرار السياسي.

وأحيراً، فإن ما جرى في لارك والرد الإيراني اللاحق يكشف انتقال الصراع من تبادل الضربات إلى إعادة تعريف الردع.
فإذا اقتنعت طهران بأن قدراتها التقليدية لم تعد كافية لمنع الحرب، وأن الضغط يستهدف اقتصادها ومنشآتها الاستراتيجية وربما قيادتها، فقد يصبح الاقتراب من العتبة النووية أكثر جاذبية. فهل تتمخض هذه المواجهة عن "المعجزة النووية" الإيرانية، بإنتاج سلاح ردع يجعل أي عدوان خارجي مغامرة باهظة الكلفة؟



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد