استعجلت الرحيل

استعجلت الرحيل

29-08-2026 11:34 PM

من مفارقات النفس الإنسانية وغرائبها، أنها تبدو في حالات معينة وضمن ظروف ربما تكون آنية محضة، وربما يرافقها ندم يلازمها مدى العمر
بعد قليل من الوقت سيقوم أحد ما بإعلان خبر موتي
إنني لم أمت بعد، وأراقب بعين فاحصة كل تفاصيل الوجوه التي اجتمعت فجأة، وفي لحظة واحدة حولي
لم يكن وجودي في محطات العمر التي مت فيها مئات المرات، وربما أكثر، قد جمع منهم أحد، هناك خلل ما أرقبه الآن في عيني
هناك، وعند طرف السرير المسجى عليه جسدي، رأيت أحدهم، لم أستطع رفع يدي إلى عيني لأقوم بفركها، لتتأكد نفسي من الداخل أن الذي اغرورقت عيناه بالدمع، هو أشدهم فتكا بي، وكان منه ما أودى بي حيا وميتا
هل تعلمون معنى أن يعيش الإنسان وهو ميت، قد يكون السؤال فيه سذاجة ما، وقد يكون له فهم آخر، وأما فهمه الأخير، فهو أنني احتملت منه ما لا يمكن احتماله
احتملت كلماته التي كانت تهدم في داخلي شيئا كل يوم، واحتملت ظلمه حين كان يرى انكساري ولا يتراجع، واحتملت منه القهر الذي كان يترك في الروح ندوبا لا يراها أحد، احتملت حضوره حين كان حضوره وجعا، وغيابه حين كان غيابه وجعا أشد
كنت أموت منه شيئا فشيئا، دون أن يسمع أحد صوت موتي، كنت أعود إلى فراشي في كل ليلة محملا بما قال وما فعل، وأستيقظ في كل صباح وكأنني أبدأ يومي بجنازة جديدة لجزء آخر مني
ولم يكن يعلم، أو ربما كان يعلم ولا يعنيه، أن الإنسان لا يموت مرة واحدة، وأن هناك موتا لا يدفن صاحبه، بل يتركه يمشي بين الناس، يبتسم حين يجب أن يبتسم، ويتحدث حين يجب أن يتحدث، بينما شيء عظيم في داخله قد انتهى منذ زمن
ثم ها أنا الآن، على هذا السرير، وقد انتهت قدرتي على الدفاع عن نفسي، وانتهت قدرتي على العتاب، وانتهت حتى قدرتي على السؤال، وأراه واقفا أمامي باكيا
يا للمفارقة
هو الذي جعلني أتمنى لو أنني لم أعرفه يوما، هو نفسه الذي يقف الآن عاجزا أمام جسدي، وكأن الموت وحده استطاع أن يريه قيمة من لم ير قيمته وهو حي
أراه يبكي، ولا أدري أهو يبكي علي، أم يبكي على نفسه، أم على الكلمات التي لن يستطيع قولها بعد الآن، أم على الأذى الذي أصبح فجأة بلا فرصة للاعتذار
ربما كان يريد أن يقول لي آسف، وربما كان يريد أن يضع يده على يدي ويخبرني أنه لم يكن يقصد، وربما كان قد اكتشف متأخرا أن بعض الأفعال لا يكفي الاعتذار عنها، وأن بعض القلوب إذا انكسرت لا يعيدها الاعتذار إلى ما كانت عليه
لكنني لا أستطيع أن أجيبه
وهنا تبدأ الحكاية الأكثر قسوة، أن يصبح المظلوم عاجزا عن الكلام في اللحظة التي يصبح فيها الظالم مستعدا أخيرا للاستماع
أن يموت الإنسان قبل أن يسمع اعتذارا انتظره طويلا، وأن يعيش من تسبب في موته المعنوي إلى اللحظة التي يصبح فيها الاعتذار بلا معنى
كم هو غريب أن يصبح الإنسان عزيزا حين يفقدونه، وأن يبحثوا عن ملامحه بعد أن كانوا لا يرونها، وأن يتذكروا صوته بعد أن كانوا يضيقون بسماعه، وأن يشتاقوا إلى وجوده بعد أن جعلوا وجوده في حياتهم جحيما
الموت لا يغير حقيقة ما حدث، لكنه يكشفها
يكشف أن الذين كنا نظن أنهم أقوياء كانوا في أحيان كثيرة أكثر الناس خوفا من فقداننا، وأن الذين ظنوا أنهم قادرون على إيذائنا إلى الأبد، قد يجدون أنفسهم في النهاية أمام خسارة لا يستطيعون إصلاحها
وأنا الآن لا أملك رغبة في الانتقام، ولا أملك حتى رفاهية الكراهية، فقد أخذ الموت مني كل شيء، حتى القدرة على أن أكره من تسبب في ألمي
لكني أتمنى لو أنني استطعت أن أقول له شيئا واحدا قبل أن ينتهي كل شيء
كنت تحتاج إلى أن تعرف قيمتي وأنا حي، لا أن تعرفها الآن وأنا ميت
كنت تحتاج إلى أن تخاف على قلبي حين كان ينبض أمامك، لا أن تبكي عليه بعدما توقف
كنت تحتاج إلى أن ترى الإنسان الذي كنت تؤلمه، لا الجسد الذي بقي منه
فكم من إنسان صار عزيزا بعد موته، لأنه لم يكن عزيزا بما يكفي وهو حي
وكم من قلب مات وهو بين أيدي من أحب، ثم بكوا عليه يوم دفنوا الجسد، دون أن يعرفوا أنهم كانوا قد دفنوا ذلك القلب قبل موته بسنوات
وربما كانت أقسى المصائب، أن يأتي الندم في الوقت الذي لا يعود فيه للندم من يفيده
وأن يصل الاعتذار بعد أن يغلق الموت بابه
وأن يصبح من تسبب في عذابك أكثر الناس بكاء عليك، لا لأنه كان يعرف مقدار ما كنت تعنيه، بل لأنه عرفه أخيرا، حين أصبح إدراكه للحقيقة عقوبة لا يستطيع الهروب منها.
هل حقا استعجلت الرحيل؟



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

الضفة .. إصابة 6 فلسطينيين بالاختناق خلال اقتحام إسرائيلي لمخيم الفارعة

هجوم جديد على بلدة قصرة .. ونتنياهو يدين عنف المستوطنين

بالفيديو .. أمطار غزيرة وعواصف رعدية تفاجئ شمال الأردن في عزّ الصيف

مستوطنون يهاجمون فريقاً صحفياً أميركياً ومواطنة فلسطينية في الضفة

بالأرقام .. مقارنة التكلفة الفعلية للمشتقات النفطية بأسعار الأردن

أنقرة: افتراءات إسرائيل بحق رئيسنا تعكس العقلية الجبانة لعصابة نتنياهو

تقلبات جوية في المملكة .. أمطار رعدية وغبار في ذروة الصيف

هل يضر السمن البلدي صحة القلب في الصيف؟

هل يكمن سر الشباب الدائم في فيتامين د 3

استعجلت الرحيل

دورتموند يستهل مشواره في الدوري الألماني بفوز على هامبورغ

حبوب مخدرة تحمل وجه ترمب تثير الذعر في هولندا

روسيا: جيش النيجر طلب مساعدة «الفيلق الإفريقي» لإخماد تمرد عسكري

تركيٌّ في الـ82 يواصل إصلاح الأحذية بعد 70 عامًا من المهنة

إسرائيل تلوح بضرب إيران .. وطهران تؤكد مواصلة تطوير قدراتها الدفاعية

اب يقتل ابنه بالرصاص في اربد .. تفاصيل

الذهب يلمع في الأردن اليوم .. أسعار

شيماء وليد .. ماذا اكتشفنا خلف قصة الطبيبة التي أبكت الملايين؟

إحالة خليل الزيود إلى النائب العام بعد جدل حول تصريحات مسيئة للنبي

خطبة الجمعة تعظّم مقام النبي .. والمناعي يعلّق على قضية الزيود

عمال مصنع ألبان: سبعة أشهر بلا رواتب .. التفاصيل

سقط قرار الـ30% وبقيت الأزمة .. من يفك طلاسم التوجيهي والحقول؟

منخفض جوي مبكر يقلب أجواء المنطقة .. وهذا ما ينتظر الأردن نهاية الأسبوع

تصريحات الخبير التربوي عن النبي ﷺ .. القصة الكاملة من الجدل إلى تدخل الإفتاء

غضب أردني من تصريحات خبير تربوي أساء للنبي ﷺ .. والإفتاء ترد

عشرات الأردنيين مدعوون لإجراء المقابلة .. أسماء

الامن العام: وفاة شخص إثر مشاجرة في إربد

مخالفة مواقف على المركبات .. تحذير من رسائل احتيالية

نجاح زراعة محاصيل استوائية في عجلون يفتح آفاقًا جديدة للمزارعين

قتل زوجته وشابين بتهمة الخيانة وتطورات مفاجئة ستقلب القضية .. التفاصيل