هنا أو في عمّان

هنا أو في عمّان

28-08-2026 11:46 PM

الحديث عن الأردن ومقوماته الاستراتيجية ليس مجرد دفوع أو ردة فعل، إنما بلد راسخ استراتيجياً في المعرفة والعلم والمقومات. إذا أردنا أن نقيم مقومات الأردن الاستراتيجية يجب أن نقرأ التاريخ لأنه مسار أصيل في تاريخ الأردن العظيم. هنا لن أقدم سرداً عاطفياً مدافعاً، فالأردن لا يحتاج مني أو من أي طرف دفاعاً، لأنه في موقع قوي وكبير، بل الأردن كدولة هو من يمنحنا القوة وفرص البناء. وأبدأ في تقديم سلسلة من الأحداث التاريخية نحو مقومات الأردن المعرفية. في عام 1984، كان الوالد يقيم في الكويت وقرر عمل عملية قلب في لندن في مستشفى كرومويل البريطاني. وبعد عمل الفحوصات وجلسات الاستشارات الطبية مع الطبيب الجراح برن ويليام، سأله الوالد: "أين أفضل مكان أعمل به العملية؟"، فأجابه كبير الجرحى البريطانيين: "هنا أي في لندن، أو في عمان"، مع إعطائه اسم الجراح الأردني الكبير الدكتور سهيل صالح، لتكون شهادة لتطور الأردن الراسخ في التفوق الطبي. وفي مشهد آخر، أن منظمة الطيران المدني أفصحت عدة مرات بأن أفضل مدارس الطيران في الشرق الأوسط للحصول على رخص القيادة هي عمان، حيث أن اختبارات الطيارين بالأردن تعتبر الأقوى عالمياً. وفي مطلع التسعينيات، ومع نمو وافتتاح شركات الطيران المتعددة، كان استقطاب الطيارين ومتقاعدي الملكية الأردنية لطيارين ومدراء مطارات هو الأول في الاستقطاب والتعيين والتوظيف، وكانت تلك الشركات هي من تطلب من الملكية الأردنية ترشيح طيارين ومدراء متقاعدين للعمل معها.
ويعلم الجيل السابق ممن خاضوا تجربة العمل في الخليج العربي أن مجرد إبراز الجواز الأردني للحصول على التأشيرات والإقامات وفرص العمل المتقدمة كانت تعامل للأردنيين بطريقة مختلفة لها تقدير ومعاملة خاصة، وكذلك في قطاعات الأمن والبنوك والتربية. وفي مجال التدريب والاستشارات للدورات التي تقدم في القطاع الحكومي، كان مجرد أن يكون المدرب أردني الجنسية كفيلاً بأن يكون الأتميز في المفاضلة والقبول بين مئات الطلبات، خاصة في أعوام 2000 إلى 2009. وفي شركات التدقيق الداخلي والاستشارات المالية، كانت البنوك الأردنية ومدراؤها حاضرين بقوة في تأسيس مراكز التدقيق الداخلي ولهم بصمات قوية في تكوين المؤسسات ذات العلاقة. وبحكم عملي في قطاع الاستشارات الاقتصادية والإدارية، كانت البرامج والمقابلات حول فلسفة العمل والحوار الدولي تتابع بدقة، خاصة ما يقوم به صاحب السمو الأمير الحسن بن طلال حفظه الله، مع الإشادة له بالمعرفة والعلم والدقة المتوازنة. جميع وزارات التربية والتعليم العربية كانت تدرك قوة المناهج الأردنية، وكانت لا تعارض أن يخصم 10 علامات من الطالب الدارس لديهم مقابل أن يدرس في الجامعات الأردنية.
وفي ظل التشديدات التي تدور حول الحصول على التأشيرات، كان الجواز الأردني الأكثر قبولاً وتميزاً بالدخول عبر معظم المطارات العربية وغير العربية بكل سهولة ويسر. وأذكر عام 2021 كنت في زيارة عمل لجورجيا، ومع تشديد ضباط الجوازات في مطارات جورجيا على التأشيرات وشروط الدخول، مجرد أن قدمت الجواز الأردني كانت الأمور تتم بسهولة وابتسامة، وكذلك مطارات تركيا. وفي عدة دول عربية، كانت إقامة الأردني بدون التشديد لمعدل الإقامة 90 يوماً، حتى لو جلس لمدة سنة كان يغادر بدون أي معوقات.
وفي عام 2009، كنت في مطار دمشق، وكان الرعب يجتاح المسافرين والسياح من كل بلد خوفاً من أي خلل أو اشتباه بالاسم ليكون كفيلاً للإقامة بالسجون بدون سبب. وأذكر أن موقفاً كان مع أردني تعالت صيحاته بالمطار لتشابه اسمه مع اسم مطلوب مع اختلاف اسم الأم والنسبة، وهو أردني مقيم في دولة خليجية، ليقول لهم بصوت عالٍ: "سلموني للمخابرات الأردنية أنا موافق". هذه الثقة هي عقيدة الثقة والأمن والأمان، أن يطلب مواطن أن يسلم نفسه لجهاز المخابرات الأردني لعلمه اليقين أنه في بيت الأمن والأمان المطلق.
وفي مطار قبرص عام 1998، قال لي رجل أعمال أردني أمريكي إنه في لقاء مع رجال أعمال من قبرص سأله رئيس غرفة التجارة القبرصي عن البلد وقال له: الأردن، وفوراً قال له: "KING HUSSIEN"، مما جعله يقول لي هذه المعلومة وهو في أتم درجات السعادة.

أحد السياسيين وكان مقيماً في الخارج، وهو صغير بعثي يهاجم الأردن في جرائد لبنان، وصدر بحقه منع وأحكام من دخول الأردن، إلا أن أتعبته الغربة ليكتب رسالة اعتذار لجلالة الملك الحسين بن طلال رحمه الله ويطلب منه السماح حيث كان صغير السن مغرراً به، ليتفاجأ أن السفارة الأردنية في البلد العربي الذي يقيم به أرسلت رسالة برقية من الملك الحسين مدرسة الإنسانية برسالة من كلمتين: "أهلاً بكم في بلدكم"، ليدخل الأردن لسنوات ويموت فيها دون اعتراض من أي جهاز أمني. مئات الأصدقاء الخليجيين أكدوا لي في جلسات ودية أنهم في رحلاتهم البرية عبر الحدود، الجندي أو الضابط الأردني لا يقبل الرشوة أو الإكرامية. هذا الثبات والسمعة مع كل الظروف الاقتصادية التي نعرفها شهادة تاريخية لا تقدر بثمن، إنها السمعة يا سادة. وفي قصة حقيقية حصلت مع شخص أقدر علمه ومكانته وصدقه، قال لي بالحرف إنه تعرض إلى مشكلة في الزرقاء مع شبان وتوجه إلى الشيخ شاهر سبيل الزواهرة من شيوخ قبيلة بني حسين المحترمة، ليقول له: "وصلت"، وأنهى له المشكلة بكلمة وللأبد. إنه الأردن.
وإن سالت عن الكرم فالكرم عنوانه معان، تراه في حركة الحجاج والمعتمرين، وقصص كثيرة حتى من أتراك قالوا لي في أنقرة تعطل بهم الباص ليتفاجؤوا بمائدة فطور للباصات والجلوس معهم وفتح بيوتهم للنساء المعتمرات لحين إصلاح الباصات. إنه الأردن. ما أقوله ليس دفاعاً عن الأردن، فالأردن لا يحتاج مني شهادة، إني أكبر به عندما اقترن باسمه، فهو من يكبرني ويعطيني حجماً، وليس تذكيراً، فالتاريخ واضح كالشمس لا يحتاج إلى غربال ليغطيه، فالقيادة الهاشمية صنعت التاريخ ورجالات الأردن صنعوا الوطن ليكون مشهداً عظيماً في نبض التاريخ العربي والعالمي. بريطانيا من أعقد دول العالم بالتأشيرات والتي بجهود الدبلوماسية الأردنية سمحت للأردني الدخول بدون شروط. إنه التاريخ، ولا بد من التاريخ أن يقول كلمته، فهل نقدر قيمة ما بناه تاريخ الرجال؟

هل تعلم أن شارع الكاردنز كان مشهوداً له عربياً على الأقل أنه قبلة التكنولوجيا والبرمجة؟ وهل تعلم أن المدينة الطبية كانت الأولى عربياً على الأقل في العلاج بالإضافة إلى مستشفيات الأردن؟ هل تعلم أن عمليات طفل الأنبوب كان الأردن الأولى في الشرق الأوسط والأكثر نجاحاً؟
في كل موقف إنساني مسؤول يصل إلى مسامع جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين، كان يقابل بالاستجابة الفورية. أين تجد مواطناً صياداً يرى جلالته في قارب بالعقبة ليقفز ليسلم عليه سلام الأب الحاني، ليجد كنزاً عظيماً؟ إلى الحاجة التي كانت تنام على طرف طريق جرش بالقرب من مسمع الجمعيات الخيرية، وعبر لقاء إعلاني معها وفر لها سيدنا البيت والمكان والرعاية. وانتفض جلالته لمشكلة حادثة مستشفى السلط ليقول بصرخة الأب: "كيف صار هيك؟". إنه الأردن.
علينا أن نعي أهمية الأردن أولاً وتاريخه وإمكانياته، وأن ننتقل من مرحلة التصريح إلى العمل والحوكمة والالتزام والتركيز على النتائج المتوازنة القائمة على دراسات واستشارات حقيقة، وتعظيم دور المواطن والمجتمع ليكون له دور في البناء والاستدامة. إننا مسؤولون فرداً فرداً وكل مؤسسة وكل وزارة على التركيز على تحسين جودة المناخ الاستثماري وتجويد جودة صناعة القرار التي ينتشر صداها عالمياً بثوانٍ على مسامع العالم.
وأوجه رسالتي إلى شباب التيك توك والبرامج المختلفة: لا توظف نفسك الناطق الرسمي باسم الأمن العام بنقل فقط اخبار الجرائم والمشاكل فهي في كل دول العالم تحدث سواء كانت جرائم أو طبيعية، دع لهم الاختصاص وركز على توجيه الشباب نحو العمل التشاركي. وإلى المستشارين الأسريين: لا تستسهل الحديث عن الأسرة والعلاقات دون فهم عميق للقدرة الاقتصادية المؤثرة للزوج أولاً والتحديات، فلا تعامل المتلقين على أنهم يعيشون في منتجع سياحي.

إننا نحتاج إلى مرونة منطقية في إدارة الملفات كالطبيب الحذر على حياة المريض، وليس فقط إصدار قرار إغلاق مشاريع مخلفاً هماً جديداً للبطالة والمشكلات. ولا تعتقد أن الدولة تعني أن تجلس في بيتك وهي تقدم لك الوجبات الساخنة؛ أنت مسؤول أيضاً عن إيقاع السلوك فهي حلقه من حلقات النمو، ولا تكلف نفسك فوق طاقتها، وإن كنت غير مطلع على التجارب أقول لك: في أمريكا وكندا وعن خبرة، رجال أعمال كبار يسكنون في شقة 60 متراً ولا يخجل أن يقول الشقة الصغيرة أوفر لمصاريف الطاقة بالشتاء. وهنا علينا أن نقدّم للمسؤولين قبل المواطنين دورة بعنوان "هنا الأردن" لضبط إيقاع التصريحات المتعددة والكف عن رمي الكرة في ملعب الآخر تنصلاً من المسؤوليات. نحن لا نحتاج إعادة ترميم وطن، فالوطن قوي متماسك راسخ تسهر عليه أجهزة أمنية وإدارية واعية قانونية وشفافة. نحن نريد إعادة البوصلة نحو العمل والجد والالتزام. نحن بلد فقير الموارد فلا داعي للرفاهية التي ترهق الموازنات، ونحتاج وعياً من التجار لعدم العبث بالأسعار، ونحتاج إلى عدم هدر موارد الطاقة والتركيز على البناء والنمو المستدام والإيمان بالأرقام. عندما تصرح جهات رقابية مختصة أن لدينا اكتفاء من خريجي القانون والطب، إذن علينا الإيمان وتلك الدراسات الإكتوارية، فلا تقابل بالتعنت للدراسة بالخارج والعودة للمطالبة بفرص. نحن مجتمع وإن حاول الخروج من عباءة التقاليد تمثيلياً نجد أنفسنا نعود لها مرة انتقاجاً لحفل أو سهرة أو تصريح، إذن ضبط السلوك أولى بالشكوى. وعندما نقرأ آلاف الرسائل اليومية عن البطالة، لا داعي للأب أن ينسى تلك الكلمات أمام أول عريس يراه لابنته ليطلب بها مال قارون.
نحن لا تنقصنا النظريات ولا نخوض في الفرضيات، نحن نحتاج إلى صوت وطني يوحد إيقاع السلوك لمواجهة المشكلة، لا للتنمر من أي تصريح أو إيقاع لبرمجة جاهزة للرفض بدون وعي. هذا يبدأ أولاً باحترام النظافة في حديقة عامة قبل التكلم في استراتيجيات فلسفية مفترضة.

الجهد الجبار الذي قام به جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين المفدى في الصين وجذب الاستثمارات يعد عملاً استثنائياً في لفت أكبر منتج بالعالم، فهل نحن مستعدون كمؤسسات وشعب لهذا التحول؟ أقلها البدء في إعلانات حول تعلم اللغة الصينية. إنه العمل في ظل نظرية صفر بيروقراطية. الأردني بما حمله من إرث قومي حمله عبر سفره للخارج، وقد تسأل عن تجربتي غير النظرية أثناء إقامتي في سلطنه عمان ألفت كتاباً عن تاريخ سلطنة عمان "تاريخ وحضارة". في حفل رسمي في غرفة تجارة عمان، أعلنت عن قاعة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، وتاليفي لكتاب اصول التخطيط الاستراتجي تقديرا لجهود صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد ال مكتوم العملاقة في التخطيط الاستراتيجي حتي باتت دبي مدينه العالم الاستثمارية وذلك بحصور سعادة الملحق العسكري في سفارة دولة الإمارات العربية المتحدة، الحفل مشكورا وكذلك حضور دولة الأستاذ الفاضل فيصل الفايز الذي لبى الدعوة مني دون واسطة للعلم، .والعمرة التي عملتها عن روح جلالة الملك الحسين بن طلال لم يكلفني بها أحد، لكن كانت حبا ووفاءً لجلالة الحسين مدرسة الإنسانية بما زرعه فينا من قيم عظيمة وطنية .
أخيرا اقول لك مسئول ضع فلاتر في اليات صناع القرار واستخدم بطاقة الاداء المتوازن ان كل قرار غير مدروس من حيث ابعادة كارثة تصب في باب البطالة والازمات ولا تستسهل قوة المكتب والبيرقراطية فان العديد من القرارات التي ادت الي اغلاقات ودمار مشاريع خلفت بطالة وبطئ في التنمية الاقتصادية او الافضل او نعلن عن وزارة صناعه القراراات التي تضبط مخرجات صناعه القرار .



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد