الشيخ أحمد البقاعي بين لغة الشارع وحسد المارق

الشيخ أحمد البقاعي بين لغة الشارع وحسد المارق

28-08-2026 11:44 AM

يُنْسَبُ إلى المعري، الفيلسوفِ صاحب الفلسفة القائمة على تقليب وجوه المعاني، أنه قال عن رأي الناس في العسل:
إذا أحبّوا العسل قالوا: "شهدٌ ومجتنى نَحلٍ ودواء"، وإذا كرهوه قالوا: "رعافُ زنابيرٍ وقيءُ ذُبابٍ!"
فالكُره والحسد من أكبر أسباب انقلاب المعاني...

​كثيراً ما يقول لي ابني كنان: "يابا، خلينا نروح على مسجد رياض الصالحين، الشيخ أحمد بده يخطب هناك". وطبعاً، أنا أرفض الذهاب إلى مسجد رياض الصالحين! أتعرفون لماذا أرفض الذهاب إلى هناك؟! لسببين لا ثالث لهما: أما الأول، فلأني لا أجد مكاناً لإيقاف سيارتي، وأما الثاني — وله ارتباط وثيق بالأول — فإنني لا أجد مكاناً لي داخل المسجد... كل هذا يحدث عندما يكون الشيخ أحمد البقاعي خطيباً هناك، وللأمانة، هذا ينطبق أيضاً عندما يكون الدكتور فراس الشياب هو الخطيب، وللعلم المسجد المذكور هو في مدخل الصريح الشمالي.

​فحينما يكون البحث عن الخطيب، فاعلموا أن الكيف هو المطلوب، وأن الأسلوب هو المرغوب... فالناس لا تبحث في خطيب الجمعة عن ماذا سيقول؛ فالمواضيع متشابهة، والمصادر واحدة، والمحددات والقيود واضحة... ولكن الناس تبحث عن طريقة التعاطي مع المعلومة، وهذا مبحث يطول الحديث عنه.

ولكن اسمحوا أن ألفِتُ نظركم لشيء مهم جداً، ألا وهو "القبول"؛ فمن كتب الله له القبول فقد نال خيراً كثيراً...

فلقد ملّ الناس الخطاب الديني التقليدي، وأتحدى أن تسأل عشرة أشخاص بعد خروجهم من المسجد عن موضوع أي خطبة تقليدية أن يتذكروا ما قاله الخطيب!

​عودةً إلى الشيخ أحمد البقاعي؛ فمنذ مدة لفتت انتباهي تلك الظاهرة الدعوية الخفيفة، اللطيفة، القريبة التي تجلت للناس، وتصدت لكثير من الظواهر والمظاهر الاجتماعية واللفظية والسلوكية التي تعترض حياة الفرد والمجتمع. وكان رائد تلك الظاهرة هو الداعية إلى الله الشيخ الدكتور أحمد البقاعي؛ ذلك الفتى الذي أطلق سمعه وعقله وعينه في شوارعنا، غاضاً طرفه عن المحرمات، ومعطياً للزقاق حق الطرقات، يرقب المثالب والعيوب والهَنَات؛ ليعطي للناس وصفة ربانية نبوية إسلامية محمدية، تعينهم على التخلص من تلك المنزلقات السلوكية التي قد تهوي بهم في جهنم، وليحول بينهم وبين الوقوع فيما يغضب الله جل جلاله وما يؤذي الناس.

​وقد تسلح الدكتور أحمد البقاعي في معركته مع أمراض المجتمع تلك بسلاح وفير، بعلم غزير وفكر نَيِّر، واستطاع أن يوصل بيانه للصغير قبل الكبير؛ تارة بفصيح اللسان، وتارة بعامية الألفاظ والبنيان. وبين ذلك وتلك، لا يمكن لمنصف أن ينكر عذوبة الكلام، وسلاسة الأسلوب، وسهولة المطلوب؛ فلست بحاجة إلى ترجمان لتفهم أقواله، ولست بحاجة إلى قاموس لتطبق أفعاله.

​وقد عاب عليه بعضهم ما أراه ممدحة له، فقالوا: "إن الشيخ يستخدم لغة الشارع!" وما أعظمها من تهمة؛ أن يستخدم الشيخ لغة الشارع! وأقول لهؤلاء: عندما يكون الحديث عن الشارع، فما هي اللغة التي ترونها مناسبة للحديث عنه؟ هل هي لغة الصالونات الأدبية، أم لغة المؤتمرات العلمية، أم لغة البحوث المحكمة؟ وعندما يكون الحديث عن سلوكيات ومخالفات وألفاظ تحدث في الشارع، فبأي لسان سنتحدث عنها؟
أجيبوا يرحمنا ويرحمكم الله...

​ألم يعلمنا رسول الله ﷺ كيف نعطي للطريق حقه حينما قال: (إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ بِالطُّرُقَاتِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا بُدٌّ لَنَا مِنْ مَجَالِسِنَا نَتَحَدَّثُ فِيهَا، فَقَالَ: إِنْ أَبَيْتُمْ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ، قَالُوا: وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: غَضُّ الْبَصَرِ، وَكَفُّ الأَذَى، وَرَدُّ السَّلاَمِ، وَالأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ)؟ ومن حق الطريق وروادها علينا أن نأمرهم بالمعروف وننهاهم عن المنكر بلسانهم الذي يفهمون منطقه، وبكلامهم الذي يعرفون مراميه.

وأرى أن بعض الألفاظ التي استخدمها الشيخ أحمد هي من ألفاظ شارعنا ومن قواميس طرقاتنا، أتى بها ليعطي للفظة حقها، وللّقطة وصفها، وللحقيقة كمالها... أعلمتم الآن لماذا اعتبرتُ ما عبتُموه على الشيخ ممدحة له؟

​إلا أني ألتمس لكم أعذاراً فيما ذهبتم إليه؛ فالعذر الأول قد يكون عدم إدراكٍ للمراد، وعلاجه الاستماعُ لما قاله بتمعن وانتباه. وأما الثاني، فقد يكون مصادقتكم على أحكام غيركم وعلاجه؛ أن تعطوا لعقولكم حق إطلاق أحكام مستقلة على ما قال، لا على ما قيل لكم.
وأما العذر الذي لا دواء له فهو الحسد... ويعجبني ابن الرومي حيث يقول:
​إِنَّ الحَسُودَ يَرَى السَّابِقِينَ ذَوِي العُلا ... سِهَاماً تُصِيبُ فُؤَادَهُ إِصْمَاءَ
وَيَعَادِي المَرْءَ لَا لِذَنْبٍ أَتَاهُ ... إِلاَّ لِأَنَّهُ فَاقَهُ سَنَاءَ

​الشيخ أحمد البقاعي — يا سادة — شخص يبتغي مرضاة الله ثم منجاة الناس، ولا يبتغي شهرة ولا كثرة متابعين، وإنما هو داعية يسلك سُبل الأولين في التثبت ونشر الخير والدين... فإن أحسن فبتوفيق من الله وفضله، وإن أخطأ فهو بشر ومقبول منه الخطأ؛ فكما علمنا رسولنا محمد ﷺ: (كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ).

​وهناك باب كبير يمكن لي وإياكم أن ندخل منه، ألا وهو "باب النصيحة"؛ فمن رأى عيباً فلينصح ولا يفضح، متبعاً في ذلك هدي معلمنا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم حين قال موجهاً: (الدِّينُ النَّصِيحَةُ، قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ).

​وفي الختام، غفر الله لنا ولكم ولشيخنا، ونطالب منه مواصلة مشواره الدعوي المبارك بذات اللغة التي أطربنا بها وعودنا عليها، غير ملتفت لحاسد أو حاقد أو متصيد... ونعيذه بالله وأنفسنا وإياكم من شر ما خلق، ومن شر غاسق إذا وقب، ومن شر النفاثات في العقد، ومن شر حاسد إذا حسد.
​والله من وراء القصد.


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد