حلف مكة .. هل يعيد رسم أمن الخليج
29-08-2026 12:05 AM
لم تعد منطقة الشرق الأوسط، والخليج العربي على وجه الخصوص، تقف أمام مجرد أزمة أمنية عابرة أو جولة جديدة من جولات الصراع التي اعتادت عليها خلال العقود الماضية. ما نشهده اليوم هو تحول استراتيجي عميق في بنية النظام الإقليمي نفسه؛ تحول فرضته الحروب المتلاحقة، وتراجع الثقة بالمظلة الأمنية الأميركية، وصعود قوى إقليمية تبحث عن استقلال أكبر في قرارها، وظهور ترتيبات أمنية مصغرة وأكثر مرونة من المؤسسات التقليدية.
وفي قلب هذا التحول يبرز ما يمكن تسميته بـ*«حلف مكة»*، أي اتفاق الدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، بوصفه مؤشراً مهماً على انتقال المنطقة من الاعتماد شبه الحصري على الضمانات الغربية إلى البحث عن أمن متعدد المظلات والشركاء. فالوثيقة المرفقة تصف الاتفاق باعتباره نتاجاً لعدم اليقين بشأن الضمانات الأمنية الأميركية، وتفتت النظام الإقليمي، والتكامل في قدرات الدول الثلاث، وليس بالضرورة تحالفاً تقليدياً موجهاً ضد عدو واحد بعينه.
ما بعد الحرب: الشرق الأوسط ليس كما كان
لقد جاءت الحرب الإيرانية–الأميركية–الإسرائيلية، وما سبقها ورافقها من تصعيد إقليمي، لتكشف مقدار الهشاشة التي يعيشها الشرق الأوسط. فالحروب الحديثة لم تعد محصورة في ساحات القتال، وإنما تمتد آثارها سريعاً إلى الموانئ والمطارات وأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد وحركة الملاحة والاستثمار والسياحة والأمن الغذائي.
والخليج، بحكم موقعه وثرواته ووجود أهم الممرات البحرية ومصادر الطاقة العالمية فيه، يدفع ثمناً مضاعفاً لكل مواجهة كبرى.
لقد أثبتت التجربة أن الحرب، حتى عندما لا تقع المعارك الرئيسية فوق أراضي جميع دول المنطقة، يمكن أن تجعل الجميع خاسرين. الصواريخ والطائرات المسيّرة واضطراب الملاحة وارتفاع تكاليف التأمين وهروب رؤوس الأموال وتعطل التجارة ليست مشكلات تخص الدولة التي تتعرض للهجوم وحدها؛ إنها تنتقل بسرعة إلى الإقليم بأكمله.
ومن هنا، فإن أخطر نتيجة استراتيجية لهذه الحرب ليست فقط حجم الخسائر التي خلفتها، وإنما سقوط الكثير من المسلمات التي حكمت أمن الخليج طوال عقود.
أميركا: حليف قوي... ولكن هل هو حليف موثوق؟
منذ عقود قامت معادلة أمن الخليج على افتراض مركزي: الولايات المتحدة هي الضامن الأخير لأمن المنطقة.
ولا شك في أن واشنطن لا تزال تمتلك القوة العسكرية الأكبر والنفوذ الأمني الأوسع في الخليج، ولا يمكن الحديث بواقعية عن خروج أميركي كامل من معادلة الأمن الإقليمي. لكن السؤال الذي يواجه صانع القرار الخليجي اليوم لم يعد: هل أميركا قوية؟ بل أصبح: هل ستستخدم أميركا قوتها عندما تتعرض مصالح حلفائها للخطر؟
وهذه نقطة فارقة.
فالوثيقة المرفقة تلتقط هذا التحول بدقة، إذ تشير إلى أن المسألة بالنسبة لصانع القرار السعودي أصبحت مرتبطة بما إذا كانت القوة الأميركية ستُستخدم دائماً عندما يتطلب الأمن السعودي ذلك، وأن الاستجابة لهذا القلق ليست بالضرورة التخلي عن واشنطن، وإنما تنويع مصادر الأمن.
لقد اكتشفت دول الخليج أن التحالف مع الولايات المتحدة مهم، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى اعتماد استراتيجي مطلق. المصالح الأميركية تتغير، والإدارات تتبدل، والأولويات تنتقل من الشرق الأوسط إلى آسيا وأوروبا، فيما تبقى دول الخليج هنا، في الجغرافيا ذاتها، تواجه التحديات نفسها.
ومن هنا يصبح البحث عن شركاء إضافيين أمراً عقلانياً، لا إعلاناً للعداء لأميركا.
لماذا السعودية وتركيا وباكستان؟
هنا تبرز أهمية حلف مكة.
فالدول الثلاث لا تتطابق في تعريفها للعدو. باكستان تنظر أساساً إلى الهند باعتبارها التحدي الأمني التقليدي الأكبر، بينما تتركز أولويات تركيا على ملفات مختلفة تشمل محيطها السوري والعراقي والبحر المتوسط والبحر الأسود والقضية الكردية، في حين ترتبط الهواجس السعودية أساساً بأمن الخليج والصواريخ والمسيّرات واليمن وحماية البنية التحتية الحيوية. وهذا التباين في إدراك التهديدات يشكل بالفعل إحدى المعضلات الأساسية أمام الحلف.
لكن الدول لا تتحالف دائماً لأنها ترى العدو نفسه؛ أحياناً تتحالف لأنها تخشى المستقبل نفسه.
وهذه ربما تكون الفكرة الأهم في حلف مكة.
فالسعودية تمتلك المال والموقع والثقل السياسي والطاقة والقدرة الاستثمارية؛ وتركيا تمتلك قاعدة صناعات دفاعية متقدمة وخبرات عملياتية وطائرات مسيّرة وتقنيات صاروخية وحرباً إلكترونية وخبرة طويلة داخل الناتو؛ أما باكستان فتمتلك جيشاً كبيراً وخبرة عسكرية وقدرات صاروخية وردعاً نووياً وعلاقة استراتيجية وثيقة بالصين. وتلخص الدراسة المرفقة المعادلة في تكامل القدرة المالية والجيو-اقتصادية السعودية مع الصناعة الدفاعية التركية والقدرات العسكرية والاستراتيجية الباكستانية لإنتاج ردع جماعي أكثر تنوعاً.
إنها، بعبارة أخرى، شراكة قدرات أكثر منها تحالف أعداء.
هل أطلق حلف مكة رصاصة الرحمة على مجلس التعاون؟
هنا يأتي السؤال الأكثر حساسية.
إذا كانت السعودية، وهي الدولة الأكبر والأكثر تأثيراً في مجلس التعاون الخليجي، تحتاج إلى بناء مظلة دفاعية إضافية مع قوتين من خارج المجلس، فماذا يقول ذلك عن قدرة المنظومة الخليجية القائمة على توفير الأمن لأعضائها؟
لا يعني ذلك أن مجلس التعاون انتهى. فالمجلس قائم، واتفاقية الدفاع المشترك قائمة، وقوة درع الجزيرة موجودة. ولذلك سيكون من المبالغة إعلان وفاة المجلس.
لكن المشكلة ليست في الوجود القانوني للمؤسسة، بل في كفايتها الاستراتيجية.
وهذه بالضبط إحدى النتائج المهمة في الدراسة المرفقة: حاجة السعودية إلى ضمانات دفاعية إضافية مع قوتين من خارج مجلس التعاون تشير إلى وجود قصور مؤسسي، وإن كان ذلك لا يعني «موت» المجلس؛ بل يشير إلى انتقال أمن الخليج نحو بنية أمنية متعددة الطبقات ومتداخلة.
لذلك يمكن القول إن حلف مكة ربما لم يطلق رصاصة الرحمة على مجلس التعاون، لكنه بالتأكيد دق جرس إنذار شديداً أمام منظومته الأمنية.
فالمؤسسات التي لا تتطور لا تحتاج إلى قرار رسمي بإلغائها؛ يكفي أن يبدأ أعضاؤها بالبحث عن وظائفها خارجها.
وماذا بقي من اتفاقية الدفاع العربي المشترك؟
السؤال نفسه، وربما بصورة أكثر إيلاماً، ينطبق على النظام العربي.
فمعاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي بين الدول العربية موجودة منذ عام 1950، ومع ذلك لم تنجح المنظومة العربية خلال أكثر من سبعة عقود في بناء نظام دفاع جماعي قادر على التعامل الفعال مع الأزمات الكبرى.
والدلالة السياسية العميقة في حلف مكة هي أن السعودية لم تبحث عن شريكين عربيين لتأسيس هذا الترتيب، وإنما اتجهت إلى تركيا وباكستان، وهما قوتان مسلمتان غير عربيتين.
وتشير الدراسة إلى أن هذا التطور يعكس انتقالاً تدريجياً من الإقليمية العربية التقليدية إلى ترتيبات شرق أوسطية مصغرة ومرنة، وأن الجامعة العربية باقية كمؤسسة سياسية ودبلوماسية، لكن مركزيتها في مجال الأمن الصلب تراجعت بوضوح.
وهنا يصبح السؤال مشروعاً:
إذا كانت الدول العربية عند لحظة الخطر تبحث عن الأمن خارج اتفاقية الدفاع العربي المشترك، فما الوظيفة الفعلية التي بقيت لهذه الاتفاقية؟
إن حلف مكة لا يعلن رسمياً وفاة النظام الأمني العربي، لكنه يقدم شهادة شديدة القسوة على عجزه.
المطلوب توسيع حلف مكة... ولكن ليس ضد إيران
إذا نجح حلف مكة، فإن قيمته الحقيقية يجب ألا تكون في تحويله إلى محور مذهبي أو قومي جديد، ولا إلى «ناتو إسلامي» يبحث عن عدو دائم.
بل إن الدراسة نفسها تحذر من هذا التصور؛ فالحلف لا يمتلك حتى الآن العمق المؤسسي والقيادي والعسكري المتكامل الذي يتمتع به الناتو، كما أن أعضاءه لا يشتركون في عدو واحد.
الأجدى أن يتطور إلى إطار أوسع للأمن الإقليمي والتعاون الدفاعي والتكنولوجي، وأن يبقى مفتوحاً أمام دول أخرى قادرة على الإسهام في استقرار المنطقة، مع تحديد واضح لآليات اتخاذ القرار وشروط تفعيل الدفاع المشترك.
غير أن نجاح أي بنية أمنية جديدة يتطلب أيضاً إدراك حقيقة جغرافية وسياسية لا يمكن الهروب منها:
إيران باقية في هذه المنطقة، والعرب باقون فيها.
لا يستطيع العرب إلغاء إيران من الجغرافيا، ولا تستطيع إيران بناء أمنها على إضعاف الدول العربية أو تهديدها. وبعد كل الدماء والخسائر والحروب بالوكالة والعقوبات والصواريخ والأزمات، ينبغي أن تكون هناك شجاعة سياسية للانتقال من سؤال: كيف نهزم بعضنا؟ إلى سؤال أكثر عقلانية: كيف نعيش معاً دون أن يدفع الجميع ثمن الخوف المتبادل؟
بل إن حلف مكة نفسه لا يصلح عملياً ليكون تحالفاً دائماً ضد إيران؛ فباكستان تشترك مع إيران في حدود مباشرة، وتركيا ترتبط معها بعلاقات اقتصادية وأمنية وجيوسياسية معقدة، كما أن السعودية نفسها سعت خلال السنوات الأخيرة إلى إبقاء باب الحوار مع طهران مفتوحاً. وهذا ما تؤكده الدراسة عند اعتبار إيران الاختبار الأصعب لقدرة الاتفاق على التحول من التحوط الاستراتيجي إلى تحالف تقليدي.
الأمن لا يصنعه السلاح وحده
الشرق الأوسط بعد هذه الحرب يحتاج إلى عقد أمني إقليمي جديد.
نحتاج إلى قوة ردع عربية وإسلامية حقيقية، نعم؛ وإلى تنويع الشراكات وعدم الارتهان لقوة دولية واحدة، نعم؛ وإلى تطوير الصناعات الدفاعية والتكنولوجيا والأمن السيبراني والدفاع الجوي والصاروخي، بالتأكيد.
لكننا نحتاج، في الوقت ذاته، إلى قنوات اتصال وحوار وتسويات سياسية بين العرب وإيران وتركيا وبقية دول الإقليم.
فالأمن المستدام لا يعني أن يمتلك كل طرف صواريخ أكثر من الطرف الآخر، وإنما أن يصبح استخدام هذه الصواريخ أقل احتمالاً.
وحلف مكة يمكن أن يكون خطوة مهمة في هذا الاتجاه إذا فهمناه باعتباره أداة لبناء الاستقلال الاستراتيجي وليس مقدمة لحرب جديدة.
السعودية وتركيا وباكستان تستطيع أن تشكل نواة مهمة في هندسة أمنية جديدة، ولكن قوتها الحقيقية لن تقاس فقط بعدد الجنود والطائرات والصواريخ، بل بقدرتها على بناء شبكة مصالح تجعل الحرب أكثر كلفة والسلام أكثر منفعة.
لقد دخل الشرق الأوسط مرحلة لم يعد فيها ممكناً الاتكال الكامل على المظلة الأميركية، ولا الاحتماء بمؤسسات عربية ضعيفة، ولا إدارة العلاقات العربية–الإيرانية بمنطق الصراع المفتوح إلى ما لا نهاية.
وقد يكون حلف مكة أول إشارة واضحة إلى ولادة هذا العصر الجديد.
لكن السؤال الذي سيحدد مستقبل المنطقة ليس: من سيكون عدونا القادم؟
بل: هل نستطيع بناء أمننا بأيدينا، والتفاهم مع جيراننا، قبل أن تأتينا الحرب القادمة وتعيد تدمير ما تبقى؟
وهذا هو التحدي الحقيقي أمام الخليج والعرب في مرحلة ما بعد الحرب.
حلف مكة .. هل يعيد رسم أمن الخليج
طهران: مستعدون للحوار ونطالب بإنهاء الضغوط الأميركية
رغم الضغوط الإقليمية .. ستاندرد آند بورز تثبّت التصنيف الائتماني للأردن
خطبة الجمعة تعظّم مقام النبي .. والمناعي يعلّق على قضية الزيود
الامن العام: وفاة شخص إثر مشاجرة في إربد
إيران: العقوبات الأميركية قلّصت الصادرات والواردات بنسبة 35%
فرنسا تجلي 44 فلسطينيا من غزة بينهم علماء وفنانون
العقبة الجديدة .. فنادق ومراسي وأسواق على قناة بحرية
ثنائية تقود الفيصلي للتتويج بكأس السوبر أمام الحسين
خامنئي يحث على تجنب التصريحات المحبطة والتعامل مع التحديات
العقبة: إزالة 208 أشجار وتقليم 850 ضمن خطة السلامة
الملك يعزي العاهل النرويجي بوفاة الملك هارالد الخامس
الكواليت: الإنتاج المحلي يغطي 45% من احتياجات المملكة من اللحوم
قبل انطلاق نهائي كأس السوبر .. الفيصلي والحسين يعلنان تشكيلتيهما
سبب وفاة فؤاد حجازي تهز مواقع التواصل
اب يقتل ابنه بالرصاص في اربد .. تفاصيل
الذهب يلمع في الأردن اليوم .. أسعار
بيان شديد اللهجة من عشائر الخزاعية بشأن عرس مادبا: سنلجأ للقضاء
شيماء وليد .. ماذا اكتشفنا خلف قصة الطبيبة التي أبكت الملايين؟
إحالة خليل الزيود إلى النائب العام بعد جدل حول تصريحات مسيئة للنبي
عمال مصنع ألبان: سبعة أشهر بلا رواتب .. التفاصيل
سقط قرار الـ30% وبقيت الأزمة .. من يفك طلاسم التوجيهي والحقول؟
منخفض جوي مبكر يقلب أجواء المنطقة .. وهذا ما ينتظر الأردن نهاية الأسبوع
غضب أردني من تصريحات خبير تربوي أساء للنبي ﷺ .. والإفتاء ترد
تصريحات الخبير التربوي عن النبي ﷺ .. القصة الكاملة من الجدل إلى تدخل الإفتاء
وفاة عشريني متأثرًا بإصابته برصاص والده في البلقاء
وائل كفوري يختار عمّان محطة لتقديم "محبوبي"
